على الرغم من المشاركة العربية الضعيفة في دورة الألعاب الأولمبية المقامة حاليا في العاصمة الصينية بكين كان الشيء الملفت للنظر بالفعل والجاذب للأضواء على مدار المسابقة هو المشاركة النسائية سواء كانت على المستوى العربي أو الإسلامي.
ونجحت العديد من بطلات العرب في خطف الأضواء بشدة إليها على مدار منافسات الدورة بل إنهن أصبحن مادة ثرية للعديد من وسائل الإعلام الصينية والأجنبية على حد سواء لتكن كل منهن سفيرة فوق العادة لبلادها في هذا المحفل العالمي الهائل. وأثبتت الرياضة العربية النسائية أنها تشق طريقها بثبات على الساحة العالمية خاصة مع النتائج الرائعة التي حققتها بعض اللاعبات بل والتواجد المشرف أيضا للعديد من المسؤولات في مجال الرياضة العربية.
وكانت نوال المتوكل وزيرة الرياضة والشباب في المغرب أول هذه النماذج المشرفة حيث كانت مثالا يحتذى لكل مسؤول فهي لا تتوانى عن التواجد مع أفراد البعثة في كل مكان لتوجيه التعليمات إليهم بحكم خبرتها السابقة كلاعبة وبطلة أولمبية سابقة. وأكدت المتوكل من خلال ذلك على أنها ما زالت حريصة على تحقيق الانتصارات لبلدها حتى بعد أن تركت المضمار وتولت المسؤولية عن الرياضة في بلادها.
وفي عام 1984 أحرزت المتوكل الميدالية الذهبية لسباق 400 متر حواجز في دورة الألعاب الأولمبية بلوس أنجلوس لتصبح أول بطلة أولمبية من العالم الإسلامي على مستوى الجنس اللطيف كما أصبحت أول لاعبة مغربية على مستوى الرجال والفتيات تحرز ميدالية ذهبية. ولذلك لم يتوان ملك المغرب عن الإعلان عن ضرورة إطلاق اسم نوال على جميع البنات اللاتي ولدن في نفس يوم هذا الانجاز تكريما للبطلة المغربية الرائعة.
وصرحت المتوكل في العام الماضي إلى صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية قائلة «الرياضة منحتني الكثير ومهما أعطيتها في المقابل لن يكون ذلك كافيا». ولكن فوز المتوكل بتلك الميدالية لم يكن سوى البداية على طريق المسيرة الرياضية والعمل الاولمبي حيث حظيت المتوكل بعضوية اللجنة الأولمبية الدولية بداية من عام 1998 وقدمت نشاطا رائعا في عملها باللجنة خاصة في ما يتعلق بقضايا مكافحة المنشطات ونمو المشاركة النسائية في الدورات الأولمبية.
وترأست المتوكل لجنة التقييم المكلفة من قبل اللجنة الأولمبية الدولية بالتفتيش على استعدادات المدن التي كانت مرشحة لاستضافة فعاليات أولمبياد عام 2012 والذي نالت حق تنظيمه العاصمة البريطانية لندن. وجاءت الانتخابات التي جرت حديثا في اللجنة الأولمبية الدولية على هامش أولمبياد بكين لتمنح المتوكل عضوية اللجنة التنفيذية لتصبح أول سيدة من دولة إسلامية تحظى بهذا المنصب.
ولكن المتوكل لم تكن الوجه النسائي الوحيد من الدول العربية والإسلامية الذي لفت إليه الأنظار بشدة وجذب إليه وسائل الإعلام في أولمبياد بكين حيث نجحت العداءة البحرينية رقية الغسرة في لفت الأنظار إليها بقوة في الدورة الحالية من خلال أدائها بالإضافة لزيها الإسلامي.
ولذلك لم يكن غريبا أن تذكر صحيفة «تشاينا ديلي» في عددها الصادر أمس الأول الجمعة أنه كان من المؤسف والصعب أن تخرج رقية من الدور قبل النهائي لسباق العدو 1500 متر رغم تألقها في التصفيات الأولى وما يزيد الأمر صعوبة أنها خرجت بفارق 1,0 ثانية خلف العداءة التي احتلت المركز الرابع في مجموعتها وتأهلت للنهائي.
وأشارت الصحيفة إلى أن الغسرة حققت إنجاز الوصول للدور قبل النهائي وهي ترتدي الزي الإسلامي الطويل بالإضافة إلى غطاء الرأس (الحجاب). وأعربت الغسرة (25 عاما) عن سعادتها بمشاركة أكثر من لاعبة مسلمة محجبة في أولمبياد بكين مؤكدة على أنها كانت أول محجبة في ألعاب القوى ولكن الاولمبياد الحالي شهد العديد من المحجبات وهو شيء مشجع وممتاز.
