أطلقوا عليها العديد من الأسماء ووصفوها بالكثير من الصفات، لكن اسم اللعبة الشعبية الأولى في العالم هو الذي تسيد الموقف لمطابقته الموصوف.. كيف لا وهي اللعبة الوحيدة التي اتفق عدد كبير من البشر على أنها متعتهم الأولى، وأنها المفضلة لديهم شيباً وشباباً خلال مختلف مراحل تطورها منذ عهود سحيقة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن.

ومع المتغيرات الكثيرة التي يشهدها عالمنا، يبرز السؤال: إلى أين تتجه كرة القدم؟ وهل لدى كرة العالم القدرة على البقاء بشكلها الحالي؟ وماذا يخبئ لها المستقبل؟ هذه الأسئلة نجيب عنها في سلسلة من المقالات حول مختلف المؤثرات التي قد تحدد مسار كرة القدم مستقبلاً، وهي عديدة، منها المقترحات المتعلقة بقوانينها نحو هدف واحد هو توجيهها نحو المزيد من الكرة الهجومية.. كيف نستغل العلوم الحديثة لتطويرها ومنحها الأجنحة اللازمة للتحليق فوق المعوقات.. ملكية الأندية ودورها في التأثير على الكرة.. تحديد سقف معين لرواتب اللاعبين كعلاج للأمراض الاقتصادية التي قد تعاني منها.. أسلوب بيع اللاعبين، وخصوصاً القادمين من أميركا اللاتينية نحو أوروبا.. ما هو دور الفيفا في الحفاظ على حلاوة وتنافسية الكرة؟.. سطوة نجوم الكرة وتأثيرها على استمراريتها.. وغير ذلك من المحاور التي قد يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر.

تحول جوزيف بلاتر إلى شخصية من عصر آخر أشبه بأباطرة الإمبراطورية الرومانية في عهد تاريخي سابق وليس بلاتر الشخصية اللبقة التي تتمتع بدبلوماسية الساسة والبراعة الاجتماعية ـ وأصبح القائد الشرس الصارم وليس الرئيس بلاتر أحد منتجات حقبة السبعينات عندما انضم إلى أسرة اتحاد الكرة الدولي إبان عهد ديكتاتور آخر سبقه هو جواو هافيلانج.

والآن تغير عالم الرياضة وعالم الاستثمار وإدارة الاستثمار فأصبح بلاتر بحاجة إلى عملية إعادة تقييم هائلة لما يفعله وما يقرره حول كرة القدم ـ وهو ذات التحدي الذي سوف يواجهه رئيس الفيفا الجديد الذي سيخلف بلاتر كائنا من كان ومتى يجري انتخابه.

وتاريخ الإمبراطوريات والأمم وكذلك إدارات كرة القدم عامر بحوادث تلطخت خلالها بممارسات من تولوا السلطة ولفترات طويلة وهذا الاستمرار المطول في السلطة انتهى بهم الأمر إلى خلق عقبات في سبيل تطورها. وهذا بالتحديد الخطر الذي قد تواجهه الفيفا إذا طالت فترة ولاية بلاتر بل وخطر يهدد من يخلفه في رئاسة الفيفا.

بدأ بلاتر موظفا مع الفيفا منذ 1976 وتدرج في مناصب سكرتيرها العام ثم المدير التنفيذي ورشح بلاتر نفسه لرئاسة الفيفا عام 1998 عندما انتبه الإمبراطور السابق هافيلانج أنه بقى في منصبه حقبة طويلة. وأعلن بلاتر وقتها أن رئيس الفيفا لا يجب أن تتجاوز ولايته أكثر من عامين كحد أقصى لكن عندما انتهت فترته كرئيس للفيفا بعد عامين ترشح لمرات ومرات كانت آخرها عام 2007.

المساندة الانتخابية

عندما وجه أحد الصحافيين سؤالا لبلاتر لماذا قرر خوض مرحلة ثالثة قال انه أخطأ في تقدير الوقت الذي يحتاجه الرئيس المنتخب لتكريس برنامجه الذي أعلنه. بل واقترح بلاتر أن على الفيفا تبني النظام الرئاسي الذي انتهجته مؤخرا اللجنة الدولية الأولمبية حيث يخدم الرئيس فترة تمتد ثماني سنوات تليها أربعة أعوام إذا أعيد انتخابه.

وبذلك أدركت اللجنة الأولمبية مدى خطورة بقاء الرئيس لفترة مطولة مثلما حدث أولا مع الرئيس السابق برونداج ثم خوان أنطونيو سامارانش. ونتيجة الاستثمارات الحديثة حول العالم يتجه العالم نحو المزيد من الشفافية والوضوح المدفونة في سويسرا في مكاتب الفيفا وكذلك الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.

لكن هذا المعنى تعرقله السرية التامة التي يحيط بها الاتحاد الدولي لكرة القدم نفسه. ومن المتوقع أن يرشح بلاتر نفسه لولاية أخرى إذا ساعدته الصحة خلال الانتخابات عام 2011 وعموما رئاسته للفيفا من منصب لآخر كانت حياته لمدة 30 سنة كذلك يعمل بلاتر على تطوير ما أطلق عليه المشروع الأعظم وهو تأسيس كرة القدم ليس كلعبة شعبية أولى حول العالم .

