أطلقوا عليها العديد من الأسماء ووصفوها بالكثير من الصفات، لكن اسم اللعبة الشعبية الأولى في العالم هو الذي تسيد الموقف لمطابقته الموصوف.. كيف لا وهي اللعبة الوحيدة التي اتفق عدد كبير من البشر على أنها متعتهم الأولى، وأنها المفضلة لديهم شيباً وشباباً خلال مختلف مراحل تطورها منذ عهود سحيقة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن.
ومع المتغيرات الكثيرة التي يشهدها عالمنا، يبرز السؤال: إلى أين تتجه كرة القدم؟ وهل لدى كرة العالم القدرة على البقاء بشكلها الحالي؟ وماذا يخبئ لها المستقبل؟هذه الأسئلة نجيب عنها في سلسلة من المقالات حول مختلف المؤثرات التي قد تحدد مسار كرة القدم مستقبلاً، وهي عديدة، منها المقترحات المتعلقة بقوانينها نحو هدف واحد هو توجيهها نحو المزيد من الكرة الهجومية.. كيف نستغل العلوم الحديثة لتطويرها ومنحها الأجنحة اللازمة للتحليق فوق المعوقات.. ملكية الأندية ودورها في التأثير على الكرة.. تحديد سقف معين لرواتب اللاعبين كعلاج للأمراض الاقتصادية التي قد تعاني منها.. أسلوب بيع اللاعبين، وخصوصاً القادمين من أميركا اللاتينية نحو أوروبا.. ما هو دور الفيفا في الحفاظ على حلاوة وتنافسية الكرة؟.. سطوة نجوم الكرة وتأثيرها على استمراريتها.. وغير ذلك من المحاور التي قد يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر.
لطالما كان ميشيل بلاتيني المحامي المدافع عن تقديم السقف المحدد لرواتب نجوم الكرة منذ انتخابه رئيساً لاتحاد الكرة الأوروبي (يويفا). ومثاليته المصحوبة بالقاعدة القوية التي يتمتع بها وسط الاتحاد الأصغر حجماً في أوروبا تجعله المساند الطبيعي لبرنامج من شأنه تخفيض قوة ونفوذ الأندية الكبرى في انجلترا، وإيطاليا وأسبانيا ومنح الأندية الأصغر فرصة واقعية للفوز بالبطولات، وما يحول من حلم بلاتيني إلى إمكانية حقيقية في مستقبل الكرة القريب هو واقع عملي نعيشه جميعاً حالياً وهو الضائقة الاقتصادية التي بدأت بالفعل في قضم قطع من أجسام الأندية الأكثر ثراءً.
وأصبح كل شيء ممكناً بعد أن أعلن الملياردير رومان ابراموفيتش مالك فريق تشيلسي اللندني أنه قرر ربط الحزام نحو معدل الإنفاق السابق للفريق.
والانهيار المالي الذي يعاني منه أكبر بنوك العالم الذي يتلازم معه القوانين الحكومية الصارمة التي استجدت أجبرت أغنى أغنياء العالم على إعادة التفكير في استخدام كرة القدم كوسيلة استثمارية لإضافة المزيد من الملايين لحساباتهم المتخمة أصلاً وهو ما من شأنه رفع درجة الإزعاج في الأسواق الرياضية عموماً.
وسقف جديد لرواتب اللاعبين من شأنه أن يجبر الأندية أن تقوم بالإنفاق وفقاً لمصادرها المالية المتاحة وبالتالي تتيح فرصاً أكثر تساوياً ضمن الدوريات المحلية وحول أوروبا. وهو أمر يحسب لاستقرار الكرة.
والآن يناقش المسؤولون عن الدوري الانجليزي هذه الفرضية ويعتقد لورد تريسمان رئيس الاتحاد الانجليزي أن من الواجب تجربة هذه السياسة، بينما يعتبر آخرون ومنهم كارل هاينز رومينيجه رئيس نادي بايرن ميونخ أن تتعرض الفكرة للمزيد من النقاش في الوقت الذي وصلت فيه رواتب بعض النجوم إلى معدلات خرافية ومخيفة.
ومهما كانت المسببات سواء اتجهت لتخفيض التكلفة أو رفع معدل اللعب إلى مستوى أعلى بين الأندية أو ما يطلق عليه تعريف التوازن التنافسي فإن استخدام سقف رواتب اللاعبين أصبح أمراً شائع الاستخدام بواسطة الأندية الرياضية والدوريات حول العالم من استراليا إلى أميركا إلى أندية الرجبي في أوروبا، فهل نعتبرها مخطئة جميعاً أم نعتبر أن كرة القدم الأوروبية في طريقها لأن تسلك نفس الطريق واستعادة رشدها؟
وسقف الرواتب مستخدم حالياً على ثلاثة أشكال في ثلاثية الرياضات الأكثر شيوعاً في دوريات أميركا الشمالية، حيث يجري حصد الثروات وحيث معدل رواتب كبار نجوم الرياضة يعادل ما يحصل عليه نجوم الكرة الكبار في أوروبا.
