أطلقوا عليها العديد من الأسماء ووصفوها بالكثير من الصفات، لكن اسم اللعبة الشعبية الأولى في العالم هو الذي تسيد الموقف لمطابقته الموصوف.. كيف لا وهي اللعبة الوحيدة التي اتفق عدد كبير من البشر على أنها متعتهم الأولى، وأنها المفضلة لديهم شيباً وشباباً خلال مختلف مراحل تطورها منذ عهود سحيقة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن.

ومع المتغيرات الكثيرة التي يشهدها عالمنا، يبرز السؤال: إلى أين تتجه كرة القدم؟ وهل لدى كرة العالم القدرة على البقاء بشكلها الحالي؟ وماذا يخبئ لها المستقبل؟ هذه الأسئلة نجيب عنها في سلسلة من المقالات حول مختلف المؤثرات التي قد تحدد مسار كرة القدم مستقبلاً، وهي عديدة، منها المقترحات المتعلقة بقوانينها نحو هدف واحد هو توجيهها نحو المزيد من الكرة الهجومية.. كيف نستغل العلوم الحديثة لتطويرها ومنحها الأجنحة اللازمة للتحليق فوق المعوقات.. ملكية الأندية ودورها في التأثير على الكرة.. تحديد سقف معين لرواتب اللاعبين كعلاج للأمراض الاقتصادية التي قد تعاني منها.. أسلوب بيع اللاعبين، وخصوصاً القادمين من أميركا اللاتينية نحو أوروبا.. ما هو دور الفيفا في الحفاظ على حلاوة وتنافسية الكرة؟.. سطوة نجوم الكرة وتأثيرها على استمراريتها.. وغير ذلك من المحاور التي قد يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر.

الموهبة هي أكثر ما يثير إعجاب عشاق كرة القدم واللاعب الذي يجيد المراوغة يتحول إلى رمز تذكر الجماهير اسمه في حسد. ومع ذلك يبدو أن كرة القدم انقلبت على نفس الموهبة التي منحتها شخصيتها المميزة. ولاعب كرة القدم العصري الذي يتمتع بهذه الموهبة سيواجه أوقاتاً في غاية الصعوبة ويتعرض للركل والضرب وسيستمع إلى تبريرات غريبة من أحدهم وهو يقول «حسناً إنه يعشق المراوغة فماذا تتوقع من خصمه المسكين». وما يحدث هنا هو الكابوس الذي يستوجب على حكم المباراة التعامل معه والواقع يقول إن مهمته هي بلا شك الأصعب من بين المهن المتعلقة بكرة القدم. والمنحى الذي تذهب إليه كرة القدم مستقبلاً من حيث شح نسبة الأهداف من الأمور التي له ضلع فيها.

وبما أن نتيجة غالبية المباريات أصبحت تحدد بفارق هدف واحد، فالحكم يدرك أن قراراً واحداً منه حتى لو اتخذه منذ الدقيقة الأولى قد يحدد نتيجة المباراة. ومن السذاجة الاعتقاد أن مثل هذه الضغوط لا تؤثر على الحكم وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بركلات الجزاء.

وماذا تكون النتيجة؟ أن يتحول اهتمام الحكم إلى قيادة المباراة إلى بر الأمان حتى إذا كان ذلك سبباً في فقدانها متعتها الحقيقية وهي الإثارة والأهداف. والأمثلة على ذلك كثيرة منها ما حدث خلال مباراة الكلاسيكو بين برشلونة وريال مدريد في ديسمبر الماضي. ومعروف أن ليونيل ميسي هو أحد أبرع نجوم الكرة وأكثرهم موهبة في المراوغة لذلك تعرض للركل والضرب المبرح بلغ أربع حالات قوية خلال أول 14 دقيقة وكانت جميعها فاولات خطيرة على كاهل ميسى ومع ذلك لم يخرج الحكم أي بطاقات رغم الدليل القاطع أن ميسى كان مستهدفاً.

وما ذكرناه كان أحد الأمثلة الواضحة على عملية خرق القانون. وما يخشاه النقاد أن يتحول ذلك إلى وباء يهدد الكرة وهو من الأمثلة التي تتطلب العون من الحكام. والحقيقة أنهم ابتكروا أساليب مستحدثة للتعاطف مع المدافعين منها الإنذار الشفهي وهو قانون لا وجود له في كتاب قوانين التحكيم حيث الإنذار الوحيد المذكور فيه هو البطاقة الصفراء.

