أطلقوا عليها العديد من الأسماء ووصفوها بالكثير من الصفات، لكن اسم اللعبة الشعبية الأولى في العالم هو الذي تسيد الموقف لمطابقته الموصوف.. كيف لا وهي اللعبة الوحيدة التي اتفق عدد كبير من البشر على أنها متعتهم الأولى، وأنها المفضلة لديهم شيباً وشباباً خلال مختلف مراحل تطورها منذ عهود سحيقة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن.
ومع المتغيرات الكثيرة التي يشهدها عالمنا، يبرز السؤال: إلى أين تتجه كرة القدم؟ وهل لدى كرة العالم القدرة على البقاء بشكلها الحالي؟ وماذا يخبئ لها المستقبل؟ هذه الأسئلة نجيب عنها في سلسلة من المقالات حول مختلف المؤثرات التي قد تحدد مسار كرة القدم مستقبلاً، وهي عديدة، منها المقترحات المتعلقة بقوانينها نحو هدف واحد هو توجيهها نحو المزيد من الكرة الهجومية.. كيف نستغل العلوم الحديثة لتطويرها ومنحها الأجنحة اللازمة للتحليق فوق المعوقات.. ملكية الأندية ودورها في التأثير على الكرة.. تحديد سقف معين لرواتب اللاعبين كعلاج للأمراض الاقتصادية التي قد تعاني منها.. أسلوب بيع اللاعبين، وخصوصاً القادمين من أميركا اللاتينية نحو أوروبا.. ما هو دور الفيفا في الحفاظ على حلاوة وتنافسية الكرة؟.. سطوة نجوم الكرة وتأثيرها على استمراريتها.. وغير ذلك من المحاور التي قد يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر.
مساء الخير يا جمهور الكرة، نقدم لكم نتائج المباريات التي جرت اليوم وهي عشر مباريات دولية وانتهت جميعها بالتعادل السلبي، ولعبت جميع الفرق العشرون بثمانية مدافعين ولاعبين في خط الوسط بدون أي مهاجم. كذلك فاز حراس المرمى بجائزة أفضل لاعب في المباراة، ولم يبرز الحكام أي بطاقات صفراء أو حمراء. بل ولم يكن هناك أي جمهور في كافة المباريات.
أرجو ألا يضحك القراء فنحن متجهون نحو هذا السيناريو بعد أن انخفض معدل الأهداف بانتظام لعدة عقود مضت وهي حقيقة واقعة تثبتها نظرة سريعة إلى سجلات كأس العالم حيث تؤكد أن إحصائية هدف في كل مباراة في انخفاض مطرد. وفي عام 1958 كانت تقول بواقع 6. 3 أهداف في المباراة ومنذ ذلك التاريخ لم ترتفع إلى أعلى من 3 أهداف وآخر إحصائية في مونديال 2006 نشاهد الرقم 3. 2 هدف للمباراة الواحدة وثاني أقل معدل في التاريخ. وفي تلك البطولة شهدت 37 مباراة من 64 هدفين أو أقل من كل مباراة. وفقط أربع مباريات شهدت أكثر من أربعة أهداف في كل واحدة منها.
أما المدربون فينصب تفكيرهم بالكامل على الخطط الدفاعية وأصبح دارجاً لديهم تطبيق أسلوب اللعب بمهاجم واحد وهناك يستمتع المدافعون بأوقات طويلة من الاسترخاء بينما أنهمك الحكام في محاولة إثبات ادعاء المهاجم الإصابة والسقوط. كما طالب حراس المرمى بالمزيد من السلطات والمال. فإلى متى يواصل الجمهور التقاطر نحو رياضة لا تهتم بتقديم المتعة لهم؟ بل هل يستطيع أحد أن ينكر أن تقديم المتعة لم يعد هو الخيار الأول في كرة القدم وفي كرة هذه الأيام الغلبة للدفاع.
تكتيكات الجشع
كيف حدث ما حدث لكرة القدم ولما سمح له بالحدوث؟ لا شك أنه المال الذي يلعب دوراً كبيراً في المعضلة بعد أن وصلت كرة القدم إلى بزنس تبلغ ميزانيته المليارات «في كرة القدم الحديثة، الغلبة للخطط الدفاعية التي يتعاظم تأثيرها إلى درجة تحويلها إلى لعبة مملة».
