كلاسيكو اسبانيا بين برشلونة وريال مدريد ليس مجرد مباراة ساخنة في كرة القدم أو وسيلة للتسلية وتمضية الوقت بل هو للعارفين بها محاضرة حبلى بالدروس والعبر التي يمكن ان تدرس في أكاديميات الكرة وتلقن للناشئين في مراكز التكوين بالأندية... لذلك فان من تذوقوا سابقا نكهة الكلاسيكو انتظروا خلال الأيام الأخيرة معركة كاتالونيا الكروية بفارغ الصبر.
وفعلا كان ذلك واضحا في الشارع الإماراتي فرغم ان الكلاسيكو قد انطلق على الساعة الواحدة بعد منتصف الليل الا ان الكثيرين من المتيمين بالساحرة المستديرة سهروا وانتظروا حتى لا يفوتوا على أنفسهم متابعة كلاسيكو العمر...كان المقهى الذي جلست به قبل ساعة من انطلاق المباراة خاليا من الناس ولكن مع اقتراب موعد القمة الكروية توافد الشباب والكهول وملأوا المكان لتصبح باهة المقهى أشبه بالمدرجات...كل يشجع فريقه المفضل.
وكل يغني على ليلاه... في ليلة كروية جميلة ليتأكد ولع الشباب العربي بالكلاسيكو الاسباني..ونحن على هذه الحال حتى أطل علينا موفد الجزيرة الرياضية إلى اسبانيا عبر الشاشة يحاور بعض الشباب العرب الذين تكبدوا أتعاب الرحلة إلى كاتالونيا وتحملوا معاناة الحصول على تذكرة الدخول..وما أصعبها من مهمة حين يتعلق الأمر بمباريات برشلونة وريال مدريد..كل هذا من أجل حضور الكلاسيكو.. وكل هذا من أجل الاستفادة من دروس وعبر الكلاسيكو.
أول هذه الدروس قدمها ريال مدريد الملك المريض الذي دخل المباراة جريحا ومثقلا بالمحن والهموم وتمزقه المشاكل الداخلية حتى ان كل الملاحظين قبل المباراة تحدثوا عن خسارته المدوية والتي ستكون بنتيجة عريضة فجماهير برشلونة ذهبت إلى ابعد من هذا وانتظرت فوز فريقها بخماسيبة أو سداسية كاملة.
لكن ريال مدريد قدم الدرس في الصمود والدفاع عن الشرف بكل بسالة وقوة...لعب 83 دقيقة برجولة كان يفتقدها في السابق...بدا الفريق كالجسد الواحد..متلاحما منسجما...الكل يدافع عندما تهجم ترسانة برشلونة والكل يهاجم عندما يتقهقر فريق كاتالونيا.. الريال رغم خسارته فقد اقنع وأبدع وقدم لأنديتنا العربية درسا في الصمود عندما يكون الفريق يعيش إحدى المحن.
الدرس الثاني في الكلاسيكو قدمه برشلونة فرغم انه فوجئ على المستطيل الأخضر بصمود الملك الأبيض وعدم سقوطه بالسرعة المتوقعة..ورغم ضغط الجماهير التي كانت متعجلة جدا للاحتفال بالهدف الأول والثاني والثالث والرابع منذ الشوط الأول الا ان البارسا ظل متماسكا وقويا ولم ييأس...بل انه كافح .
قاتل حتى بعدما أهدر ايتو ركلة الجزاء..كلما عكسه الحظ وصمد أمامه خصمه الا وزاد رغبة في قهر العقم الجومي حتى نال ما أراد في الدقيقة 83 عبر الأسد الكاميروني ايتو..فهل تعتبر أنديتنا ولاعبونا من درس برشلونة في الكفاح من اجل الفوز وإحراز الأهداف وعدم اليأس ورمي المنديل.
ثالث الدروس كان بالتأكيد الجمل الكروية واللوحات الاستعراضية التي رسمها ميسي وايتو وهنري وشنايدر وراؤول على المستطيل الأخضر تحت زخات المطر...نسق سريع..أشبه بالعزف الجميل..باللحن الفريد..مباراة يمكن ان تتعلم منها كيف تتمركز فوق الميدان..وكيف تخنق الخصم في مناطقه..وكيف تعود سريعا إلى الدفاع... ولن نتحدث عن فنون الترويض والتمرير ولعب الضربات الحرة والركنيات ورميات التماس الجانبية وغيرها من أسرار أخرى كثيرة.
