على خلاف كل البطولات في العالم ها هي بطولة كاس الخليج تعيش ايامها الاخيرة واقيمت أغلب مبارياتها وكشفت الكثير من اسرارها الا اننا لم نسمع مثلا بخبر تعاقد هذا اللاعب مع ذاك الفريق الاوروبي أو ان احد الاندية تابعت لاعبا ودخلت في مفاوضات معه او مع ناديه... فهي البطولة الوحيدة في العالم التي يغيب عنها سماسرة اوروبا.

ففي بطولة كاس افريقيا للامم مثلا يتسابق السماسرة من كل انحاء القارة العجوز نحو ادغال افريقيا ويحجزون بطاقات حضورهم قبل المنتخبات المشاركة... وتغص بهم مدرجات الملاعب ويتحملون الظروف القاسية والصعبة طيلة ايام البطولة... ولن نتحدث عن كاس اوروبا للامم والمونديال والاولمبياد فهي بطولات اشبه حقيقة بالاسواق التجارية لشراء وبيع اللاعبين... وهنا جدير بنا ان نتساءل لماذا يغيب هؤلا ء عن عرس الخليج... والسؤال الاهم الى متى سيتواصل غيابهم؟

واذا كان السؤال الاول لا يحتاج الى الكثير من التفكير للوصول الى الاجابة فان السؤال الثاني يحتاج الى ان يكون موضوع ملف ويستحق حقيقة المتابعة.. نعم فاذا كان اللاعب الخليجي لا يعبأ بالاحتراف ولا يحرك سواكنه هذا الحلم باعتبار رفاهته المادية اولا وعدم حاجته الى تحسين ظروف حياته الى جانب تواضع امكانياته الفنية والبدنية التي لا توجد له مكانا بين المواهب التي تزخر بها الملاعب الاوروبية فان مصلحة الكرة الخليجية تقتضي تغيير العقلية وغسل دماغ للاعب الخليجي... لانه دون احتراف واحتكاك مع اللاعبين والاندية الاوروبية القوية لا مجال لتطور وتحسن مستوى الكرة في الخليج وستظل دائما عرجاء وتنقصها حلقة مهمة...

ولكن يبدو ان المسألة والمشكل يكمن اولا في العقلية.. والداء في الرأس وليس في القدم... فالاحتراف لم يكن من العادات والغايات او احد الاحلام التي يتربى عليها اللاعب الخليجي.. ويبدو ان هذا الدرس غائبا عن مناهج التدريس الكروية التي يتلقاها لاعبونا في الخليج خلال المراحل السنية رغم ان (اساتذتهم) من المحترفين والقادمين في الغالب من اوروبا ذاتها..!!

كما ان لغياب الكرة الخليجية عن البطولات العالمية الكبيرة مثل مونديال كرة القدم والالعاب الاولمبية حرم اللاعبين من فرصة نيل ثقة الاندية الاوروبية الكبيرة وبقوا بالتالي خارج دائرة المتابعة من طرف السماسرة.. ولا يمكن ايضا ان نسلم بان الرفاهة المادية للاعب الخليجي تلعب دورا اساسيا في توسيع مساحة البعد بين لاعب الخليج والاحتراف الاوروبي لان اللاعب الاوروربي المهووس بالاحتراف واللعب مع اعرق الفرق هو ذاته ليس بحاجة الى الأموال بقدر حاجته الى نجاح كروي ونحت سجل رياضي يتباهى به ويثبت به وجوده في الحياة وبأنه كائن فاعل... قادر على تحدي صعوبات الحياة وقهرها.

فمهما كان الامر المال الوفير لا يمكنه ابدا ان يفشل مشروع الاحتراف والا يقتل الحلم قبل ولادته.. نعم يمكن للاحتياج والفقر ان يدفع الهمم ويقوي العزائم ويقود الشباب البائسين الى المجد الكروي تماما مثلما هو الحال بالنسبة الى الافارقة الذين يبدؤون أحلامهم من الاكواخ في ادغال القارة السمراء لتنتهي بامجاد في ملاعب القارة العجوز وما حققه ابيدي بيليه وجورج وياه ودروغبا وايتو يغنينا عن ذكر ما انجزه المئات وربما الالاف من الافارقة...

يمكن ان يكون تواضع مستوى اللاعب الخليجي سببا من اسباب غياب سماسرة الكرة الاوروبية عن خليجي 19 ولكن كل من تابع البطولة يعي جيدا انها ليست (فقيرة المواهب) الى حد يبرر غياب مصممي صفقات الاحتراف.. فكل الفنيين يشهدون بتواجد عدد من اللاعبين الذين يستحقون المتابعة.. ويمكن في هذا السياق ان نذكر مثلا لاعبنا اسماعيل مطر.. والغائب احمد خليل بسبب الاصابة وياسر القحطاني ومالك معاذ الى جانب الشاب المفاجأة حسن ربيع.. فلو كان بروز هذا اللاعب في بطولة اخرى غير خليجي لكان محل منافسة ومزايدات و(حروب) بين السماسرة والاندية ولكان مهره بملايين الدولارات...

فمثلما نجح الحارس العماني علي الحبسي ومن قبله ابن الجارة ايران علي كريمي مع بايرن ميونيخ وايضا علي دائي يمكن لبقية اللاعبين ان ينجحوا ايضا في تجربة الاحتراف الاوروبي طالما وان الموهبة الكروية متوفرة.. فلماذا ينجح عرب شمال افريقيا الذين غزوا اوروبا ولا ينجح الخليجي؟...

ان ما ينقص فقط هو الرغبة والحلم وقوة الارادة ..ونعتقد ان هذه الشروط مسؤولية المسؤولين على كرة القدم في الخليج بدرجة اولى ثم ياتي دور مهم ايضا للمدربين.. فالواجب يحتم على هذين الطرفين يتكفلان بحملة تغيير عقلية اللاعبين وغرس قيم الاحتراف فيهم. وتبدو في الحقيقة المهمة سهلة في بعض االبلدان وفي مقدمتها بلدنا الامارات باعتبار ان الدوري المحلي اصبح محترفا... وهذه في حد ذاتها خطوة كبيرة نحو الاحتراف الاوروبي..

اما بالنسبة الى المدربين فانه بامكانهم ان يلعبوا حلقة الوصل بين المواهب الكروية الخليجية المتميزة والاندية الاوروبية التي ينحدر منها هؤلاء المدربون او تربطهم بها علاقات قوية باعتبار انهم سبق لهم وان دربوها.. ويمكن ان نستشهد هنا بتجربة المدربين الاوروبيين الذين يعملون في بلدان المغرب العربي او في افريقيا حيث كانوا وراء احتراف عدد كبير من اللاعبين في اوروبا من ذلك ان التونسيين لم ينسوا افضال المدرب روجييه لوميير عليهم بمساهمته الفعالة في هجرة ترسانة من المواهب نحو الاندية الفرنسية وذلك بتوصية من لومير...

الثابت اذن ان بطولة كاس الخليج ستظل تقام في الظل طالما لسماسرة الاوروبيين يغيبون عنها والمسؤولين عن الكرة الخليجية يكتفون بالفرجة ومتابعة المشهد الحزين.. وسيظل اللاعب الخليجي هو من يدفع الثمن وحده... وهذه الظاهرة ستبقي مستوى منتخبات دول الخليج بعيدا عن العالمية.. وهذا ما يجعلنا نطلق صيحات الفزع للتدخل العاجل من اجل مستقبل افضل للكرة الخليجية...

صلاح الدين الشيحاوي