تحولت الألعاب الأولمبية إلى استثمار يتحرك في مليارات عدة من الدولارات، والأولمبياد الصيفية الحالية في بكين الصينية يتوقع له المختصون أن يبلغ دخله رقماً قياسياً غير مسبوق.

وما كان مسرحاً لمنافسات هواة الرياضيين صار الآن استثماراً متاحاً لكل من له علاقة بالألعاب، ويتوقع النقاد توفر مليارات الدولارات أمام اللجنة الأولمبية الدولية، شركات الإعلام، الرعاة، الصين الدولة المضيفة والرياضيين أنفسهم، وهذا المال يأتي من مصادر عدة تشمل عوائد البث التلفزيوني، الإعلانات، شركات الرعاية الضخمة، مبيعات التذاكر وعقود التراخيص.ونلقي نظرة هنا حول ضخامة الألعاب الأولمبية الحالية بالعاصمة الصينية:

حقوق البث التلفزيوني

بث الألعاب تلفزيونياً لا يأتي رخيصاً، وللدلالة على ذلك دفع تلفزيون «إن بي سي» 893 مليون دولار لبثها حصرياً في الولايات المتحدة الأميركية، وهو أكثر بواقع 4, 613 مليون دولار لشراء حقوق بث الألعاب الشتوية بتورين الإيطالية و5, 793 مليوناً دفعت لبث أولمبياد أثينا الصيفية 2004.

ويذهب نصف عائد البث التلفزيوني لخزينة اللجنة الدولية الأولمبية والنصف الآخر تحصل عليه اللجنة الصينية المنظمة للمساعدة في معادلة تكاليف الاستضافة.

الدعاية والإعلان

رغم ضخامة مبلغ 900 مليون دولار التي دفعت للبث التلفزيوني إلا أن شركة جنرال إليكتريك وشريكتها «إن بي سي» تتوقع الحصول على مبلغ مليار دولار عبارة عن دخل الدعاية والإعلان هذا العام، كذلك تتوقع «إن بي سي» أن يتجاوز أرباحها المبلغ القياسي الذي حققته من أولمبياد أثينا 2004 والبالغ 5, 133 مليون دولار وكانت «إن بي سي» قد أضافت إلى حسابها المصرفي 9, 70 مليون دولار أرباحاً صافية عام 2006.

حقوق الرعاية من الشركات الكبرى

وقع الرعاة الأولمبيون عقداً لمدة أربع سنوات مع اللجنة الدولية الأولمبية وبالتالي رعاه أولمبياد بكين هم كذلك رعاة ألعاب تورين 2006، ومع جاذبية السوق الصينية الضخمة شملت عقود الرعاية مع كبرى الشركات والعلامات التجارية 12 اسماً تجارياً لامعاً منها كوكاكولا، جنرال اليكتريك، جونسون آند جونسون، شركة لينوفو الصينية لصنع الكمبيوتر وماكدونالد.

يقول سيرجيو زيمان رئيس مجلس إدارة مجموعة زيمان للتسويق الرياضي ورئيس التسويق في شركة كوكاكولا سابقاً ان الأولمبياد هي عبارة عن سوق رائج للشركاء الرعاه لارتباطهم بالشعارات الأولمبية المرفوعة وهي الوحدة، الروح الرياضية والسلام.

الرياضيون

لا تدفع اللجنة الدولية الأولمبية أي مبالغ للرياضيين لقاء مشاركتهم لكن اللجنة الأولمبية الأميركية تمنح الفائزين بالميداليات مبالغ مقدرة لقاء الفوز.

على أن المبالغ التي يحصل عليها الرياضيون كانت من الصفقات التسويقية المغرية، ومايكل فيلبس العداء الأميركي مثلاً يحصل على 5 ملايين دولار من شركات أمثال أوميغا، باور بار، فيندا وسبيدو التي دفعت له مبلغ مليون دولار إضافي بعد تحطيم الرقم القياسي في عدد الميداليات الذهبية السبع التي كان السباح مارك سبتيز قد أحرزها خلال أولمبياد ميونخ 1972.

مبيعات التذاكر

عندما طُرحت تذاكر أولمبياد بكين 2008 للبيع في الولايات المتحدة الأميركية نفدت بسرعة البرق حسبما قاله إيريك بيكر رئيس المبيعات في موقع «فيا غوغو» وكان الطلب عليها مهولاً علاوة على سعر التذكرة المنخفض الذي حرصت اللجنة الأولمبية الصينية عليه ولذلك السبب تم بيع نصف العدد ـ 98, 6 ملايين تذكرة ـ بواقع 12 دولاراً أو أقل، بينما بلغ متوسط سعر التذكرة حوالي 20 دولاراً.

على أن هذا السعر المتواضع تسبب في وجود سوق سوداء ضخمة لها حيث بيعت التذكرة خلال الأولمبياد بعشرة أضعاف سعرها الرسمي.

الأسطورة الأميركية فيلبس وليوشانغ

وضع السباح الأميركي مايكل فيلبس نفسه في صدارة أبطال الأولمبياد في العالم بعد أن حقق إنجازاً غير مسبوق في عدد الميداليات الذهبية جعلته الرياضي الأكثر تتويجاً بالمعدن الأصفر بواقع 14 ميدالية وهو رقم إعجازي منحه لقب الرياضي الأكثر تتويجاً بالذهب في تاريخ دورات الألعاب الأولمبية الصيفية.