بل يرغب في تحويلها إلى هوية ثقافية قادرة على اختراق المناطق التي تخشى الحكومات والساسة العاديون الوصول إليها مخترقة الحدود والثقافات الأخرى وكذلك المحاذير العنصرية والسياسية ـ هذا المشروع يتواصل حتى عام 2011 أي بعد الذهاب بكأس العالم إلى جنوب إفريقيا لأول مرة ـ وطوال هذا الوقت يبقى بلاتر الشخصية التي لا يمكن الاستغناء عنها.

لكن ماذا بعد 2015 حيث لا يستطيع أحد التكهن بهوية الرئيس الجديد. هل يحلم ميشيل بلاتيني بالمنصب بعد فوزه برئاسة الاتحاد الأوروبي. هل يكون فرانز بيكنباور الذي سيبلغ السبعين عام 2015 أي أنه طعن كثيراً في السن.

ماذا عن محمد بن همام المساند الأول لبلاتر رغم أنه يبدو راضيا تماما عن منصبه كرئيس الاتحاد الآسيوي وقد يفتقر إلى المساندة الأوروبية والعالمية ـ وقد تكون صلته مع بلاتر عندها من المعوقات وليست المساندة.

وبغض النظر عمن يكون رئيس الفيفا المقبل فلا شك أنه بحاجة إلى الكثير من الدعم وعليه أن يكون قادراً على جلب إدارة الفيفا للتعامل مع عالم أكثر شفافية ـ عالم تتحول فيه الرواتب والمصروفات ومسترجعات الضرائب مفتوحة للتفتيش، عالم تنتشر فيه المصداقية الرياضية والثقة التجارية.

عقبات في طريق الفيفا

الذي لاشك فيه أن الفيفا إذا لم تفتح أبواباً معينة «أو نوافذ» على مصراعيها، اقتصادياً وإداريا فقد تفقد حقها في إدارة اللعبة الشعبية الأولى على العالم بعد أن قويت شوكة اتحادات الكرة القارية والمحلية وأصبحت هذه الاتحادات تحت رحمة أنديتها وبالتالي بدأ الهرم الكروي القديم في الترنح وإذا ازدادت حدة هذا الترنح فمعناه سقوط الفيفا ومعها الرئيس واللجان التنفيذية والعوائق الأساسية التي تقف في طريق الفيفا مستقبلاً هي:

دوري أبطال أوروبا:

يجب أن يحدث تغيير في بطولة دوري أبطال أوروبا إذا أرادات الحفاظ على معناها وهذا يعني بالتأكيد أكثر من المبادرات التي قالها ميشيل بلاتيني رئيس اليويفا كبادرة شكر للدول متوسطة المستوى التي صوتت لصالحه عند ترشيح نفسه للمنصب.

ونظرة إلى دوري أبطال أوروبا أنها لا تنتعش حقيقة إلا بعد انتهاء مرحلة المجموعات المملة بنتائجها المتوقعة والتي تصبح أكثر وضوحاً من حيث النتائج مع السماح بانضمام المزيد من الفرق ضعيفة المستوى ابتداء من الموسم المقبل.

والواقع ان البطولة لا تنتعش متحولة إلى متعة حقيقية إلا بحلول الربيع، وعندما قرر اليويفا تنظيم كأس الاتحاد الأوروبي لأول مرة قال رئيسه السابق بان كريستير أولسن إنها قد تصمد أو تسقط ليس فقط بفعل الدعم التجاري المصاحب لمرحلة المجموعات بل بنجاحها كمنافسة رياضية، ولهذا السبب بالذات يجب أن تشهد هذه البطولة تغييراً جذرياً.

كذلك تعتبر مرحلة المجموعات في البطولة فشلا رياضيا ذريعا كونها تشمل عددا كبيرا من المباريات الميتة خلال الجولتين الأخيرتين وبالتالي يعتبر السماح للمزيد من الأندية ضعيفة المستوى بالمشاركة المزيد من المباريات المملة.

وقنوات التلفزيون لن تتحمل مباريات غير تنافسية خلال أوقات الذروة وبالتالي اليويفا بحاجة إلى معادلة جديدة لمواجهة التحدي الرياضي، مطالب الأندية المادية ومطالب التجارية كاتحاد أوروبي ؟ ومن الممكن أن تبيض البطولة الأوروبية ذهبا للاتحاد الأوروبي بشرط أن تشهد التطور المطلوب في مستواها وأسلوب المشاركة فيها والبديل الذي تطرحه الفيفا على الاتحاد الأوروبي هو تنظيم دوري أوروبي للأقوياء فقط وهو حلم قد لا يتحقق الآن.

الدول المضيفة

من الواضح أن الفيفا واليويفا قد أفلست خياراتهما في هذا الشأن وكلما قللا من المباريات النهائية لكأس العالم ودوري أبطال أوروبا كلما قلل ذلك من عدد الدول القادرة فعليا على استضافة هذين الحدثين الكبيرين. ويرغب الاتحاد الدولي للكرة تسمية الدولة المضيفة في وقت مبكر لسببين.

