أطلقوا عليها العديد من الأسماء ووصفوها بالكثير من الصفات، لكن اسم اللعبة الشعبية الأولى في العالم هو الذي تسيد الموقف لمطابقته الموصوف.. كيف لا وهي اللعبة الوحيدة التي اتفق عدد كبير من البشر على أنها متعتهم الأولى، وأنها المفضلة لديهم شيباً وشباباً خلال مختلف مراحل تطورها منذ عهود سحيقة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن.

ومع المتغيرات الكثيرة التي يشهدها عالمنا، يبرز السؤال: إلى أين تتجه كرة القدم؟ وهل لدى كرة العالم القدرة على البقاء بشكلها الحالي؟ وماذا يخبئ لها المستقبل؟ هذه الأسئلة نجيب عنها في سلسلة من المقالات حول مختلف المؤثرات التي قد تحدد مسار كرة القدم مستقبلاً، وهي عديدة، منها المقترحات المتعلقة بقوانينها نحو هدف واحد هو توجيهها نحو المزيد من الكرة الهجومية.. كيف نستغل العلوم الحديثة لتطويرها ومنحها الأجنحة اللازمة للتحليق فوق المعوقات.. ملكية الأندية ودورها في التأثير على الكرة.. تحديد سقف معين لرواتب اللاعبين كعلاج للأمراض الاقتصادية التي قد تعاني منها.. أسلوب بيع اللاعبين، وخصوصاً القادمين من أميركا اللاتينية نحو أوروبا.. ما هو دور الفيفا في الحفاظ على حلاوة وتنافسية الكرة؟.. سطوة نجوم الكرة وتأثيرها على استمراريتها.. وغير ذلك من المحاور التي قد يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر.

قبل عقد واحد من الزمان لم يكن أحد ليصدق أن نادي مانشستر يونايتد سوف تؤول ملكيته لعائلة أميركية قادمة من فلوريدا، عائلة سوف تثقل كاهل المان يونايتد بديون بلغت 667 مليون جنيه استرليني أو أن غريمه التقليدي مانشستر سيتي ستذهب ملكيته إلى رئيس وزراء تايلاند السابق شيناواترا قبل أن تحط أسهمه الرحال لمجموعة أبوظبي.

وتابع العالم من جيل إلى جيل التحول المذهل الذي حدث في عالم كرة القدم. هذا التحول لم يخطر على بال أذكى أو أشجع رجل في الماضي. ولا حتى على بال أكبر وكلاء اللاعبين من ذوي المعرفة والنظرة الاستقرائية لكرة القدم وأحوالها أن يتكهن أن تصل رواتب نجوم الكرة إلى أكثر من 160 ألف جنيه استرليني في الأسبوع مع كبريات الأندية الأوروبية، ومع ذلك يصفها بلاتر رئيس اتحاد كرة القدم الدولي بأنها عبودية.

وكيف لا نصف ملاك الأندية الكبرى بالقناصين وبطولة مثل دوري أبطال أوروبا تضخ أكثر من 500 مليون جنيه استرليني في الموسم الواحد ومن حقوق البث التلفزيوني وحده.

وكرة القدم الإيطالية كانت مثار حسد بقية أوروبا والعالم فمن كان يتصور أن تتقدم هذه الكرة بما تعرضت له من فضائح. وعندما انهارت كرة القدم الإنجليزية عقب مأساة هيسيل الشهيرة عام 1985 لم تكن كرة القدم الإنجليزية قد بلغت القمة ولا احتلت الأندية الإنجليزية مبلغ الأندية الثرية التي تملك الأموال الطائلة. وحتى عندما تحولت ميزانية الأندية إلى المليارات مازالت معظم الأندية تستجدي من يشتريها عن أمل إصلاح الحال.

هذا الواقع يجعل من المستحيل التكهن بما تؤول إليه حال كرة القدم بعد عقد أو عقدين ولا حتى إذا كانت هناك إمكانية إقامة بطولة سوبر ليج بين الأندية التي آلت ملكيتها لأجانب من أثرياء أميركا بل وحتى أباطرة صناعة الحديد من الهند، وهل تنهار بقية الأندية تحت وطأة الديون الضخمة؟

وفي إيطاليا هل تواجه أنديتها رياح التغيير وملكية الأجانب لها حتى تعود إلى سابق عهدها الذهبي؟ وهل تمثل كرة القدم حتى فقدان الوعي من المال؟

وبالعودة إلى الماضي خلال موسم 93 /1994 وحتى قبل أكثر من 50 عاماً نجد أن اللعبة قد امتدت امتداداً هائلاً وسط الكثير من المتغيرات الدرامية. ومع ذلك نفاجأ بالعديد من الجوانب التي لم يطالها التغيير.

