أطلقوا عليها العديد من الأسماء ووصفوها بالكثير من الصفات، لكن اسم اللعبة الشعبية الأولى في العالم هو الذي تسيد الموقف لمطابقته الموصوف.. كيف لا وهي اللعبة الوحيدة التي اتفق عدد كبير من البشر على أنها متعتهم الأولى، وأنها المفضلة لديهم شيباً وشباباً خلال مختلف مراحل تطورها منذ عهود سحيقة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن.
ومع المتغيرات الكثيرة التي يشهدها عالمنا، يبرز السؤال: إلى أين تتجه كرة القدم؟ وهل لدى كرة العالم القدرة على البقاء بشكلها الحالي؟ وماذا يخبئ لها المستقبل؟هذه الأسئلة نجيب عنها في سلسلة من المقالات حول مختلف المؤثرات التي قد تحدد مسار كرة القدم مستقبلاً، وهي عديدة، منها المقترحات المتعلقة بقوانينها نحو هدف واحد هو توجيهها نحو المزيد من الكرة الهجومية.. كيف نستغل العلوم الحديثة لتطويرها ومنحها الأجنحة اللازمة للتحليق فوق المعوقات.. ملكية الأندية ودورها في التأثير على الكرة.. تحديد سقف معين لرواتب اللاعبين كعلاج للأمراض الاقتصادية التي قد تعاني منها.. أسلوب بيع اللاعبين، وخصوصاً القادمين من أميركا اللاتينية نحو أوروبا.. ما هو دور الفيفا في الحفاظ على حلاوة وتنافسية الكرة؟.. سطوة نجوم الكرة وتأثيرها على استمراريتها.. وغير ذلك من المحاور التي قد يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر.
في البرازيل نلاحظ مولد نوع جديد من أندية كرة القدم، وهي أندية قادرة على تقديم الكثير من التسهيلات وإقامة المنشآت الراقية وملاعب كاملة التجهيز للتدريبات. لكنها لا تهتم كثيراً بتكوين قاعدة جماهيرية قوية ولا المنافسة ورفع راية التحدي للفوز بالبطولات الكبرى.
هذه الأندية مملوكة ويديرها وكلاء اللاعبين، وكرة القدم في أميركا الجنوبية تعاني من تناقض قوي أصابها في قلبها، فغالبية الفعاليات تنتهي بالخسارة وتعاني غالبية الأندية من الضائقة المالية، ومع ذلك تواظب القارة اللاتينية على إنتاج نوع مميز من المواهب الكروية وهي السلعة الأغلى ثمناً في عالم المستديرة، ويخطط وكلاء اللاعبين والمستثمرين غالبية هذه السلسلة من الكعكة الاستثمارية المغرية وذلك عن طريق تصدير المواهب الشابة والنجوم.
لكن كيف يتمكن هؤلاء من تحقيق ذلك بناءً على متطلبات الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) الذي يفرض أن يسجل لاعب كرة القدم لناد رياضي. الأمر في غاية البساطة بالنسبة لهؤلاء وهو إنشاء ناد لكرة القدم.
ونضرب مثالاً هنا بحالة متوسط الدفاع أنريكيه الذي توجته البرازيل عام 2008 وهو الذي صنع لنفسه اسماً العام الماضي مع فريق كورتيبا الذي نجح في الصعود مجدداً إلى دوري الأضواء، ثم انتقل إلى فريق بالميراس ومعه وضع انطباعاً قوياً فاختطفه فريق برشلونة سريعاً ثم أعاره إلى نادي باير ليفركوزن الألماني وهناك تألق كذلك.
ومع ذلك لم يسجل الاتحاد البرازيلي هذا اللاعب ضمن النجوم المهاجرين إلى الخارج لا من فريق كورتينيا أو بالميراس بل تم تسجيله كصفقة اشترى بموجبها برشلونة اللاعب من فريق ديبورتيفو البرازيلي الفريق الذي لم يسبق لأنريكيه المشاركة معه على مستوى الكبار ولسبب بسيط هو أن النادي يلعب وينافس في البطولات تحت 15 ـ 17 و20 سنة.