1- تأرجح المطالب اللوجستية، التقنية والمالية إلى درجة أن الدولة بحاجة من 7 إلى 10 أعوام للاستعداد واستضافة الحدث.

2- تزايد القلق لدى الاتحادات الدولية من تضاعف مصروفات مثل هذه البطولات التي تتحملها عادة قنوات البث التلفزيوني والاستضافة المشتركة معروف أنها باهظة التكاليف مثلما عبر عنه بلاتر نفسه بعد مونديال 2002 الذي استضافته كوريا واليابان مناصفة بقوله ماليا تعادل تنظيم كأس العالم مرتين.

لذلك ترك اليويفا انطباعاً بالتذمر عندما أوكل لكل من بولندا وأوكرانيا تنظيم نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2012.

تربيط المباريات

يتوقع المراقبون تصاعد معدل تربيط نتائج المباريات إلى درجة تتحول فيها إلى الوباء الذي يصيب كرة القدم في مصداقيتها خلال العقد المقبل. ويحلم غالبية لاعبي كرة القدم حول العالم بالحصول على نوع الثروات التي يحققها كبار نجوم اللعبة أمثال ابراهيموفيتش مع الانتر الإيطالي وكريستيانو رونالدو في صفوف المان يونايتد ونفس هؤلاء يتطلعون بحسرة إلى جرة الذهب المكدس في نهاية قوس القزح في كرة أوروبا الغربية.

كذلك قد يكون من المستحيل السيطرة على المضاربات والمراهنات التي تجري بالملايين حول العالم عن نتائج المباريات، وهنا تتفاقم قضية تربيط المباريات. وكشف قضية التربيط قد يكون سهلاً مع وجود أجهزة المراقبة الحديثة والمعقدة لكن بعض التفاصيل الصغيرة الأخرى قد يتاح ضبطها بنفس السهولة كالتآمر في الرميات الجانبية، الضربات الركنية، وبطاقات الإنذار بلونيها الأصفر والأحمر. وخطورة تربيط المباريات يكمن في ملابساتها المالية مثلما حدث مع جاك غلاسمان وقضية تربيط مباراة مرسيليا الشهيرة عام 1993.

المباراة التاسعة والثلاثون

«مستحيل» كانت هذه الكلمة التي قالها السير اليكس فيرجسون حول اقتراح إقامة المباراة رقم 39 بالدوري الانجليزي في إحدى دول ما وراء البحار. ولن يوافق أي نظام دوري محلي ولا حتى البريمرليغ الانجليزي الأشهر على إقامة جولة من المباريات الختامية خارج حدود الوطن لا هذه السنة ولا التي تليها.

وبالتالي سقط الاقتراح حتى قبل مناقشته فعلياً رغم أن عددا من الرياضات الأخرى نفذته بنجاح مثلما فعلت كرة القدم الأميركية على استاد ويمبلي الذي يقع في قلب البريمر ليغ. لكن إذا كان السعر المقترح مناسبا فستوافق الأندية حيث يستضيف اتحاد آخر بسعادة هذه المباريات بغية الحصول على حقوق البث. وبالتالي يعتبر المتابعون أن المسألة أصبحت مسألة وقت على قيام مثل هذه المبادرة رغم مستحيل السير اليكس فيرجسون.

الوطن أم النادي

أرادت الأرجنتين أخذ ليونيل ميسي إلى الألعاب الأولمبية وهو مطلب مشروع قد يتفهمه ناديه برشلونة بشرط ألا تطلبه الأرجنتين للمشاركة في أي مباراة ودية استعداداً للأولمبياد وهو ما رفضه النادي الاسباني الشهير. إذن، يطالب المنتخب الإنجليزي بنجمه ستيفن جيرارد لاعب وسط ليفربول الشهير بشرط ألا تتضارب احتياجات المنتخب الإنجليزي مع الجراحة المقررة للاعب.

إذن، المنتخبات تحتاج إلى أفضل نجوم اللعبة للمشاركة في نهائيات المونديال ويوافقها في ذلك الاتحاد الدولي بشرط أن تحقق مطلب الأندية بأن يضمن الفيفا سلامة هؤلاء اللاعبين. كذلك يرغب الاتحاد الأوروبي في مشاركة كافة الأسماء اللامعة في بطولاته المهمة، لكن الأندية تشترط أن تحصل على تعويضات مالية لكل لاعب عن كل يوم غياب عن التشكيل.

وفي الماضي كانت الاتحادات القومية تمسك بكافة الخيوط، لكن خلال العقد القادم من المتوقع أن تتزايد سطوة الأندية لتخرج عن طوع اتحاداتها. ومن المتوقع أن تواصل الأندية تأجير لاعبيها للمشاركة في المونديالات، وهو ما يرفع معدل أداء اللاعب، وبالتالي ترتفع قيمته المادية إذا أراد النادي بيعه. إذن.. الوطن أم النادي؟.. هذا سؤال يتعلق بالفائدة المادية وليس الولاء الذي عرفناه من اللاعب لناديه سابقاً.

محمد سيف النصر