ففي انجلترا مثلاً كانت الهيمنة الكاملة لنادي مانشستر يونايتد كما هو الحال الآن وكانت البطولات تتكون من أربعة أقسام من الأندية المحترفة يبلغ عددها 92 نادياً وكذلك بقيت كما هي عليه حالياً رغم أن توزيع الأموال إنجاز إلى جانب الأندية الغنية منها.

وكان مان يونايتد قد تأهل للمراحل المتقدمة في كأس أوروبا عام 1958 وذلك قبل حادثة ميونخ تم بعد بعد 50 عاماً فاز مان يونايتد بالكأس الأوروبية.

وفاز ريال مدريد بهذه البطولة عام ي1958 و1959 واجتاح ميلان فريق برشلونة برباعية نظيفة عام 1993. وما زالت هذه الأندية من أندية أوروبا العملاقة والبرازيل التي فازت بكأس العالم 1958 و1994 إلى أن وصلت بإنجازها إلى خمسة كؤوس ذهبية من المتوقع أن تهيمن كذلك على مونديال جنوب إفريقيا 2010.

وفي الماضي وقع في عشق الكرة الملايين حول العالم بل وتحولت إلى تجربة تحررية وتوحيدية للملايين كذلك تماماً مثلاً هو الحال الآن. وقام التلفزيون ببث اللعبة إلى جميع أنحاء العالم خصوصاً مباريات الدوري الإنجليزي ومع ذلك تعتبر ملكية الأندية عملا قوميا ثابتا يتابع مبارياتها الملايين في آسيا والشرق الأوسط باعجاب ولهفة.

أما ما تسبب في تحول ملكية الأندية العريقة إلى أيد أجنبية فهو الضائقة المالية التي طوقت عنق عدد منها ولم يكن من السهل وقوع فريق مانشستر يونايتد في أيدي عائلة جليزر والسبب أن الجميع يعلم أن حافزها في هذه الصفقة هو المال والكسب المادي وليس عشق كرة القدم وأمل الملاك الجدد في بيع النادي بمبلغ أكبر بكثير مما دفعوه فيه.

ومن مانشستر يونايتد إلى تشيلسي الذي كان من نصيب الملياردير الروسي رومان ابراموفيتش الذي رغم أنه يملك عددا هائلا من الممتلكات في بلاده إلا أنه انتابه إحساس بضرورة امتلاك نادٍ كروي إنجليزي ففعل. وكذلك فعلت شركة أبوظبي عندما اشترت مانشستر سيتي باعتبارها صفقة استثمارية مضمونة وإن كان معلوماً أن أرباح الأندية الكروية لا تتأتى إلا من خلال بيعه مستقبلاً.

أرباح الكؤوس والبطولات

قد يكون من الصعب التكهن بما تنتهي إليه الأندية الإنجليزية وخلال 15 عاماً تنقلت من أيدي رجال أمثال بيتر سواليس مالك مان سيتي سابقاً الذي كون ثروته من دور السينما المستأجرة في مدينة مانشستر ليتحول إلى أحد أغنى الرجال على وجه الأرض. وكانت أندية إيطاليا وأسبانيا متخلفة بأجيال عن ذلك لكنها الآن مستهدفة من قبل أغنى أغنياء الدولتين.

فهل تتحول أندية إنجلترا إلى ما يشبه لعبة الكراسي ببيعهما ترى إلى آخر باحث عن المال من واقع الكؤوس والبطولات التي يحققها النادي، أم بدخل السباق عدد من المؤسسات العملاقة أمثال «جوجل» ديزني وإي اس بي إن لإضافة هذه الأندية الشهيرة إلى ممتلكاتهم الضخمة؟

ومعروف كذلك أن شركات التلفزيون تبدي اهتماماً كبيراً بشراء هذه الأندية لكن الفرق هنا أن السبب هو المنافسة غير مسموح بها.