على أن النموذج الذي نتحدث عنه هنا حول الحكم العصري هو الذي يميل إلى إلقاء محاضرة على اللاعب المخطئ يحذره فيها من عدم تكرار ما فعل بينما ضحيته يكون متألماً على أرضية الملعب. والتبرير الذي يسوقه هذا النوع من الحكام أن المدافع جاهل بقانون اللعبة وعلى الحكم توضيحها له.

هذا المثال يدل على أن الحكم العصري لا يملك القوة الكافية لردع الاعتداءات غير القانونية للمدافعين على المهاجمين.

وما قاله الحكم حول جهل المدافعين بالقانون غير صحيح بل هم مذنبون بنفس القدر ويميلون إلى تجاهل القانون لعلمهم بأريحية الحكام.

لذلك يتوقع المهتمون بأمر الكرة أن يجري تحديد المسؤوليات بدقة وتوضيح العقوبات لكل مخالفة والتأكد من نزاهة الحكام في تنفيذها بحذافيرها. أما مسألة تثقيف اللاعب حول قوانين الكرة فالمباراة ليست المجال لهذا.

كذلك يجب على الحكام تطويع قانون اللعبة واستخدامه في تشجيع الكرة الهجومية ليس الدفاعية، رغم أن تحكيم مباراة تطبق فيها الخطط الدفاعية قد تكون إدارتها أسهل بالنسبة للحكم. وبذلك تتلاشى أجمل صفات اللعبة الشعبية الأولى وهي الأهداف.

وجانب من مشكلة التحكيم يكمن في القوانين التي تحكم اللعبة بشكلها الحالي وإحساس المدربين والحكام أن أفضل طريقة للحفاظ على وظائفهم هي تشجيع الأسلوب الدفاعي السلبي، حيث لا يتيح لهم القانون الحالي للعبة طريقة مثلى للتعامل مع مخالفي القانون والمتحايلين عليه من المدافعين لإيقاف تقدم الموهوبين من المهاجمين.

كيف نحافظ على جاذبية كرة القدم

الذي لا شك فيه أن جاذبية كرة القدم انتشرت بشكل عالمي لا يمكن مقاومته. لكن الواقع قد يكون خادعاً، كما أن حمى الكرة لا يمكن أن تدوم إلى الأبد، فالأذواق تتغير وكذلك الظروف الاجتماعية ومؤشرات الثروة فكيف نتوقع من كرة القدم أن تواصل سيطرتها على مشاعر العالم دون تغيير؟

والمؤكد أن كرة القدم ستشهد تغييراً تماماً مثلما حدث لها خلال العقود الثلاثة الماضية ويخشى النقاد أن يكون هذا التغيير المتوقع نحو الأسوأ.

والمتغيرات السلبية المتوقعة وراءها أسباب منطقية أهمها قوة المال وازدياد شعبية الكرة الدفاعية.

والدليل نتائج المباريات التي غالباً ما تنتهي إما بالتعادل السلبي أو الفوز بهدف يتيم. بينما يذهب الجمهور إلى الملاعب عادة للاستمتاع بأكبر قدر من الأهداف خلال مباراة مفتوحة وعامرة بالإثارة والإمتاع.

والمنطق يقول هنا إذا لم نحصل على نوعية الكرة التي نرغب في مشاهدتها فعلينا ببساطة تعديل قوانينها. وتعديل القوانين يجب أن يتبعه تغير في عقلية التحكيم وتفسير الحكام لتلك القوانين الجديدة. كذلك من الضروري أن يجري التعديل نحو تشجيع اللاعبين والجهاز الفني لتقديم المزيد من الكرة الهجومية التي تفي بالمزيد من الأهداف وبالتالي المزيد من المشجعين الذي يتبعه زيادة في جرعة البث التلفزيوني وهذا يعني المزيد من المال للأندية لتطوير اللعبة.

وهنا مجموعة من المقترحات حول قوانين لعبة كرة القدم. ست نقاط للفوز ثلاث للتعادل وصفر للخسارة ونقطة عن كل هدف بواقع 3 كحد أقصى.

* التأكيد على التطبيق الصارم للقوانين الحالية خصوصاً تلك التي تحكم التعامل مع اللعبة الخشنة والفاولات التكتيكية، والمعنى هنا هو عدم التردد في إبراز البطاقات الصفراء والحمراء لإيقاف العنف غير المبرر في المباريات.

