مهما اختلفت الآراء ومهما تعددت المواقف من بطولة كأس الخليج فانها تبقى فكرة رائعة ومناسبة رياضية ببعد انساني توحد دول الخليج وتقرب بينها في زمن قلت فيه المبادرات الانسانية واصبحت تعمه الفتن والفوضى والحروب.. فبطولة كاس الخليج هي مظهر نادر من مظاهر تكافل الانسان الخليجي وتآزره في مشهد تحسده عليه كثير من الامم في اصقاع أخرى من الكرة الارضية.
(خليجي) باتت لفظة من قاموس كل دول الخليج والعبارة التي تشعر كل مواطن بوحدة الخليج وبانه روح واحدة في جسد واحد.. وهذا تحقق بفضل بطولة كاس الخليج وما زرعته في الانسان الخليجي من احساس بالتضامن مع اخيه الانسان الخليجي. فقد نجحت هذه البطولة الاقليمية الصغيرة التي تقام مرة واحدة كل عام في تحقيق ما فشلت فيه السياسة على ما مدى السنين والاعوام ... كما استطاع عدد قليل من مباريات كرة القدم ان يحقق ما عجزت عنه الاجتماعات والقمم السياسية...
ومظاهر توحد دول الخليج في بطولتهم تتجلى في اكثر من صورة جميلة.. وفي اكثر من مشهد رائع فيكفي ان نشير مثلا الى لقاء الشباب العراقيين ممثلين لمنتخب اسود الرافدين مع اشقائهم شباب الكويت في مقابلة كروية ظاهرها التنافس والفوز وباطنها مزيدا من التحابب والتعارف والتقارب ونبذ الفتن .. وتصفية القلوب. فمن كان من العرب يحلم برؤية شباب العراق وشباب الكويت يتصافحون ويتعانقون ويلتقون ويلعبون معا على مستطيل اخضر واحد بعيدا عن كل مظاهر التفرقة والعدواة...
وبطولة كاس الخليج نجحت في تجميع كثير من المنتخبات التي تتسم علاقات بلدانها بالفتور وربما يكون التدقيق في الموضوع وسرد الاسماء سببا في تأجيج الاختلاف ... ويلهب النار من تحت الرماد...
ولا شك ان الغاية من بعث هذه البطولة كانت بهدف تمتين اواصر المحبة والتقارب وتقوية التماسك بين شعوب المنطقة.. فالبطولة بعثت للوجود لكي تكون نعمة علينا... ومن كان وراء ظهورها كان مؤمنا تمام الايمان بانها ستكون نعمة بحق بما ستكرسه من مبادئ تقارب وتعارف وتحابب.. وهو ما نجحت فيه وحققت منه الكثير منذ دورتها الاولى عام 1970 حتى اليوم..
ولكي ندرك قيمة المزايا الرياضية والسياسية والانسانية لبطولة كأس الخليج يكفي ان نعي ونتذكر ان (خليجي) هي ليست الا دورة اقليمية تجمع بين دول لها نفس التاريخ وذات الحضارة واللغة والديانة .. ومجرد حفل عربي خليجي يتنافس خلاله ابناء الارض الواحدة والاسرة الواحدة بطابع ودي اكثر منه رسمي طالما وان البطولة غير معترف بها من الاتحاد الدولي لكرة القدم..
وذلك باعتبار ان (خليجي) بطولة اقليمية عرقية والفيفا لا يعترف بمثل هذه البطولات التي تقوم على اساس ورابطة الدين او الجنس او اللون.. وهذا ما يعني ان الامر يتعلق ببطولة ودية ذات ابعاد سياسية وانسانية اكثر منه صراع على لقب الدورة.
