أشارت الساعة إلى منتصف الليل في حي دونغ شينغ ومع ذلك مازالت مجموعة من المتطوعين الأولمبيين الشباب المتسمين متجمعين داخل أحد المقاهي بالشارع بعد انتهاء نوبتهم، وعلى بعد مبان قليلة سمع صرير سيارات الدفع الرباعي الفاخرة وهي تقل مجموعة من المسؤولين باللجنة الأولمبية العليا إلى أحد فنادق الخمسة نجوم حيث تكلفة الغرفة الواحدة يعادل راتب المواطن في العاصمة بكين لثلاثة أشهر وهو من خريجي الجامعة.
والاقتصاد الأولمبي يحمل إشارة ملهمة ومزعجة في الوقت نفسه حيث تتناقض الابتسامة الدائمة لجيش المتطوعين الشباب مع ما نطلق عليه لقب العائلة الأولمبية التي قصد أعضاؤها تأكيد وجودهم ليس بالحضور في أرجاء المشهد الأولمبي بل بالغياب المتعمد وذلك كان واضحاً من عدد المقاعد الشاغرة في مدرجات ملعب عش الطائر وخلال عدد كبير من الفعاليات.
ومجموعة المتطوعين الضخمة التي تفوق الـ 75 ألف شخص لن تشاهد أبداً أيا من هذه المنافسات على أرضية الملاعب وإن كان جميع من حضر قد أبدى إعجابه الشديد برغبتهم الجارفة في العمل مجاناً ولمجرد أن يكون كل واحد منهم جزءا من الأولمبياد في دفاتر التاريخ الصيني والعالمي وأداء اعمال شاقة جداً مثل الروتين اليومي في وضع حقائب الآخرين داخل السير المتحرك الأمني داخل الفنادق التي تبعد أميالاً عن موقع الحدث.
وجميع الألعاب يعمل فيها هذه الجيوش المجانية من المتطوعين لكن شباب بكين المتطوعين ورغبتهم في المساعدة وفي مجموعات من خمسة متطوعين عادة تجعلهم يقفون معلماً بارزاً من معالم أولمبياد بكين الأسطوري وغالبية هؤلاء المتطوعين هم من طلاب الجامعات وفي الواحدة والعشرين من العمر ومنهم على سبيل المثال المتطوعة آمي ذي التي تمضي فترة عملها البالغة أربع ساعات تحت أحد الجسور القريبة من الحديقة الأولمبية .
وعلى استعداد للإجابة على أي استفسار من المارة المتجولين في الجوار والمطلوب من آمي أن تسجل عدد المرات التي قدمت خلالها المساعدة للزوار وبالكيفية التي قدمتها بها وذلك في مفكرة يقوم أحد المسؤولين بمراجعتها لاحقاً، ويسمح لها بحمل هاتفها الجوال لكن جرى تغيير نغمة استقبال المكالمات باعتبار أن نغمات أغاني الراب وما شابهها قد تزعج الزوار الأجانب خلال استفسارهم عن الطريق إلى الملعب الأولمبي رغم أنه واضح تحت أنوفهم.
وقد يعتقد البعض أن تقديم الخدمات لمجموعة مختارة من البشر شيء سهل وممتع لكن ماذا عن مليوني صيني تقدموا للتطوع خلال أولمبياد بكين خضعوا لسلسلة طويلة من التدريبات الأكاديمية والبدنية المرهقة حتى يتمكنوا من القيام بواجبهم الطوعي تجاه زوار الأولمبياد، ورغم ذلك وقع الاختيار على بضعة آلاف من هؤلاء.
وهنا تقول آمي إنها تعتبر نفسها محظوظة جداً كون الاختيار وقع عليها معلقة: «أنا فخورة باستطاعتي التحدث إلى شخصيات من مختلف أنحاء العالم من زوار البلاد لحضور الأولمبياد». ومثلها وبقية المتطوعات فهي دائمة الابتسام لكنها تعترف بأن «نقص الخبرة الاجتماعية يمثل مشكلة بالنسبة لها خلال أداء عملها المرهق».