وأنشئ فريق ديبورتيفو عام 2005 بواسطة شركة «ترافيك» التسويقية التي تملك عدداً من كبار نجوم الكرة عبر استثمارها في حقوق البث التلفزيوني بأميركا الجنوبية.
وفي عام 2008 بلغ عدد اللاعبين الذين يملكهم فريق ديبورتيفو 86 لاعباً مسجلاً مع الاتحاد الكروي البرازيلي أعار 56 منهم لأندية أخرى، وبالإضافة لأنريكيه باع النادي لاعبين إلى هولندا والسويد.
وعند بلوغ اللاعبين الذين يملكهم النادي سن العشرين يتم نقلهم إلى فريق ايتوانو حيث يملك نادي ترافيك حق شراكة تتيح له حق السيطرة على مبيعات اللاعبين وكان ايتوانو قد باع العام الماضي لاعبين إلى كل من بلجيكا، اليابان، الكويت، ليتوانيا، كوريا الجنوبية وسوريا بالإضافة إلى نادي ميامي إف سي بالولايات المتحدة الأميركية.
تسجيلات بالجملة
كذلك دخلت شركة «أبيلتي سبورت» إلى المنطقة بعد أن أنشأت فريق «فيلاريو» في أبريل 2004. وهي شركة صغيرة لكنها تملك الكثير من اللاعبين المسجلين والمعارين لأندية أخرى أكبر.
وخلال العام الماضي صدرت فيلا لاعبين إلى البرتغال الأرجنتين، بوليفيا، الصين، روسيا وكوريا الجنوبية وخلال ذلك قام نادي «تومينس» وهو نادٍ تقليدي في مدينة يمناس جيريس الذي كان تحت إدارة الكرة البرازيلية ويملكه وكيل اللاعبين ادواردو أورام قام بتصدير لاعبين إلى كل من ألمانيا، اليونان، اليابان، صربيا، اسبانيا والبرتغال.
كذلك أنشأت سلسلة متاجر سوبر ماركت «باو دو أكوكار» أندية في ريو دي جانيرو وساو باولو التي قامت ببيع لاعبين عام 2008 إلى كل من ألمانيا، هولندا، إيطاليا، ليتوانيا، بولندا والسويد.
ثم دخلت مؤخراً شركة ريد بول للمشروبات الغازية هذا المجال.ويأتي جزء من مخطط هذا التدبير من خلال توقعات مثل هذه التعديلات الدستورية تعمل على تقوية موقف الأندية التي تعمل على تطوير المواهب الشابة.
وحالياً يجوز للشباب البرازيلي أن يتحول إلى محترف عند بلوغه سن السادسة عشرة «ومن أمثلة ذلك التوأمين فابيو ورفائيل مع فريق مانشستر يونايتد» ويتمركز عليهما اهتمام غالبية الأندية الأوروبية الكبرى وهما كذلك محور جدل قائم حول إمكانية التعاقد مع لاعبين في سن الثانية عشرة والرابعة عشرة وكذلك توقيع عقد مع برنامج تطوير المراحل السنية ما بين عمري 14 ـ 16 سنة وكل نادٍ يطلب خدماته عليه دفع ما يعادل 200 مرة المبالغ التي صرفها عليه النادي.
تصديقات العقود
وحالياً يعترف الفيفا فقط بالعقود التي تبلغ مدتها 3 أعوام فقط مع بند يسمح للاعب أن يصبح حراً عند بلوغه سن التاسعة عشرة ومع وجود ضغوط على الفيفا لزيادة المدة إلى خمس سنوات وبالتالي يربط اللاعب بناديه الأصلي حتى سن الواحدة والعشرين ويتمنى آخرون أن تصل إلى سن الثالثة والعشرين.