وقالت رقية في مقابلة خاصة مع وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) إنها وجدت بالطبع بعض التمييز والدهشة «وأحيانا الاحتقار إذا صح التعبير حيث يعتقد البعض أن الحجاب عائق. لكنني أقول لهم إنه على العكس تماما. فأنا أفتخر وأعتز بالزي الإسلامي فهو ما نشأت عليه وهو ما أعرفه. إنه يمدني بالقوة. وهناك العديد من العدائين والعداءات الذين يحملون رموزا دينية كالصليب. فلما لا أرتدي الحجاب».
وأضافت أنها أظهرت للجميع قدرتها على المنافسة بقوة والوصول للأدوار المتقدمة وتحقيق الانجازات مع ارتدائي الحجاب. وإلى جانب المتوكل والغسرة نجحت سمو الشيخة ميثاء بنت محمد بن راشد آل مكتوم في لفت الأنظار إليها أيضا على الرغم من عدم تأهلها في مسابقة التايكوندو نظرا للقرعة التي أوقعتها في مواجهة صعبة للغاية في بداية مشاركتها بالمسابقة مع بطلة العالم الكورية هوانغ التي أحرزت الذهبية.
لكن سمو الشيخة ميثاء كان لها السبق في لفت الأنظار للمرأة العربية الخليجية حيث كانت أول خليجية تحمل علم بلادها في الدورات الأولمبية ولفتت الأنظار إليها خلال حفل افتتاح الدورة الحالية. كما نالت العداءة العراقية دانة حسين عبد الرازق قدرا كبيرا من الاهتمام على الرغم من خروجها المبكر من تصفيات سباق العدو 100 متر حيث تغلبت دانة على جميع الظروف التي يمر بها العراق وشاركت في الاولمبياد.
وأعربت دانة عن عدم رضاها عن مستواها ونتيجتها في تصفيات سباق 100 متر والذي احتلت فيه المركز السادس في مجموعتها بالتصفيات. وقالت في تصريح خاص إلى (د ب أ) إنها أتت لبكين متحمسة ومتشوقة جدا للسباق وكان هدفها تحقيق رقم قياسي عراقي جديد ولكنها فشلت حتى في تحسين رقمها الشخصي بسبب انطلاقتين خاطئتين من العداءة البرازيلية.
وأضافت أن ظروف الرياضيين العراقيين صعبة ولكنهم يشاركون حاليا في أولمبياد بكين على الرغم من الحروب والانفجارات التي تعيشها العراق. ولا يختلف الحال كثيرا بالنسبة للعداءة فتحية علي بورالي من جيبوتي والتي لفتت الأنظار بحجابها وزيها الإسلامي على الرغم من نتيجتها السيئة وخروجها من التصفيات.
وقالت بورالي التي شاركت أيضا في تصفيات سباق العدو 100 متر إنها تأسف لعدم تأهلها إلى الدور المقبل في التصفيات وتتمنى المشاركة في أولمبياد لندن 2012. وأشارت إلى أن ارتداء الحجاب والزي الإسلامي لم يكن عائقا كما لم يلق أي تعليقات سلبية من قبل المنظمين أو وسائل الإعلام أو من المشاركات في السباق.
وأخيرا وليس آخر فإن المشاركة النسائية العربية وتألق بعض ممثلات العرب في أولمبياد بكين وكذلك الحرص على ارتداء الزي الإسلامي نجحت في لفت الأنظار بقوة على الرغم من النتائج الهزيلة للمشاركة العربية.
نتائج
إخفاق الأثقال العربي
قال الدكتور محمود شكري نائب رئيس البعثة المصرية المشاركة في دورة الألعاب الاولمبية والخبير في رفع الأثقال بمصر والعالم العربي إن الدورة شهدت على سبيل المثال فشل جميع الرباعين العرب في الحصول على أي ميدالية في رفع الأثقال وهي ليست الدورة الأولى التي يصادفهم فيها هذا الإخفاق على الرغم من التاريخ الجيد للعرب على مستوى اللعبة ولكن مشاركة عدد من الرباعين والرباعات العرب أكسبهم الخبرة خاصة مع تحقيقهم لمراكز جيدة ووجود فارق صغير بينهم وبين الفائزين بالميداليات مما يبشر بمستقبل جيد للعبة.
ولدى سؤاله عن السبب في التراجع الشديد للرباعين المصريين على المستوى العالمي والاولمبي على الرغم من التاريخ الحافل لرفع الأثقال في مصر اعترف شكري بأن رياضة رفع الأثقال في مصر نجحت في إحراز العديد من الألقاب والميداليات في الماضي ومنها بعض الميداليات في الدورات الاولمبية لكن يجب الاعتراف بأنها كانت مواهب فردية.
وأوضح شكري أن الأثقال المصرية أثبتت وجودها في النصف الأول من القرن العشرين عندما كانت الموهبة هي الأساس ولم تكن التقنيات أو الاستعدادات قد وصلت إلى الحد الموجود حاليا ولكن لا يجب اعتبار عدم حصول مصر على ميداليات أولمبية بعد ذلك تراجعا وإنما يجب الاعتراف بأنه نتيجة طبيعية للتقدم الهائل والمذهل في الرياضة بوجه عام وعلى مستوى العالم بأكمله.