أما الإبداع الأول في عمل هذه الفرق الطوعية فيتمثل في عدم وقوع أي منهم في أي خطأ يشتكي منه السياح من أجانب أو صينيين باستثناء واقعة واحدة ذكرها دونجا مدرب المنتخب الأولمبي البرازيلي الذي اشتكى خلال حفل عشاء فاخر من كثرة المتطوعين الذين يعملون على خدمة الضيوف، فعلق قائلاً: «كان بالإمكان تناول العشاء الفاخر في وجود عدد أقل ممن يقدمون لنا الخدمة». وهنا يتساءل الإنجليز في حيرة: من أين لنا أن نجد رقماً قريباً من جيوش المتطوعين الصينيين خلال استضافتنا لأولمبياد 2012 في لندن؟
والإجابة عن هذا السؤال ببساطة أنه يستحيل تجنيد مثل هذه الفرق الجبارة للعمل مجاناً وتطوعاً في أرجاء مدينة لندن مهما خططت اللجنة المنظمة لاستيعاب 70 ألف متطوع مثلما فعلت بكين إلا إذا نجحت في إعادة برمجة جيل كامل من الشباب مثلما علق أحد الرياضيين البريطانيين.
فأجاب عليه أحد أعضاء اللجنة المنظمة على استحياء إنهم تلقوا بالفعل عدداً كبيراً من طلبات التطوع يجري فرزها من الآن وفي سبيلهم لإعداد برنامج تأهيلي مكثف لمن يقع عليه الاختيار مع وجود سؤال وجيه كيف يمكن تعيين عدد المتطوعين لأولمبياد 2012 قبل 4 أعوام من انطلاق الألعاب الأولمبية؟
صعوبة الوفاء بـ 100 مليون إسترليني سنوياً
كشفت السلطات البريطانية قبل يومين أن الفريق الأولمبي الموفق الذي أحرز أكثر من 27 ميدالية حتى الآن في بكين سيكافأ بتنظيم مسيرة ضخمة بمدينة لندن ـ والبعثة البريطانية التي تمثل البلاد في سبيلها لتحقيق إنجاز قياسي في عدد الميداليات الأولمبية المحرزة، لذلك يستحقون هذه المسيرة التي تقرر قيامها في 16 أكتوبر المقبل.
وقال عمدة لندن بوريس جونسون عن الموضوع «بعد انقضاء نصف ألعاب بكين قدم لنا الفريق البريطاني أفضل أداء أولمبي على الإطلاق وأتمنى أن تعود البعثة المشاركة في أولمبياد المعاقين «البارالمبيك» في شهر سبتمبر من بكين محققة إنجازاً مماثلاً ـ ولإبداء مدى امتنان وشكر الأمة قررنا إقامة هذه المسيرة لتحية الأبطال وتكريمهم». وأضاف العمدة «هذا أقل ما نستطيع تقديمه لأبطالنا الذين حققوا إنجازات ضخمة كفريق عاد إلينا بأفضل نتائج أولمبية».
ورغم ذلك هناك بعض الغيوم في الأجواء منها أن الرياضيين قد يواجهون تخفيضاً في الميزانية المخصصة لاستعداداتهم قبل انطلاق أولمبياد 2012، وأن الميزانية المقترحة والبالغة 100 مليون جنيه إسترليني سنوياً من الآن وحتى 2012 قد لا تسلم بالكامل للجنة الأولمبية.
وأعلن المجلس الأعلى لتنظيم أولمبياد لندن إنه في سبيله للاجتماع خلال 4 أسابيع من الآن لمناقشة ميزانية كل لعبة على حدة، رغم الوعد الذي قطعه رئيس الوزراء غوردون براون بإضافة 300 مليون إسترليني لميزانية استضافة الأولمبياد.
محمد سيف النصر