وتأثير كل هذه الأموال تغلغل في عروق وشرايين الكرة. وسلطة المال في الواقع أصبح لها تأثيرها في تكتيكات اللعب وتشكيل الفرق ويقول النقاد إن هذه الثغرة الدفاعية بدأت بالفعل في إيطاليا خلال حقبة الأربعينات بميلاد خطة الكاتاناتشو وكان الهدف منها السماح للأندية الأصغر والأكثر فقراً الوقوف في وجه الغنية الراسخة أمثال يوفنتوس والانتر.
وأثبتت الكاتاناتشو نجاحها إلى درجة أن تلك الأندية اتجهت إلى استخدامها. وكان ذلك ميلاد حقبة الأندية الدفاعية بعد أن قدمتها الأندية الفقيرة وتبنتها الغنية التي تطمع بالمزيد من الأموال. واليوم يجرى مقياس أهمية الفوز والخسارة بالملايين كما أن خسارة مباراة مهمة قد يعني المقصلة لرأس المدرب. وجميعها عوامل قد لا تشجع المغامرة من قبل المدربين وهنا نكون قد وصلنا إلى نظرية تسويق كرة القدم.
التدريب والتحكيم
رغم واقعية تأثير المال على الكرة وأنه يقع عليه اللوم في تبني الكرة نظرية الحذر في تطبيقها إلا أنها تلخص القصة بكاملها. وتتبلور هذه الأيام معادلة مفادها أنه خلال حقبة التسعينات وحدثت مع كورسات التدريب التي يقدمها اتحاد الكرة الانجليزي وتنص على أنه هناك ثلاثة أسباب تفسر لماذا تحرز الأهداف. والأسباب الثلاثة تتعلق بالأخطاء الدفاعية أحدها قلة الضغط على حامل الكرة وهذا يعني أن اللعبة تحولت بالكامل إلى الأسلوب الدفاعي وإذا أدى لاعبو الدفاع مهمتهم على أكمل وجه فلن تحرز الأهداف وهناك يتحقق السيناريو الذي بدأنا به الموضوع وهو التعادل السلبي في كل المباريات.
ومن الطرائف حول التعادلات ما قاله المهاجم الإيطالي السابق جورجيو شينغاليا في منطق طريف (نتيجة التعادل السلبي مضجرة ومهما كانت حلاوة المباراة فالأهداف هي التي تمنحها الإثارة). والمدربون عموماً لا تعجبهم كثرة الأهداف في المباريات ومن الطرائف التي وقعت قبل أشهر قليلة في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي فاز فريق بيزبورو يونايتد على بريستول روفرز 5 ـ 4 أي أن المباراة شهدت تسعة أهداف .
ويعني كذلك أن الإثارة بلغت ذروتها لكن لم يحدث ذلك تماماً بعد أن حكم الجمهور على المباراة بأنها كانت هزلية وسخيفة على لسان المدرب الذي فاز فريقه وهو بالمناسبة دارين ابن السير اليكس فيرجسون الذي أضاف ربما تكون ممتعة للجمهور وليست لنا نحن المدربين.
وهنا نصل إلى نتيجة أن المدربين يفضلون المباراة حسب متطلباتهم وهي لا تشمل تقديم كرة جذابة والدلائل على هذا كثيرة جداً. والحجة التي يقدمها هؤلاء أن الكرة الممتعة لا يمكن أن نصفها بأنها الكرة الفائزة والخيار هنا واحد اما أن ترغب في تحقيق الفوز أو تقديم كرة جميلة وهو ما اعترف به جوفنال أولموس مدرب منتخب تشيلي عام 2003 عندما أعلن أن التأهل إلى مونديال 2006 هو كل ما يهمه قائلاً «لست مهتماً بالوهم الرومانسي المتعلق بتقديم لعبة ممتعة للجمهور».
ومع ذلك قدمت تشيلي كرة غير ممتعة ولم تتأهل للمونديال وأعادت إلى الأذهان مقولة إن اللعبة الممتعة هي عبارة عن دمية لا فائدة منها ولا تتميز بالجدية. «من المتوقع أن يشكل المدربون المباراة حسب رغباتهم الخاصة وهذه الرغبات لا تشمل تقديم الكرة الجذابة».
محمد سيف النصر