وفي أسبانيا نجد أن ناديي ريال مدريد وبرشلونة يملكها الأعضاء أو ما يطلق عليهم اسم «سوشيوز» منذ إنشائها رغم أن مدرائها يتذمرون أن هذا الوضع يقلص من مقدراتهم على كسب المال من وراء ملاك أجانب.

سطوة المال

وسط الأمنيات بكسب المزيد من الأموال، وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تجتاح العالم هذه الأيام يظل للمال نفوذه وتأثيره على كرة القدم مثلما فعل طوال تاريخ اللعبة.

ومع ذلك من المتوقع أن يشهد المستقبل بقاء الأندية الكبرى أمثال مانشستر يونايتد، ريال مدريد، ميلان، بايرن ميونخ، أرسنال، ليفربول، يوفنتوس، الأنتر وآلاف الأندية حول العالم وجميعها يحلم بالمجد. وسوف يمارس كرة القدم ملايين البشر ويتابعها الملايين كذلك من داخل الملاعب أو عبر شاشات التلفزيون.

لكن المستثمرين يتجهون دائماً إلى المواهب البشرية كوسيلة مضمونة لجمع المال من خلال شراء الحقوق الاقتصادية للاعبين أنفسهم مثلما فعلت شركة «كيا» الكورية لصناعة السيارات ومالكها جودابيشيات الذي اشترى نادي كورينثيانز البرازيلي. لكن النادي البرازيلي خيب توقعاته المادية وانهار اقتصادياً فأدرك أن المال الذي يطلبه هو في اللاعبين أنفسهم وليس الأندية. ومع أن السلطات الكروية أعلنت عدم رضاها إلا أن قانون الفيفا ينص على عدم قانونية الطرف الثالث في مثل هذه الصفقات إذا ثبت أن بيعه وشراء اللاعبين يمثل دليلاً دامغاً على التأثير على الأندية.

هذا التمدد الاقتصادي قد لا يتسبب في تغيير طبيعة اللعبة ومن المؤكد عدم تكوين مجموعة جي 14 ما أطلقوا عليه سوبر ليج الأوروبية منذ عشرة أعوام فتدخل اتحاد الكرة الأوروبي بحزم وعمل على تفكيك مجموعة الأربعة عشرة وأجبر الأندية المعنية على الانضمام إلى الأسرة الأوروبية.

المباراة رقم 39

وتعني المباراة التنافسية للأندية يجري نقلها إلى الخارج ومن المستبعد تحقيقها مستقبلاً. وكان الرئيس التنفيذي ريتشارد سكودامور قد أصابه وهم مفاده أن على الدوري الإنجليزي التوسع إذا أراد البقاء، وضرب مثلاً على ذلك بما تفعله أندية دوري السلة والكرة الأميركي، أداء عدد من المباريات خارج ملاعب الولايات المتحدة ويبدو أن سكودامور لن يتخلى عن فكرته ووجد المساندة من محمد بن همام رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم الذي أعلن أنه قد يتعاون معه إذا انتفعت الكرة في الدول التي تستضيف هذه المباريات.

وبناء عليه لن تقام المباراة الـ 39 على أساس تنافسي بل مادي بحت على أساس إقامة مباريات ودية تؤديها عدة أندية أوروبية في دول مختارة حول العالم.

وقبل عام أو نحوه سمع عدد قليل من الأوروبيين باسم بن همام الذي تحول حالياً إلى أهم الرموز الكروية في آسيا والعالم والذي أرسل رسالة تؤكد أنه إذا ما أرادت الأندية الأوروبية الكبرى والثرية التوسع في القارة الآسيوية فعليها المساعدة على تطوير الكرة في اتحادي الكروي الضخم الذي يشمل 50 دولة التي لا تمارس الكرة الاحترافية منها سوى سبعة دول هي الإمارات العربية المتحدة. السعودية، إيران، اليابان، كوريا الجنوبية، الصين واستراليا والخلاصة أن الأندية سوف تباع وتشترى وملكيتها ستتخذ أشكالاً لا يمكن تصورها. وكذلك كرة القدم ستشهد متغيرات عديدة لكنها وجدت لتبقى مهما كانت الظروف

محمد سيف النصر