ويستعين الدوري القومي لكرة القدم «إن إف إل» ما أطلقوا عليه تعريف «السيف القاسي» Hard Cap ويعني أن هناك حداً مطلقاً من المال يمكن للنادي إنفاقه على رواتب اللاعبين في كل موسم وهو مبلغ متساو مع الأندية وهناك عقوبات قاسية للنادي الذي يقوم بخرقه تصل إما إلى الغرامة المالية أو حتى إلغاء عقد اللاعب.
ومن جانب آخر هناك حد أدنى لهذا السقف لضمان أن ينفق النادي 85 بالمئة على الأقل من السقف المحدد على رواتب اللاعبين وهو بند يتيح الحماية للاعبين من حيث استحالة تقليص مستحقاتهم إلى ما دون الحد الأدنى المقرر.
وكانت المحصلة أن ملاك الأندية الأثرياء لا يتاح لهم تكديس عدد كبير من أفضل النجوم مثلما يحدث مثلاً مع فريق ريال مدريد الاسباني أو مانشستر يونايتد الانجليزي.
الملكية الساخنة في كرة السلة
في مملكة كرة السلة المترامية الأطراف تعمل الفرق بأسلوب «السقف الناعم» حيث يسمح القانون للأندية كسر السقف المحدد للرواتب في حالة طلب النادي الحصول على حقوق عقد اللاعب المسجل فعلاً في كشوفاته. كذلك في حالة برز لاعب شاب بشكل لافت يجوز لناديه رفع راتبه لكيلا يفقد خدماته كنجم.والواقع أن الجماهير تؤيد هذا النظام باعتبار أنه يكافئ ولاء وإخلاص اللاعب.
عقود خاصة للبيسبول
وهي اللعبة ذات الشعبية الجارفة وسط المجتمع الأميركي لذلك صممت لها عقود خاصة بها تسمح للأندية بمبالغ معينة تنفقها كل موسم على رواتب اللاعبين لكن لا يوجد سقف محدد لتلك الرواتب.
وكذلك هناك عقوبة قررتها السلطات ووضعت لها «ضرائب الرفاهية» وتطبق على النادي الذي يتجاوز إنفاقه ما هو متفق عليه من رواتب، وبالتالي تظهر الزيادة في كشوفات النادي تحت مسمى ضرائب وتدفع للإدارة المركزية للدوري التي تقوم بدورها بتوزيعها على الأندية المنافسة والتي التزمت بسقف الرواتب المقرر. وعادة ما يدفع نادي نيويورك بانكيز الثري ضرائب الرفاهية كل موسم على أمل أن إنفاق المزيد من المال على الرواتب قد يجلب له النجاح والفوز.
وهذا الطريق يمكن لكرة القدم الأوروبية أن تسلكه لقطع الطريق على ملاك الأندية المليونيرات أمثال الروسي أبراموفيتش الذي يمول قائمة رواتب لاعبي فريقه تشيلسي من ثروته الخاصة وليس من الأرباح التي تحققها أعماله المتشعبة.
والواقع أن منح رواتب عالية أشبه بالمرض المعدي وكلما ازداد إنفاق الأندية أمثال تشيلسي على الرواتب كلما حذت الأندية الأخرى حذوه.
ولن يتحقق حلم بلاتيني في تطبيق سقف رواتب اللاعبين في أوروبا إلا إذا وضعت له دراسة دقيقة تضع في الاعتبار نظام الضرائب في كل حالة داخل كل دولة في القارة.وقد يكون ذلك معقداً إلى حد ما إلا أنه ممكن خصوصاً في ظل الضائقة الاقتصادية الحالية.
أشرس المعارضين
والكلام هنا عن الأندية العملاقة التي قد لا يعجبها هذا التدبير حول سقف الرواتب كونه يجعل المنافسة على البطولات متساوية إلى حد كبير ويقلص كذلك هيمنتهم على الكؤوس والدروع.
وقد يكون هناك شكل أكثر قبولاً لقضية الرواتب وهو ما اقترحه الألماني رومينيغه من بايرن ميونخ الذي طالب بوضع الرواتب على أساس نسبة من دخل النادي 60 بالمئة مثلاً وبالتالي يمكن للأندية التي تملك ملاعب أكبر ودخلاً أكبر أن تدفع رواتب أعلى لنجومها.
معارضة أخرى ضد الفكرة قد تأتي من النقاد الذين يقولون إنها قد تتسبب في الفساد حيث تحاول الأندية خداع القانون بمنح اللاعب رواتب إضافية غير معلنة وهو تبرير مرفوض وزائف ولا يجوز مناقشة القوانين التي من شأنها تطوير كرة القدم والحفاظ على جمالها بافتراض الغش والخداع.
هل تتحقق فكرة سقف الرواتب وهل ينفذ بلاتيني حلمه القديم هذا ما ستسفر عنه مجريات الأمور مستقبلاً.
محمد سيف النصر