وفي حالة الموافقة على هذه التعديلات فلن تتسبب في انتزاع رغبة الشباب الاحتراف السريع في أوروبا، فالمسؤولون عن البرامج التطويرية لقطاع الناشئين يؤكدون تزايد رغبة الشباب في الانتقال بأسرع فرصة ممكنة باعتبار أن هذا الانتقال هو الحل الفوري لمشكلاتهم المالية وتنصب آمالهم حالياً على أندية ريال مدريد. برشلونة، مانشستر يونايتد، أرسنال، ميلان والانتر وليس الأندية المحلية الكبرى في بلادهم.
وهنا يتضح أن الأندية التي يملكها وكلاء اللاعبين في وضع أفضل للإفادة من انتقالات هؤلاء الشباب، ويحدث هذا رغم وجود عدد من الأندية الكبرى التي يبلغ عدد مشجعيها الملايين ومنها أندية كل من انترناسيونال في مدينة ساو باولو، كروزيرو وعدد آخر من الأندية المعروفة بنوعية لاعبيها الجيدة وبرامجها المميزة لتطوير الناشئين كونها أنفقت الأموال الطائلة على هذه البرامج.
أما بقية الأندية الأخرى فأوقعها قدرها بين يدي وكلاء اللاعبين حيث الأندية في حاجة إلى اللاعبين وهؤلاء الوكلاء قادرون على تأمينهم.
هذا الوضع يفرض القلق في منطقتين، الأولى أن الأندية هي التي توفر اللاعبين لوضعهم في نافذة العرض بينما يذهب الربح إما إلى وكيل اللاعبين، الشركة المملوكة أو الشركة التسويقية وبالتالي لا نستطيع القول إن الوضع الاقتصادي للنادي أفاد من هذه الصفقات.
مصداقية اللعبة
أما المنطقة الثانية فهي مدى نزاهة ومصداقية اللعبة محلياً. وندلل على ذلك بما كتبه الناقد البريطاني مارسيلو داماتو في صحيفة لانس الرياضية اليومية «التواجد الدائم للمستثمرين من وكلاء لاعبين، الممولين وشركات التسويق التي تستثمر أموالها في اللاعبين يؤكد بجلاء مدى الضعف الذي تعاني منه الأندية لذلك يجري تحديد مصير البطولة على يد هؤلاء المستثمرين من خلال إشراك لاعبهم في النادي الأقوى بينما قيمته في ازدياد كما يبيعون لاعبهم في النادي الأقل قوة لتحسين تدفقهم المالي وبالتالي يحرز النادي الأقوى البطولة».
من جانب آخر يتدخل المستثمر فارضاً سيناريو مختلفاً نضرب مثالاً له شركة جروبو سوندا الذي يتركز استثمارها في مجال تقنية المعلومات ونشاطها يغطي كامل أميركا الجنوبية مركزين على اتصالاتهم الواسعة لجلب لاعبين من قارات أخرى إلى فريق سانتوس الذي يملكون شراكة فيه ومع تزايد موجات هجرة اللاعبين من أميركا الجنوبية فمن المحتمل أن تسعى البرازيل لاختطاف عدد من اللاعبين من الدول المحيطة بها.
صحيح أن البرازيل تشكو من خسارة شبابها لصالح القارة الأوروبية لكنها بدأت في ممارسة نفس النشاط مع عدد من جيرانها ومثال ذلك فريق كروزيرو الذي حصل على توقيع خافير رينا 20 سنة ذو الموهبة الهائلة من كولمبيا وفيديل مارتينيز 18 سنة من الإكوادور.
ومع تقديم البرازيل رواتب أكبر نسبياً عن سواها من دول أميركا الجنوبية مع تقديم وعود أفضل نحو المستقبل والانتقال إلى أوروبا وهو بالتحديد ما يتوقع النقاد استمراره مستقبلاً في كرة القدم بالقارة اللاتينية.
محمد سيف النصر