* إعادة النظر في النقاط التي يحصل عليها الفريق في حالة الفوز وعدد الأهداف المحرزة. وما نتحدث عنه معمول به منذ فترة في دوري الكرة بأميركا الشمالية بواقع ست نقاط للفوز، ثلاث للتعادل وصفر للخسارة. بالإضافة إلى نقطة واحدة عن كل هدف بحد أقصى ثلاث نقاط. وبالتالي في حالة النتيجة 6 ـ 3 مثلاً يحصل الفائز على الحد الأقصى من النقاط وهو 9 بينما يحصل الخاسر على ثلاث.

* خصم نقاط من الفريق غرامة عن اللعب الخشن مع الاتفاق على نظام نقاط معين عن كل فاول، ركلة جزاء، البطاقة الصفراء والحمراء. والمتوقع هنا زيادة الضغوط على الحكام في تنفيذ واحتساب كل هذه النقاط.

* ركلات الترجيح دليل واضح على مشكلة شح الأهداف وأصبح من الصعوبة إنهاء نتيجة المباريات بأهداف حقيقية فجرت الاستعانة بركلات الترجيح وهي تجعل الأمر أكثر سوءاً كونها تشجع اللعب الدفاعي ويعتمد الفريق على الحظ لتحقيق الفوز باللجوء إلى تلك الركلات كحل أخير بينما يمكن الاستعانة بالضربات الركنية أولاً وهو من شأنه تقديم الجائزة للفريق الأكثر هجوماً.

* زيادة حجم المرمى وهو اقتراح تم تقديمه عدة مرات لكنه واجه النقد والسخرية باعتباره فكرة سخيفة بل قدم النقاد مقابل ذلك فكرة فكاهية وهي الاستعانة بحارس مرمى أقل حجماً وطولاً. ومع ذلك فالفكرة لها ايجابياتها فحراس المرمى يحصلون على المزيد من التمارين وأكبر حجماً، كذلك المدافعين يجب أن يكونوا أقوى وأفضل تنظيماً.

* ورفض تعديل مقاسات المرمى الحالية «8 أقدام ـ 8 ياردات» يعادل تماماً التنامي الهائل في ملكية السيارات وان يصمم الناس على استخدام المركبات العامة.

* تقليص نفوذ حارس المرمى والمساحة الهائلة المسموح له بممارسة صلاحياته داخلها ضخمة وتبلغ 792 ياردة وهي تعادل تقريباً نصف مساحة ملعب كرة السلة. كذلك يجب التخلص من نقطة الست ياردات التي لا تخدم أي غرض واستبدالها بعلامة جديدة لتحديد منطقة الجزاء 12 ياردة مثلاً بدلاً من 18 ياردة وهذا يعني تقليص مملكة حارس المرمى إلى النصف. من جانب آخر قد يشجع هذا التعديل الحكام على احتساب ضربات الجزاء بجرأة أكثر وعدم الخوف من هذا القرار.

* إعادة النظر في قانون التسلل وما قد يترتب عليه من تقليل الاعتماد على إرسال الكرات الطويلة من مسافات بعيدة والاعتماد أكثر على التمريرات السريعة داخل المنطقة.

* منح الحكام المزيد من السلطات فيما يخص التعامل مع الفاولات تماماً مثلما يحدث في كرة السلة حيث يتم تقسيم حالات الفاول إلى قسمين الاعتداء الشخصي والفاول التكتيكي وفيه التهجم بالألفاظ غير اللائقة وتعتمد إضاعة الوقت وكذلك هناك الفاولات الهامشية مثل خلع الفانيلة للاحتفال بإحراز هدف وجميعها تقابلها عقوبات متساوية. وهنا يجب التفريق بين عقوبة الفاول التكتيكي والشخصي فالأول يمكن مواجهته بعقوبة أخف بينما تشتد العقوبة على الثاني.

* إيجاد طريقة لعدم مواصلة فريق اللعب بعشرة لاعبين وهو الأمر الذي من شأنه تدمير المباراة حذف الامتاع من دقائقها. والفريق الناقص يلجأ عادة إلى التكتيك الدفاعي لذلك يجب السماح باستبدال اللاعب الذي يحصل على البطاقة الحمراء وذلك بإيجاد عقوبة أخرى للفريق الذي يلعب معه.

محمد سيف النصر