أخيرا.. وصلنا إلى خاتمة قصة الهروب باستقالة ميتسو من تدريب منتخبنا الوطني لكرة القدم، فهو حقا كالقنبلة الموقوتة تسمع طنينها ولكن لا تعرف متى ستنفجر؟..

اختار التوقيت الطارئ بالفعل التوقيت الذي جعل أعضاء اتحاد الكرة يبحثون عن من يشغل وظيفته التي أصبحت شاغرة.. فها هو الهروب الذي توقعه الجميع ولكن حاولنا جاهدين أن نكذب قناعاتنا ونصدق واقعه الوهمي.. فحكمته التي دائما ما نرددها بلهجتنا المحلية «الشردة نصف المرجلة».. طبقها بكل حذافيرها قبل ليلتين بحجة أنه لم يعد يملك جديدا يقدمه.. فمهما حللنا وفسرنا ما فعله «برونو» فإنه لا يمكن أن نطلق على فعلته سوى الهروب..

الهروب من إفلاسه الفني وإفلاسه في فرض شخصيته على اللاعبين وإفلاسه في مواجهة المسؤولين والإعلام والشارع الرياضي والتي تجلت بوضوح في المؤتمر الصحفي الذي أعقب مباراة منتخبنا ونظيره السعودي في التصفيات المؤهلة للمونديال حينما برر الهزيمة بوصف لاعبينا بالغائبين ذهنيا والمفتقدين للموهبة الفطرية الكروية مقارنة بالمواهب المتوفرة في صفوف المنتخب السعودي على حد تعبيره..

وكانت أكثر علامات إفلاسه بروزا هي طريقته في إعداد المنتخب بمعسكره التحضيري فبدل أن يكون لاعبو الأبيض في مباراتيهم الأوليين في افتتاحية التصفيات الحاسمة لكأس العالم 2010 جاهزين ومستعدين لهذا الحدث الحيوي ظهروا مرهقين وعاجزين عن تكملة المباراتين بنفس القوة واللياقة فكانت الخسارة.. وكأنه رافقهم لأوروبا للنزهة والسياحة وليس لاستعادة قدراتهم للركض على العشب بحيوية بعد الإجازة والراحة السلبية بسبب ختام الموسم..

ولم نكن نعلم الغيب في يوم من الأيام وتحديدا في سبتمبر من عام 2006 حينما توقعنا أن هذا الرجل سيعيد سيناريو قصصه من جديد دون أن نحدد الزمان فهو من سيختاره كما اعتدنا.. وباختصار هو مدرب يختلف عن الآخرين، كما يختلف عنه الآخرون.. قوته في بساطته وعبقريته في قدرته على جمع المختلفين معه على مائدة واحدة..

ميتسو شخص في قصة، تشبه في بعض الأحيان الأفلام الهندية، وتتطابق في أحيان أخرى إلى حد ما مع المسلسلات المكسيكية المدبلجة.. فهو محترف لا يحترم عقود الاحتراف عندما يوقع عقداً جديداً، وهو مثل زوج يحب استبدال زوجته مثلما يستبدل ثيابه الشتوية بالصيفية، حتى وان دفع المبلغ المؤجل.. هروب ميتسو عنوان بارز متكرر بل أهم العناوين التي رافقت مسيرته الاحترافية وتاريخه شاهد على هذه القصة.

إن قراءة متأنية في حياته الاحترافية تكشف لنا عن العنوان البارز الذي يكمن في الهروب (هروب ميتسو) فهو هارب يبحث عن شيء يدور في مخيلته.. وإذا أراد أحد أن يستغل هذه الثغرة الموجودة في حياته فإنه قد يساعده على الهروب من تدريب منتخبنا في منتصف الطريق في صورة مفاجأة.. ومن ثم يزعزع الوضع النفسي للمنتخب ويسلب منه أهم عناصر القوة وهذا ما فعله بالضبط الليلة قبل الماضية.

عموما وبعد هذه النهاية فإننا لن ننكر أن هذا الرجل أدخلنا التاريخ بتحقيقه لقب بطولة خليجي 18 للمرة الأولى في تاريخ كرتنا بعد ست عشرة محاولة فاشلة لنيل كأس هذه الدورة الغالية.. ولكن بقراءة متأنية وعملية لدور هذا «الميتسو» فإننا نستطيع أن نحصر حصاده في اثنتين وأربعين مباراة دولية قادها مع الأبيض منها 23 مباراة رسمية إذا ما أضفنا عليها مباريات كأس الخليج الماضية.. فاز خلالها بـ 11 مواجهة وخسر في 8 وتعادل في مباراتين.

وعلى صعيد المباريات الدولية الودية فقد تعرض منتخبنا بقيادته لعدة هزائم منها أمام البحرين في مواجهتين.. ومرة أمام كل من العراق وتونس والسعودية وإيران وغانا والجزائر.. وإذا كان رجل الشارع الرياضي العادي الإماراتي سيتذكر طويلا ملحمة المباريات الأربع التي تلت مواجهة الافتتاح الخاسرة بخليجي 18 (اليمن والكويت والسعودية وعمان) فإنه لن ينسى الخسارة المرة والمذلة من المنتخب الفيتنامي الهزيل والذي تحول إلى بعبع مخيف خلال لقائه مع منتخبنا في افتتاح مباريات مجموعتنا بكأس آسيا 2007.

وكانت الخسارتان من سوريا وإيران في مدينة العين في تصفيات المرحلة الثالثة المؤهلة للمونديال قد زادت من تشتيت ذهن المدرب ذي الشعر الطويل والذي بدأ واضحا أنه ضاع تماما في المباراتين الأخيرتين أمام كوريا الشمالية والسعودية في العاصمة أبوظبي في الشهر الجاري ضمن المرحلة الرابعة لمباريات نفس التصفيات..

وباختصار فإنه من بعد الفوز بكأس الخليج لم يضف هذا المدرب جديدا على رونق المنتخب الذي زاد من تواضعه بكل مباراة أو مشاركة رسمية يخوضها قائدا فنيا لمنتخبنا وأكثر ما يمكن الاستدلال عليه هو أن الأبيض خسر 4 مباريات رسمية متتالية أقيمت في أرضنا ووسط جمهورنا (إيران وسوريا وكوريا الشمالية والسعودية)..

علما بأن مشاركته الماضية بكأس آسيا 2007 لا يمكن تسميتها إلا بالفاشلة والمخيبة للآمال رغم محاولته ومعه أعضاء الاتحاد السابق تطويقها تحت إطار أنها كانت مجرد تحضير لتصفيات كأس العالم.. وأطلق حينها المدرب عبارته الشهيرة «القافلة تمضي والكلاب تنبح»..

واعتقد أنه حان وقت تفسير هذا المثل بعد أن أدركنا أن القافلة حقا ستمضي ولكن بدونه هذه المرة وإذا لم يكن هو من ضمن هذه القافلة فإنه بالتأكيد سيكون الطرف الآخر من «المثل» الذي أطلقه بنفسه.. ولا يمكن أن نقول بعد هذه التداعيات إلا أن «فراقك أصبح عيدا يا عبد الكريم».. بعد أن أثبتت لنا الأيام أن كل إدعاءاته بضرورة التضحية من أجل تصفيات كأس العالم كانت وهما وخديعة شربنا جميعا من كأسها وكان طعمها حنظلا بالطبع.

عمران محمد