عندما نقرأ في سطور الإنجاز الآسيوي الذي حققه شبان الوطن العائدين من المملكة العربية السعودية بكأس آسيا، سنجد العديد من النقاط التي تستحق التوقف عندها، فاللقب القاري لمنتخباتنا كان حلماً مشروعاً على الرغم من صعوبته، لأنه كان أيضاً حلم جميع المنتخبات القارية.
بدأ الحلم القاري يقترب أكثر في مخيلة أبناء الإمارات بعد أن أدخل نادي العين الكرة الإماراتية في سجل الشرف الآسيوي عام 2003 وتحقيقه لقب أبطال آسيا للأندية الأبطال بعد كفاح مرير وصمود رائع من أجل الوصول إلى الهدف المنشود، وأقصى حينذاك من خلال المنافسات الحامية أشهر أندية القارة مسجلاً أول لقب قاري للإمارات بعد صبر جميل. هذا اللقب الذي حققه العين باسم الإمارات جميعا قرب الحلم الآسيوي لمنتخباتنا وشجع المسؤولين والرياضيين كافة على تقديم دعم إضافي للكرة الإماراتية على الصعيدين المالي والمعنوي. ارتأيت تأجيل هذا الموضوع قليلا، لكي أتخلص من شحنات الفرح والعاطفة معاً، فالفرح غالباً ما ينسينا نقاطاً مهمة يجب التطرق إليها بدقة وموضوعية، ثم طرحت سؤالاً على نفسي قبل أن اطرحه على الآخرين ماذا لو لم يحقق شبان الأبيض هذا الإنجاز واكتفوا بتأهلهم إلى نهائيات كأس العالم للشباب؟
أرى أن الإنجاز الحقيقي يكمن في وجود مواهب جيدة ومدرب مواطن استطاع توظيف هذه المواهب بطريقة أعجبت النقاد الرياضيين والمتابعين وأسعدت جماهيرنا.
فالتوظيف السليم لعناصر اللعبة في كرة القدم عامل مهم يخدم في تحقيق النتائج المرجوة، وقد فشل مدربون كبار في العالم في هذا الجانب، إذ لم يعطوا مسألة «التوظيف» الأهمية التي تستحق على الرغم من وجود مواهب كثيرة ونجوم مشاهير، والنقطة الأخرى أن العلامة الكاملة التي حققها الأبيض الشاب جاءت مقرونة بأداء ممتع ومتناغم ومتصاعد، وهذا يعني أن النتائج الإيجابية جاءت تكريما عادلاً لمستوى الأداء وللجهد المتواصل الذي بذله الفريق بعناصره كافة.
شعار الانتخابات في الميدان
عندما بدأ محمد خلفان الرميثي حملته الانتخابية من أجل رئاسة اتحاد الكرة وتحقق له، كان قد رفع شعار «استمراراً للنجاح» وهذا الشعار له معان كبيرة ذات قيمة عالية أهمها نهاية مرحلة الهدم التي كان يتميز بها وسطنا الكروي والاعتراف بدور من سبقوه، والتأكيد على مواصلة النجاح بإضافة إنجازات جديدة، أي أن النجاح سيبقى الهدف الأول في البناء وفي تحقيق الإنجاز.
لذا عندما حقق الأبيض الشاب حلم الوطن بلقب قاري، سجل مجلس الرميثي أول علامات النجاح، وهو نجاح مطلوب في هذا الوقت خاصة ونحن ندخل عالم الاحتراف من بوابته الواسعة. لقد عرف عن محمد خلفان الرميثي جده واجتهاده في عمله واحترامه لعمل غيره، وهو يدرك جيداً أن عالم كرة القدم يحتاج إلى المزيد من العمل والصبر، كما يدرك أيضاً أن عدم تحقيق الهدف في بطولة ما ليس نهاية المطاف بل هو بداية جديدة لمرحلة أخرى ولمسابقات أخرى.
