زيارة واحدة لناد بحجم ومكانة نادي برشلونة الأسباني تكفي لكي تجعلنا نقف على حقيقة تلك المؤسسات الرياضية، التي توازي في طريقة عملها وأسلوب تعاطيها مع المنظومة الرياضية عمل مؤسسة متكاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى دون أن يكون هناك أي مكان للصدفة والاجتهاد الذي غالبا ما يسيطر على طريقة عمل مؤسساتنا الرياضية التي ما زالت تدار بأسلوب لا يوازي ذلك الذي تنتهجه الأندية المتطورة في العالم والتي نجحت ومن خلال التزامها بالمعايير العلمية والعملية المبنية على التخصص والمعرفة، في الوصول بتلك النماذج من الأندية إلى نماذج يشار إليها وإلى النجاحات التي جعلت منها تتقدم الصفوف وتخترق الطوابير الطويلة لتقف في المقدمة والفضل فيه إلى العقلية وإلى الفكر الاحترافي والمتخصص الذي يقود تلك المؤسسات.
الزيارة الرسمية التي قمنا بها لنادي برشلونة بدعوة من مؤسسة الإمارات للاتصالات الراعي الحصري للنادي الكاتالوني في قطاع الاتصالات، والتي بدأناها بحضور مباراة الذهاب للدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا التي جمعت بين برشلونة وبايرن ميونيخ الألماني على استاد نو كامب والتي اكتسح فيها برشلونة ضيفه الألماني برباعية نظيفة مع الرأفة، الزيارة تلك وأن كانت في ظاهرها لحضور مباراة من ذلك النوع الثقيل في الوزن الرفيع في الأداء الفني والراقي، إلا في مضمونها كانت بالنسبة لنا أكثر من ذلك بكثير، وقبل أن نستعرض محطات تلك الزيارة التي لم تستغرق سوى يومين فقط إلا انها كانت كافية لكي تجعلنا نقف عند وقائع ومفاهيم جديدة لم نكن لنتعرف عليها لولى ذلك التواجد لنا في النادي الكاتالوني الذي كان أشبه بالذهاب لمشاهدة مسرحية في ذلك المسرح الذي يضم ما يقارب ال100 ألف متفرج.
كل شيء بالأحمر والأزرق... في صباح يوم المباراة انتهزنا الفرصة لمراقبة شوارع برشلونة وكيف يكون حالها .. وبالفعل وبمجرد وصولنا لمركز المدينة، كان كل شيء فيها قد اصطبغ بشعار النادي باللونين الأزرق والأحمر لدرجة ضاعت فيها بقية الألوان، ومع مرور الوقت ومع اقتراب موعد المباراة بدأ الزحف نحو ملعب المباراة.. وفي الطريق إلى الملعب كانت المفاجأة الأولى .. الطرقات المؤدية إلى الاستاد وعلى الرغم من انها ضيقة إلا انها كانت انسيابية وسهلة ولم تستغرق رحلة الوصول إلى داخل الملعب سوى دقائق معدودة لم تتجاوز ال20 دقيقة .. والسبب في ذلك يعود إلى أن مجموع عدد الجماهير التي حضرت بسياراتها الخاصة لا يتجاوز الخمسة آلاف سيارة في الوقت الذي كان فيه عدد الحضور اقترب لـ 98 ألف متفرج وصلوا لاستاد نو كامب بوسائل مواصلات أخرى.
خمس دقائق للدخول ومثلها للخروج... في ظل ذلك الحضور الجماهيري الكبير توقعنا أن يكون الدخول للملعب صعبا قبل أن نعرف أن مسألة الدخول والخروج من الاستاد لا تستغرق سوى خمس دقائق بحد أقصى، وبالفعل فاننا لم نتحرك صوب الاستاد إلا قبل صافرة البداية بخمس دقائق وبعد صافرة النهاية بخمس دقائق كان الاستاد شبه خال من الجماهير التي أخذت طريقها للخارج بدون تدافع أو أي ازدحام أمام البوابات كما يحدث عندنا على الرغم من عدد الجماهير التي تحضر مبارياتنا لا تقارن بتلك التي تشهدها الملاعب الأوروبية.
مسرحية وليست مباراة
شعور غريب ذلك الذي انتابنا ونحن نتجول في المرافق الخاصة باستاد نوكامب.. ومن الوهلة الأولى يشعر الشخص انه ذاهب لحضور عرض مسرحي ولكن في مسرح مكشوف.. فالتجول في مرافق الاستاد متعة حقيقية لما يضمه من خدمات كالمحلات التجارية والمقاهي والمطاعم ومحال بيع الهدايا التذكارية إلى جانب وجود صالة للتزلج على الجليد ومجمع تجاري يحتوي كل شيء يرمز للنادي..
وبعد تلك الجولة توجهنا جميعا للمسرح أقصد الملعب لمتابعة أحداث المباراة من المسرح المفتوح الذي يجعل من متابعة المباراة أمرا لا يمكن وصفه مهما حاولنا اختيار الكلمات والعبارات التي لا يمكن من خلالها وصف تلك الأجواء التي لم يسبق أن شاهدناها حتى على مستوى مباريات كأس العالم.
المفاجأة الكبرى
كل تلك الأمور التي عايشناها في يوم المباراة لم تكن لتوازي ما شاهدناه على أرض الواقع في صبيحة اليوم الثاني من الزيارة في النادي الكاتالوني، بصراحة لم يخطر على بال أحد من الزملاء ونحن في طريقنا للنادي أن يكون عدد زوار النادي في الأيام العادية بالآلاف جميعهم من محبي النادي ومشجعيه ممن قطعوا آلاف الأميال من أجل زيارة النادي والتعرف على مرافقه وأخذ الصور التذكارية، علما بأن الدخول ليس مجانا بل بتذاكر ومع ذلك فان عدد الحضور بلغ لدرجة يصعب التنقل خلالها في ممرات النادي وهو الأمر الذي شكل لنا مفاجأة كبيرة.
يحتوي نادي برشلونة على متحف يختزل من خلاله مراحل تأسيس النادي بالتفصيل منذ العام 1899 وحتى يومنا هذا، ويستعرض المتحف مسيرة النادي وتاريخه والرؤساء الذين توالوا على قيادة النادي واللاعبين الذين كان لهم شرف ارتداء شعار برشلونة، كل ذلك يحتوي عليه المتحف الذي يحكي مسيرة النادي لأكثر من قرن من الزمان بأدق التفاصيل، وهو ما يمثل فرصة ذهبية لعشاق النادي للتعرف على تاريخ النادي بأسلوب مميز وفريد من نوعه.
مفاهيم مختلفة
وفي النهاية لم يبق لنا إلا أن نقول إن زيارة واحدة مثل تلك كانت كافية لتغيير الكثير من المفاهيم الفكرية والرياضية التي كنا نعتبرها حتى ما قبل تلك الزيارة بأنها صحيحة، قبل أن نكتشف ان هناك فوارق شاسعة بين الفكر الذي نتعاطى من خلاله مع الرياضة في منطقتنا.
وذلك الذي تعتمد عليه الدول الأوروبية، ونادي برشلونة ليس سوى مثال واقعي لأحد النماذج الناجحة على صعيد الأندية الأوروبية والقائمة طويلة ومليئة بالأسماء الناجحة من الأندية التي تحولت نتيجة للفكر التطوري لأندية بحجم مؤسسات تعادل مؤسسات حكومية بل تتفوق فيها من حيث الخدمات التي تقدمها والعوائد التي تحصل عليها من جميع النواحي.
محمد جاسم



