أطلقوا عليها العديد من الأسماء ووصفوها بالكثير من الصفات، لكن اسم اللعبة الشعبية الأولى في العالم هو الذي تسيد الموقف لمطابقته الموصوف.. كيف لا وهي اللعبة الوحيدة التي اتفق عدد كبير من البشر على أنها متعتهم الأولى، وأنها المفضلة لديهم شيباً وشباباً خلال مختلف مراحل تطورها منذ عهود سحيقة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن.

ومع المتغيرات الكثيرة التي يشهدها عالمنا، يبرز السؤال: إلى أين تتجه كرة القدم؟ وهل لدى كرة العالم القدرة على البقاء بشكلها الحالي؟ وماذا يخبئ لها المستقبل؟ هذه الأسئلة نجيب عنها في سلسلة من المقالات حول مختلف المؤثرات التي قد تحدد مسار كرة القدم مستقبلاً، وهي عديدة، منها المقترحات المتعلقة بقوانينها نحو هدف واحد هو توجيهها نحو المزيد من الكرة الهجومية.. كيف نستغل العلوم الحديثة لتطويرها ومنحها الأجنحة اللازمة للتحليق فوق المعوقات.. ملكية الأندية ودورها في التأثير على الكرة.. تحديد سقف معين لرواتب اللاعبين كعلاج للأمراض الاقتصادية التي قد تعاني منها..

أسلوب بيع اللاعبين، وخصوصاً القادمين من أميركا اللاتينية نحو أوروبا.. ما هو دور الفيفا في الحفاظ على حلاوة وتنافسية الكرة؟.. سطوة نجوم الكرة وتأثيرها على استمراريتها.. وغير ذلك من المحاور التي قد يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر. يبدو المستقبل مشرقاً بالنسبة لجان مارك بوسمان الذي شفي من إدمان الخمر وهو اللاعب الذي ساهمت قضيته في تغيير مسار تاريخ كرة القدم خلال حقبة التسعينات، إلا أنه يؤمن بأن نفوذ اللاعب في طريقه إلى التلاشي.

يبلغ بوسمان حالياً الرابعة والأربعين ويقيم في منزل متواضع من الآجر الخفيف بإحدى المدن البلجيكية الصغيرة وتقيم معه زوجته كارين وابنته مانون «19 سنة» وابنة زوجته كارين من زيجة سابقة «جولي».

وفي عام 2007 بلغ إدمان بوسمان حداً جعله ينهار ذات صباح ليرتطم رأسه على أرضية المنزل مما جعله يعاني من حالات صرع متكررة ووجدته كارين التي كان قد التقى قبل عامين في أحد المعارض الفنية حيث تعمل، وجدته ملطخاً بدمائه داخل المطبخ وحملته إلى المستشفى حيث تم اكتشاف إدمانه الخمر إلى درجة جعلته قريباً من الوفاة.

والمدهش أن كرة القدم هي التي أنقذت حياته إذ لولا الأعوام التي أمضاها لاعب كرة قدم لما تمكن جسمه من مقاومة آثار الإدمان.

الشفاء التام

يفخر بوسمان كثيراً بسجله الطبي الذي يؤكد بالدليل القاطع أنه شفي تماماً من التلف الذي تعرض له كبده. لكنه يواجه تحدياً آخر الآن فهو على وشك الإفلاس.

وكانت القضية التي رفعها وكسبها ضد الفيفا قد منحته 800 ألف جنيه استرليني على هيئة تعويضات من جهة وعلى شكل تبرعات تلقاها من زملائه اللاعبين لم يتبق له منها شيئاً بل وأصبح مديناً بمبلغ 95 ألف استرليني تطالبه بها مصلحة الضرائب عن 10 أعوام مضت وإن كان قد أنشأ من المبالغ التي حصل عليها منزلين يعيش في أحدهما ويؤجر الآخر لشقيقته.

ربما يكون بوسمان مفلساً إلا أنه سعيد وإن كان لا يبدو متفائلاً حول مستقبل كرة القدم ويعلق على ذلك بقوله «اقتراح بلاتر الذي أطلق عليه ستة + خمسة هو الكارثة بعينها، ويعني بذلك ما أعلنه بلاتر رئيس الفيفا عن خطته الرامية لتقليص عدد اللاعبين الأجانب في كل فريق إلى خمسة.

وقانون بلاتر الجديد يعتبر أحد التأثيرات الأساسية التي نتجت عما يعرف «بقانون بوسمان» والعام الذي ساهم فيه بوسمان في تحرير لاعب الكرة كان نفس العام الذي شهد نهاية مشواره الكروي وكان في الثانية والثلاثين فأصبح اللاعب الوحيد الذي لم يجن أي فوائد من الانتصار الذي حققه.