ولايفوتنا ايضا ان بطولة كاس الخليج تمثل مناسبة تستفيق خلالها الضمائر النائمة .. والميتة.. وتتوحد فيها القلوب ليتحقق التقارب ليس بين المشاركين فيه فحسب مع اخواننا في غزة (المذبوحة).. فقد شهدت مدرجات الدورة الحالية المقامة في العاصمة العمانية مسقط لافتات عديدة رفعتها جماهير مختلف المنتخبات الخليجية تحمل عبارات تضامن وتآزر مع ضحايا (المحرقة). في فلسطين وتندد بالوحشية الاسرائلية...
وليس الجماهير فقط من عبرت عن تضامنها مع غزة بل اللاعبون ايضا شاركوا في هذه الحملة فقد فاجأ منتخب عمان على سبيل المثال في مباراته امام السعودية الحاضرين بدخول الملعب بأقمصة كتب عليها عبارة متضامنون مع غزة.. وهو ما وجد صدى جيدا لدى الحاضرين في الملعب ولدى ملايين العرب والمسلمين وغيرهم من المشاهدين عبر قنوات التلفزيون..
وهنا تبرز بحق بطولة كاس الخليج في كونها تنجح في ما تفشل فيه السياسة وذلك من خلال توفقها في نشر رسائل سياسية ومضامين انسانية ليس الى اهل الخليج فقط بل الى كل شعوب العالم من الشرق الى الغرب..
لكن اصبحت عبارة (خليجي) جزءا لا يتجزأ من القاموس الرياضي ومصدر فخر واعتزاز لكل ابناء الخليج بفضل ما حققته هذه البطولة من مكاسب رياضية وسياسية وانسانية فان واقع الدورة الحالية يدعو حقيقة كل الجهات المسؤولة اكثر من اي وقت مضى الى الامساك بفكرة خليجي ودعمها ومقاومة كل الصعوبات والمشاكل التي تظهر من دورة الى اخرى ...
ومن هذه المشاكل التي كادت ان تعصف بالعرس الخليجي قضية حقوق النقل التلفزي لمباريات عمان 2009. فقد سبق الفزع والهلع الدورة باشهر واسابيع عندما انطلقت حمى المفاوضات مع قناة الجزيرة الرياضية مالكة حقوق الدورة التي أغضبت قنوات بقية دول الخليج بشروطها المادية المجحفة ...قبل ان تفاجيء الجميع في وقت لاحق من البطولة بالسماح لعدد من القنوات بنقل المباريات واستثنت قناتي دبي وابوظبي الرياضية..
فقضية حقوق خليجي 19 كادت حقا ان تعصف بالبطولة وتعارضت مع المباديء والغايات التي بعثت من اجلها البطولة... فالموضوع خلق كثيرا من الحساسيات وربما يؤثر عى بقية الدورات ان لم يتم تطويق المشكل عاجلا، وبدأت المبادرات لاحتواء هذه المشاكل..
وحتى تحافظ البطولة على اهدافها السامية لا بد ان تتجنب الوقوع في الاخطاء الساذجة ويحدث مثلا ما حصل بين منتخب عمان وشقيقه البحريني حيث طرد صاحب الارض الضيف من الميدان ومنعه من التدريب بدافع التاثير عليه وكسب ورقة التاهل للدور الثاني .. ولكن الجميل ان عمان تداركت الموقف واعتذرت عما حدث... وتصالحت القلوب.. كما على المشاركين ايضا ان يتجنبوا الحروب الكلامية والتصريحات النارية التي تمس من المنافس لتحافظ الدورة على معانيها السامية... التي تتجاوز الرياضة لتتصل بقيم الانسانية.
بطولة كأس الخليج ... هي نعمة للخليجيين باعتبارها هي تظاهرة تجمع بين افراد الاسرة الواحدة التي فصلتها خطوط الحدود التي وضعها الاستعمار في زمن سابق وهي بحق العرس الذي تحتفل به العائلة الخليجية وتنعم خلاله بالفرح والسعادة دون نغص او خلافات وهي المناسبة الرياضية التي توحد بين الخليجيين وتصفي بين القلوب وتنجح في تحقيق ما تفشل فيه السياسة.
صلاح الدين الشيحاوي