ومن واقع المبالغ التي خصصتها اللجنة الأميركية الأولمبية فهذا يعني أن نصيبه من الميداليات الذهبية فقط يبلغ 350 ألف دولار أميركي (14 ميدالية * 25 ألف دولار) هذه الأموال قد تكون ضئيلة جداً بالنسبة للبطل الأميركي الذي ذكرنا أن دخله السنوي يبلغ 5 ملايين دولار أميركي، لكن ذلك قبل تحقيقه الإعجاز الأخير (8 ميداليات ذهبية) أما الآن فالحسابات تختلف تماماً لمصلحته شخصياً ولمصلحة عدد من الجهات ذات العلاقة بالسباح.

وعلى رأسها قناة «ان.بي.سي» التلفزيونية التي نفت ما قاله المراقبون إن مشاهدة بطولات السباحة الأولمبية في الولايات المتحدة قد وصلت إلى نهايتها بمجرد أن أنهى فيلبس سباقاته ومشاركاته في بكين. وهنا قال المسؤول عن هذه القناة الشهيرة إنه حصل على ميداليته الخاصة بعد أن بلغ متوسط من شاهد الألعاب عبر قناته حوالي 30 مليون مشاهد، والسبب هو مايكل فيلبس. وأضاف المسؤول بقناة «ان بي سي» أن أرباحهم بلغت 10 ملايين دولار أميركي منذ انطلق الألعاب دفعها معلنون جدد أرادوا وضع أسماء منتجاتهم بسرعة لتظهر إلى جانب مايكل فيلبس.

وكشف المسؤول مدللاً عن أهمية مايكل فيلبس المالية أن القناة سعت بكل قوة إلى إقناع المسؤولين باللجنة الأولمبية الصينية المنظمة لكي يبدأوا مسابقات السباحة في وقت مبكر حتى يمكن للقناة بثها حية على الهواء خلال وقت ذروة المشاهدة. ونجحت القناة في ذلك بنسبة كبيرة، وهو أحد أهم أسباب ارتفاع أرباحها المادية.

ومن الشركات التي بدأت في مقارنة فيلبس مادياً كانت شركة «نايك» عملاق صناعة المعدات والملابس الرياضية التي دخلت منافساً قوياً لشركة «سبيدو» التي يرتدي فيلبس لباسها المتخصص في السباحة، والتي قدمت له مليون دولار لقاء ذهبيته الثامنة. وقالت شركة «نايك» انها تدرس تقديم عروض بعشرات الملايين من الدولارات للأسطورة فيلبس في محاولة لإقناعه بالتحول من شركة «سبيدو» والاستسلام لماركتها المميزة. والسؤال الآن هو: هل يساوي فيلبس عشرات الملايين لشركة «سبيدو»؟.. أم هل يساوي فعلاً هذه الملايين وهو فقط سباح مميز متألق في الألعاب الأولمبية التي تجرى كل أربعة أعوام؟

يرد على هذا السؤال بول سوانغارد مدير مركز التسويق بجامعة أوريغون في شيكاغو قائلاً: «هذه الصفقة ستشهد انحداراً سريعاً، وخلال أسابيع قليلة ستبدأ بطولة كرة القدم الأميركية والكرة الأميركية بالجامعات، وكذلك انطلاق دوري البيسبول وهي ألعاب كبرى لدينا يهتم بها كبار مندوبي الشركات الراعية.

لكن ما فات على سوانغارد أن فيلبس بطل من ذهب قادر على الحصول على صفقات ضخمة من جميع أنحاء العالم وليس الولايات المتحدة فقط.

كذلك يدلي مارك غانيس رئيس مؤسسة «سبورتس كورب» بدلوه معلقاً «الأبطال الأولمبيون تكون دورة تألقهم عادة قصيرة وبالتالي لا يمكنهم توليد المزيد من المال للشركات الراعية.

وهو قول مردود من واقع قصة الأولمبية ماري لو التي أحرزت ميدالية ذهبية في أولمبياد 1984 التي جرت في لوس انجلوس ومع ذلك مازال الناس يتذكرونها رغم مرور 24 عاماً على تلك الميدالية.

أما البطل الصيني ليو شانغ الذي أصاب الأمة الصينية بأكملها بالأسى والحزن بعد انسحابه من سباق 110م تتابع وبطل هذه المسافة خلال أثينا 2004 والمرشح الأول لنيل ذهبيتها، لكن الإصابة التي تعرض لها حرمته هو وأمته من ذهبية إضافية، لكن المدهش أنه بعد هذه الواقعة أعلنت شركة «بينغ آن» المحلية الصينية أنه قد يتقاضى مبلغ 100 مليون يوان صيني «6, 14 مليون دولار أميركي بفضل بوليصة التأمين التي منحته لها الشركة مجاناً ضد الحوادث في شهر أكتوبر 2007 بشكل منفرد عن بقية زملائه بالمنتخب الصيني لألعاب القوى والذي تمت تغطيته بأكمله بمبلغ يعادل ما منح لشانغ منفرداً.

والآن تنتظر الشركة تقريراً مفصلاً حول إصابة شانغ لكي تحدد كيفية دفع المبلغ له. هذا علاوة على عدد كبير من الشركات التي تقف على استعداد للتعاقد مع العداء القومي.

محمد سيف النصر