يقول «في عام 1995 كان قانون بوسمان ساري المفعول وحصل اللاعبون على حريتهم الكاملة وأصبح بإمكانهم التحرر من عقودهم مع أنديتهم والرحيل، نعم عليهم دفع الغرامة فقط وهذا ما حققته لهم.

لكن يبدو أن الأفق عامر بالمزيد من المشكلات للاعبين يعلق عليها بوسمان بقوله «قانون ستة + خمسة» من شأنه أن يسبب الكثير من المشكلات للأندية الإنجليزية الكبرى لأن الرواتب ستصل إلى معدلات خرافية كون اللاعب الإنجليزي سيكون أغلى ثمناً، ومن جانب آخر سيتحول اللاعب الأجنبي إلى سلعة فائضة.

وأذكر أن فريق ستاندارد ليجاج استطاع ضبط حساباته المالية ببيع لاعب الوسط البلجيكي مروان فيليني إلى نادي ايفرتون مقابل 18 مليون يورو ولم يكن في مقدورهم ذلك دون قانون بوسمان، والآن لديهم عدد من اللاعبين الأجانب مع فريق ايفرتون ولم يكن بوسعهم الانضمام بسهولة إلى ايفرتون، لذلك أعتبر المقترح الجديد كارثة ليس فقط للأندية بل للاعبين الأجانب كذلك وخصوصاً بالنسبة للأندية البلجيكية فنحن لا يتعدى تعدادنا عشرة ملايين نسمة.

فأين نجد العدد المطلوب من اللاعبين المواطنين. والآن أحذر زملائي اللاعبين وأدعوهم للوقوف في وجه قانون ستة + خمسة وألا يستسلموا لمخططات تحجيم دورهم واختلاس مكتسباتهم.

النقابات الأوروبية تساند بوسمان

رغم أن الفيفا وافق «داخلياً» على اقتراح رئيسه بلاتر إلا أن موقف الاتحاد الأوروبي كان مغايراً له وأعلن عدة مرات عدم قانونيته. كذلك رفضه البرلمان الأوروبي في مايو الماضي باعتبار أنه يتناقض مع اتفاقية الاتحاد الأوروبي، البند «39» الذي يتيح حرية الحركة لكافة العاملين بالاتحاد الأوروبي وكذلك بالطبع قانون بوسمان.

وأصدر الاتحاد الأوروبي «السياسي» في نوفمبر المنصرم «مقترح 6 + 5» يقوم على التفرقة المباشرة المتعلقة بالجنسية وبالتالي هو ضد أحد المبادئ الأساسية لقانون الاتحاد الأوروبي.

على أن ذلك لم يوقف بلاتر والفيفا في محاولاتهم الرامية لإقناع الاتحاد الأوروبي باعتبار كرة القدم استثناءً صناعياً لا تنطبق عليه قوانين الاتحاد الأوروبي المنظمة للعمل والعمال يقول بوسمان عن ذلك «نحن موظفين وهو ما يسعى بلاتر والفيفا دائماً لنسخه وكرة القدم ليست استثناءً لقانون العمل والعمال فهي نشاط اقتصادي تدار فيه الأندية باعتبارها عملاً استثمارياً ويعامل اللاعبون كموظفين وهو ما لا يفهمه لا الفيفا ولا اتحاد الكرة الأوروبي. نحن عمال وهو ما أكده قانون بوسمان.

وإن كان جزءاً من قانون بوسمان قد طاله العطب وعنه يقول «الاتحادان الدولي والأوروبي يواصلان سعيهما لاستعادة سلطتهما على انتقالات اللاعبين وإذا لم نكن حذرين سيتحول الأمر إلى أسوأ من عام 1995 بحلول عام 2010 وهو الموعد المتوقع لاتفاق قانون 5 + 6 وعندها سيتحول الأمر إلى أسوأ من العصور المظلمة».

ومن عام 1995 إلى 2000 تم الالتزام بقانون بوسمان حرفياً لكن بعد ذلك بدأ الانهيار ليعود الفيفا والاتحاد الأوروبي لتولي تنظيم عقود اللاعبين وبالتالي خرج جزء من قانون بوسمان من النافذة. وكان أحد ضحايا ذلك اللاعب الفرنسي فيليب ميكسيس عندما اشترى ما تبقى من عقده مع فريق أوكسير عندما قرر الفيفا أن عليه دفع مبلغ 6 ملايين استرليني ومعها ستة أسابيع عقوبة إيقاف من اللعب وحرمان وكيل أعماله من العمل لمدة ستة أشهر.

