غالباً ما تكون المنافسة الأولمبية أكبر من مقدرات الرياضيين لذلك نجد أن الدموع غالباً ما تنهمر خلال الأولمبياد.
ووقفت كاترين غرينر خارج الكوخ الأبيض الذي يعقد داخله المؤتمر الصحافي ـ وكانت هي وثلاثة من زميلاتها قد وصلن متأخرات وتوقعن ان اهتمام الصحافيين بفريقهن الحائز على الميدالية الذهبية قد يعني ألا وقت لديهم للحديث مع بقية المتسابقات.لكن الصحافة البريطانية المتلهفة لأي نوع من أنواع التصريحات سرعان ما تجمهرت حولهن ـ وكان ذلك بعد 20 دقيقة من تسلم كاترين ميداليتها الفضية الثالثة على التوالي والتي أكدت أنها أكثر سيدات التجديف تألقاً وأفضل من انجبتهن بلادها على مر العصور.وبما أن عقل الطيارة كاترين قد تعامل مع مثل هذا الموقف مراراً وتكراراً كانت مدركه تماماً ما عليها أن تصرح به للصحافيين المتلهفين لكلماتها، على أن كاترين الحقيقية.
وذلك الجزء منها الذي لا تكشفه أبداً لأحد ظل في حالة غليان ساخن في داخلها لكن كشفته عيناها المغرورقتان بالدموع قبل أن تنجح في إخفاء نحيبها بقوة العزيمة، وعندها وصل والداها فانفجرت كاترين باكية منهارة بين زراعي والدتها التي ضمتها إليها لعدة دقائق وهي تبكي على صدر الوالدة. وكان مشهداً من أكثر المشاهد الصعبة التي يشاهدها الصحافيون خلال عملهم رغم أنه من المفروض أنها أكثر اللحظات سعادة بالنسبة لكاترين، وهنا اختفى الصحافيون الذين كانوا متكدسين حولها بينما أنتاب الحرج الشديد صحافة التابلويد والفضائح فاتجهوا بأنظارهم نحو الأرض فهذا مشهد لايود أحد مشاهدته إلا آل كاترين فقط فهي لحظات شديدة الخصوصية.
ومع كل مظاهر الفرح التي نشاهدها خلال الأولمبياد هناك الكثير من الدموع والحزن والأسى مجتمعة في الألعاب الأولمبية.
والأسبوع المنصرم كان الدور علي «غيل إيمز» التي كانت تنتحب بعد دقائق من مباراتها الأخيرة والوداعية في لعبة البادمنتون بعد أن انتهت مباراتها القوية. برفقه زميلتها ناثان روزنبيرغ في لقاء ربع النهائي. وعندما وقف جمع الصحافيين والإعلاميين بعيداً وهم يتابعون في حرج بكائية غيل.
وبحلول الأحد جاء دور باولا رادكليف هي وفريقها المصاحب لها، وقبل ذلك بساعات قلائل إنفجر سن هايبينغ مدرب البطل الصيني ليو شانغ ـ وذلك خلال المؤتمر الصحافي الذي أعد على عجل بعد خروج ليو مصابا، وخلال المؤتمر قال سن (أشعر أنني مسؤول مسؤولية مباشرة عن اصابة بطل سباق الموانع البطل الذي تربطه به علاقة الوالد بالابن) وبعد أن نطق بما قاله وبصعوبة بالغة انهار باكيا فتولى الإجابة على أسئلة الصحافيين المسؤول الإعلامي الصيني .
وهو يغالب مشاعره، ثم قدم منديلاً للمدرب سن قبل أن يطب من الصحافيين عدم القاء أسئلة حول هذا الموضوع، وشارك سن في بقيه المؤتمر صامتا ومحاولاً اخفاء مشاعره قبل أن يتمكن من الوقوف ومغادرة صالة المؤتمر.
عموماً الدموع كانت واحدة من المشاعر التي صاحبت تغطية هذه الألعاب بعد أن عجز الرياضيون في تحقيق المجد الذي استعدوا له طويلاً.
المدهش أن ممارسي الرياضات الأخرى مثل الكريكت والرجبي لا تصل بهم الأحاسيس الحزينة إلى هذا الحد وإن كان كيم هيوز قائد المنتخب الاسترالي للكريكت قد فعلها مرة خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده للإعلان عن استقالته وإن ساهم بكاؤه في تحمله وضع نهاية لمشوار امتد به 25 عاماً من النجاح الأسترالي، وكان ألان بورد صاحب الشارب الكث قد عين بديلاً لكيم لكن دموع هيوز ظلت حاضرة في أذهان من شهد ذلك المؤتمر الصحافي طويلاً.
ومعروف عن لاعبي الرجبي أنهم يبكون عند بداية المباريات وعندما يرددون النشيد القومي لبلادهم. أما لاعبو كرة القدم فهم أقل إحساساً بالحزن مثلما فعل نجوم المنتخب الإنجليزي الذين بكوا من دائرة منتصف الملعب بعد هزيمتهم بركلات الترجيح وخروجهم من كأس العالم على يد منتخب البرتغال.
عموماً كمية الدموع التي ذرفت خلال الألعاب الأولمبية تعتبر تفسيراً على مدى طموح كل لاعب قبل انطلاقها والتحضيرات التي يقوم بها طوال الأربعة أعوام التي تفصل كل أولمبياد عن الآخر.
الغريب أن الموضوع يتعلق فقط في الميداليات الثلاث الذهبية، الفضية، والبرونزية، وليس هناك تلك الرواتب المدهشة التي يحصل عليها ممارسو الرياضات الأخرى ككرة القدم، السلة والبيسبول الأميركي، يعيش أغلب رياضيي ألعاب القوى في منازل متواضعة، ويعاني بعضهم من توفير المال لتسديد القروض التي تحيط بهم من منزل وسيارة وخلافه..
ومفهوم كذلك تضحيتهم بوظائفهم وعلاقاتهم الاجتماعية والأسرية لتوفير الوقت اللازم للتدريب، ومن ثم المنافسة بالأولمبياد، وبالتالي يعتبر كل واحد منهم أنه رياضي محترف ومتفرغ لهذه المهمة، وبالتالي عليه تتويج هذا الجهد وهذه التضحيات بالفوز بالميداليات الذهبية، ولعل هذا هو سبب ازدياد الدموع خلال الألعاب الأولمبية، المذهل في الأمر أن صغار السن من هؤلاء يواصلون هذا النمط من الحياة والتحضر للأولمبياد القادمة بمجرد الإعلان عن ختام الأولمبياد الحالية.
محمد سيف النصر