إن تتويج شبَان الإمارات باللقب الآسيوي للمرة الأولى في تاريخهم إنجاز كبير يجب أن يحظى باحترام وتقدير المجتمع على مختلف اهتماماتهم.
«استمراراً للنجاح» شعار من الأفضل أن يعمم على أنديتنا لكي تعمل وفق مضمونه لأنه يساهم في هدم الخلايا الميتة واستبدالها بخلايا حية، ويقوي الخلايا الحية في البناء ويعترف للآخرين بأدوارهم الإيجابية وباجتهادهم إن أصابت وإن أخطأت.
ولكي يستمر النجاح علينا أن نقف بقوة لدعم اتحاد الكرة نحن الجماهير والرياضيين والنقاد والمجتمع عامة، وأن نساند جهوده في البناء الجديد، كما علينا أن نتخلص من عاطفتنا الزائدة في حال الخسارة أو عند عدم تحقيق الهدف في بطولة ما، لأن الإخفاق في مهمة ما يفرض علينا مزيداً من الدعم للمسؤولين عن كرتنا، ويفرض علينا تهيئة الأجواء المناسبة والمناخ الطيب لمواصلة العمل والجد والاجتهاد، كما يجب أن نوقف الأصوات التي تسعى إلى الهدم الأعمى والإزاحة من أجل تحقيق مصالح شخصية ضيقة.
.. أتحدث عن الإخفاق ونحن نعيش فرحة الإنجاز لأن هذا الوقت المناسب لمراجعة نقاط ضعفنا خارج ميدان الكرة التي تؤثر كثيرا على المسيرة وتؤثر على الأداء في الميدان.
بتحقيق شبابنا البطولة الآسيوية يكون شعار الرميثي «استمراراً للنجاح» قد دخل حيز التنفيذ.
دروس وعبر
يعد نجاح المدرب المواطن مهدي علي في قيادة الأبيض الشاب إلى منصة التتويج الآسيوية من الأمور المهمة التي يجب ألا تمر من دون دراسة أو توقف، فالمدرب المواطن الذي حقق هذا الإنجاز يؤكد قدرة ابن الإمارات على تحقيق الإنجازات عندما يمنح الثقة الكاملة ويحظى بالدعم المطلوب، ونجاح مهدي علي في مهمته يفتح باباً واسعاً للكوادر المحلية المجتهدة.
لذا من الضروري أن يحظى المدربون المواطنون برعاية كافية وتهيئتهم من خلال دورات تدريبية وزجهم في أندية عالمية ومعايشة منتخبات لها باع طويل في الكرة من أجل اكتساب المزيد من الخبرات، وبالتالي الاستفادة من قدراتهم، وحقيقة أن تحقيق هذا الإنجاز الشبابي تحت قيادة مدرب مواطن له طعم خاص كما قال سمو الشيخ هزاع بن زايد رئيس مجلس أبوظبي الرياضي.
ولكي لا ننسى كيف تحقق هذا الإنجاز في خضم انشغالنا بمنافساتنا المحلية وبمشاركة منتخبنا الوطني الأول بتصفيات كأس العالم، نقترح تشكيل خلية كشافين أو مجلس للكشافين بعد زجهم في دورات تدريبية يتابعون المواهب الصغيرة في كل أنحاء البلاد وفي المدارس من أجل تهيئة الأجيال وإعداد البدائل وتقديم المشورة لاتحاد الكرة وللأندية معاً من اجل الحفاظ على الثروات الوطنية في لعبة كرة القدم.
ومن ثم الأخذ بالمقترحات الجيدة لهؤلاء الكشافين ورعاية المواهب المتميزة بصورة متميزة أيضاً، ونقترح أن يتعرف كشافونا على التجارب العالمية في عمليات الاكتشاف وخاصة التجربة الهولندية التي أثبتت نجاحا منقطع النظير واكتشفت مواهب واعدة وصدرت العديد من النجوم إلى معظم الدوريات المشهورة.