قوانين أكثر واقعية

منذ تلك الواقعة قرر الفيفا قوانين أكثر واقعية حول أحقية اللاعب شراء عقده من ناديه ومنهم الاسكتلندي أندي ويبستر الذي أصبح أول المنتفعين عندما سمح له الانتقال من فريق هارتس إلى ويغان وأمره الفيفا تعويض ناديه السابق بمبلغ 625 ألف استرليني فقط ثم خفضت المحكمة الرياضية المبلغ إلى 150 ألف استرليني.

يقول بوسمان «لكن الفيفا مازال الجهة التي تقرر شروط شراء بقية العقد وكلنا يعلم أن بلاتر وصف كريستيانو رونالدو «بالعبد المودرن».

وعندما يقع خلاف حول عقد اللاعب يحدد الفيفا القيمة التي يجب على اللاعب تسديدها لناديه وبالتالي يتضاءل عدد اللاعبين الذين يحصلون على حريتهم، والدائرة الجهنمية هنا أن الفيفا هو الذي يسن القوانين لكن اللاعب يظل سجين ناديه والأندية هي التي تهيمن على اتحادات الكرة القومية التي تتبع لها، بينما تلك الاتحادات هي التي تعمل على تعيين مدراء الفيفا ورئيسه بلاتر ولا يتبقى من قانون بوسمان سوى الفقرة المتعلقة بجنسية اللاعب.

ومع ذلك حدثت تطورات إيجابية عندما سمح لديفيد بيكهام ولاندون دونافان الانضمام إلى ميلان وبايرن ميونيخ على التوالي على سبيل الإعارة خلال فترة توقف الدوري الأميركي وبالتالي سمح لهما باللعب لناديين مختلفين في موسم واحد.

ويتفق بوسمان مع ميشيل بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إن يكون الحد الأدنى لعمر اللاعب الذي يخوله الانتقال بين 16 ـ 18 سنة.

معركة بوسمان

بدأت معركة جان مارك بوسمان القضائية عندما رفض ناديه آر إف سي لياج السماح له بالرحيل والانضمام إلى فريق دنكرك الفرنسي بعد انتهاء موسم 89 /1990 ونهاية عقده مع النادي البلجيكي. وكان النجم ذو الخامسة والعشرين يعيش أفضل مواسمه وهو الذي بدأ المشوار الكروي مع فريق ستاندار لياج. ثم خفض آر إف سي لياج راتبه إلى الربع من الألفي جنيه استرليني التي كان يحصل عليها شهرياً.

وكان فريق دنكرك قد عرض عليه راتباً بلغ 6 آلاف جنيه استرليني راتباً شهرياً إلا أنه عجز عن دفع مبلغ الانتقال الكبير لذلك عمد لياج إلى قتل الصفقة.

بعدها حمل بوسمان قضيته إلى المحكمة وكسبها. ثم استأنف لياج والاتحاد البلجيكي فكسب بوسمان مجدداً للمرة الثانية والثالثة عام 1995.

بعدها أصبح اللاعب حراً في الانتقال عند نهاية عقده مع ناديه، أو أن يشتري ما تبقى من مدة العقد، وبالتالي أصبح بإمكان الأندية شراء وتسجيل من يرغبون من لاعبي الاتحاد الأوروبي.

ومع صدور الحكم انتهت علاقة بوسمان بكرة القدم وأعلن اتحاد الكرة البلجيكي أن أي نادٍ يعمل إلى تسجيله سيتعرض لعقوبة خصم ثلاث نقاط من رصيده وهنا قام فريق سان كونتيني أحد أندية الدرجة الثانية الفرنسية بتسجيل بوسمان رغم الضغوط الهائلة من قبل نادي لياج البلجيكي.

لكن بعد مضي ستة أشهر أصبح بوسمان بلا عمل. وأعلن فريق إم في في الهولندي رغبته في خدماته قبل أن يدرك أنه لا يلعب في خانة المدافع الأيمن.

وبحلول العام 1993 أوجدت نقابة اللاعبين المحترفين له نادياً هو «سان دونيه دو لا يونيون» أحد أندية الجزر الهندية حيث واصل اللعب معه لمدة تسعة أشهر قبل أن ينضم إلى فريق أولمبيك شارلروا أحد أندية الدرجة الثالثة البلجيكية لموسم 93 /1994 لينتهي مشواره الكروي نهائياً مع فريق فيز بالدرجة الرابعة.

كانت هذه قصة بوسمان وقانونه الذي حرر اللاعب المحترف وحركته بين الأندية فهل تحتاج كرة القدم مستقبلاً إلى بوسمان جديد يضمن لها استمراريتها بنفس الوهج والشعبية التي هي عليها الآن.

محمد سيف النصر