الدرس الرابع في الكلاسيكو قدمه حارسي المرمى كاسياس وفالديس...فكاسياس كان مثالا في حارس المرمى الذي يقدم المعونة لفريقه وقت الضيق وينقذه من أهداف كثيرة ليقلب الطاولة بالتالي على رأس برشلونة حيث ادخل فيه الشك وبث الثقة في زملائه ورفع من معنوياتهم ليساهم في صمودهم لولا أخطاء الدقائق الأخيرة.
فكم من هجمة وكم من تسديدة مسمومة من ايتو وهنري وميسي تصدى لها كاسياس..بل انه نجح في التصدي ببراعة لركلة جزاء...فلديس حارس برشلونة هو الاخر قدم درسا عنوانه انقاذ البارسا من المفاجأة ذلك انه عندما فشل زملاؤه في التسجيل وكانوا يمرون بفترة فراغ أثناء المباراة وتوفرت فرصة ذهبية للريال عالي اثر انفراد ديدنتي به تصدى للمحاولة وحرم الملك الأبيض من هدف..فهل وصل الدرس إلى أنديتنا العربية؟
خامس دروس الكلاسيكو أفحم به الأسد الكاميروني ايتو العالم وذلك في مغالبة النفس وقوة العزيمة والإصرار والوصول إلى غاياته وأهدافه..والعمل بمقولة: «لو تعلقت همة المرء بما وراء البحر لناله»..لقد كافح طيلة المباراة من اجل التسجيل وتحدى المحاصرة المفروضة عليه ولم يتأثر بإهداره لركلة جزاء واختطف في النهاية هدف الفرح ورسم البسمة على شفاه كاتالونيا..ايتو يمكن ان يكون درسا يلقن للناشئين في الإصرار وحب الانتصار.
الدرس السادس كان عنوانه ميسي حيث تحدى خشونة مدافعي ريال مدريد في التدخلات معه وتحمل الكدمات القوية التي تلقاها من جلاده سيرجيو راموس ومن القصاب كانافارو واستطاع ان يؤكد للعالم ان الطموح والموهبة يمكن ان تتفوق على الخبرة الدفاعية وتبدد كل الصعوبات..وان أحلام الشباب عندما تتوفر الرغبة لا يصمد امامها شيئا. وكم من لاعب شاب في ملاعبنا العربية يرتبك وييأس ويبحث عن الأعذار عندما يصطدم بمنافسين من ذوي الخبرة والتجربة؟
اما سابع دروس الكلاسيكو فلن يكون غير تكتيك المدربين غارديولا وراموس..وكيف تعامل مدرب الريال مع الظروف الصعبة لفريقه واعتمد على التغطية الدفاعية ونجح في النجاة من خسارة كبيرة امام الغريم بل كاد يحدث المفاجأة ويخرج بالتعادل. وفي المقابل فان غارديولا تعامل مع عقم هجومه بحكمة ولم يتسرع قبل لن يقحم سيرجيو بدلا لغودينسون لتغذية الخط الامامي ثم دفع بهيلب لتأمين الفوز.
وليس هذا فقط ما يمكن ان نستخلصه من الكلاسيكو بل ثمة دروس أخرى كثيرة يمكن ان يكون ثامنها الأداء السليم للحكم من قرارات وتمركز وتعامل مع أحداث القمة...و ما لفت الانتباه أيضاً في الكلاسيكو الذي جرت وقائعه طيلة التسعين دقيقة تحت تساقط المطر أننا لم نر اثرا لذلك على الميدان..فالمطر يهطل والأرضية تبدو كالبساط الأخضر الجميل..لا وحل ولا بلل..ولا مياه راكدة..
كلها روائع جميلة من كلاسيكو جميل ومثير انقضت دقائقه بسرعة فائقة...بحيث لا يشعر المشاهد بالزمن أمام العزف الكاتالوني والمدريدي الذي يقترن بتعليق ممتع ومطرب حتى أنك تتمنى ان تستمر المباراة لساعات...لأيام... لسنوات... فما أروعها من لحظات... هذه دروس وعبر من كلاسيكو العمر فمن شاء يعتبر ومن تجاهل فقد خسر..