قراءة في الأداء والنتائج
عندما فاز الأبيض الشاب في مباراته الأولى على شقيقه العراقي (2/1) وسجل هدفينا محمد الكمالي في الدقيقة 65 ومحمد فوزي في الدقيقة 75 في حين تلقت شباكنا الهدف العراقي في الدقيقة 84.
هذا الأمر يدل على أن أثر المدرب كان واضحاً من خلال التوجيه السليم في استراحة مابين الشوطين ويدل على أن اللاعبين لديهم القدرة الكافية على استيعاب التوجيهات وتنفيذها، حيث تمكنوا من تسجيل هدفين كما أنهم استطاعوا الحفاظ على الفوز. وفي المباراة الثانية فاز الأبيض الشاب على نظيره الكوري الجنوبي 2-1 لكن الكوريين بدأوا التسجيل في الدقيقة 28 .
وهذا الهدف لم يصب لاعبينا باليأس بل حفزهم على مزيد من العطاء، ومن ثم تمكنوا من تسجيل هدفين في الدقيقتين 89و91، وفي هذا دلالة واضحة على أن اللياقة البدنية عالية، وأن التركيز في أعلى مستوياته حتى صافرة النهاية، وعندما واجهنا المنتخب السوري واصل الأبيض الشاب تفوقه وسجل هدفين دون رد في الشوط الثاني (53و90) وباختصار أن أهدافنا في هذا الدور جاءت كلها في الشوط الثاني، وهذا جانب حسن يدل على تصاعد الأداء وليس تراجعه كما يحدث لدينا غالبا.
ربع ونصف النهائي
في ربع النهائي حسم الأبيض المهمة في الدقيقة 63 وهزم صاحب الأرض والجمهور المنتخب السعودي، ليلتقي بعدها الكنغر الاسترالي في نصف النهائي ويهزمه بثلاثة أهداف دون مقابل، لكن هذه المرة تمكن أحمد خليل من مباغتة الاستراليين في الدقيقة الخامسة من الشوط الأول ومن ثم راشد عيسى في الدقيقة 12 واختتمها عبدالعزيز حسين في الدقيقة 86.
النهائي
لم يمنح الطائر الأسمر أحمد خليل أي أمل للفريق الاوزبكي القوي في التقاط أنفاسه، فراح يضرب يميناً وشمالاً بدعم كامل من زملائه في الفريق، وقدم أداء ممتعا ورشيقاً عززه بالفوز بالبطولة، حيث تغلب على منافسه (2-1) في واحدة من أروع مباريات البطولة.
إن أهم ما تميز به الأبيض الشاب هو الانسجام التام والثقة بالنفس والتعاون المثمر والواضح بين أعضاء الفريق، وكذلك تميز بقدرة المدرب المواطن مهدي علي على قراءة منافسيه جيداً، وهيأ لكل منهم طريقة مناسبة.
الطائر الأسمر
أحمد خليل سجل إنجازاً رائعا بحصوله على لقب الهداف وأفضل لاعب في البطولة فله منا كل التهنئة، ونتمنى أن يحافظ على ما حققه بمزيد من التدريب وتطوير موهبته بما يخدم كرتنا ويعزز قوتها.
نقطة ضوء
كل منتخب يسجل هدفا في مرمى الأبيض الشاب يضع نفسه في ورطة من الثورة البيضاء المضادة، فيجد المنافسون أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه، ولم يهنأ أي فريق بأي هدف سجله في مرمى الأبيض، وهذا دليل على عزم لاعبينا على تحقيق اللقب ورفع راية الوطن عالياً في هذا المحفل الكبير وإسعاد الجماهير.
رسالة إلى الجماهير
هؤلاء اللاعبون الذين حققوا هذا الانجاز يستحقون منا أن نقف إلى جانبهم وهم يلعبون في أنديتهم، وأن نكثف حضورنا في الملاعب لتشجيعهم مكافأة لهم على ما قدموه وما أنجزوه.. وهذا دور حيوي لابد أن يقوم به جمهورنا الوفي.
جاسب عبدالمجيد

