تسمر أكثر من مليار متفرج ليلة السبت أمام شاشات التلفزيون لمشاهدة نهائيات سباق 100م لمعرفة أسرع رجل في العالم وكانت النتيجة فوز عداء قادم من إحدى جزر الكاريبي الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 6. 2 مليون مواطن، وبينما ألوان ملابس بولت الخضراء والسوداء تعبر في سرعة خاطفة خط نهاية المئة متر كتبت لوحة الزمن 69. 9 ثوان اشتعلت نيران الاحتفالات في العاصمة كنجستون وكافة أنحاء جامايكا.
وربما تكون كرة القدم في الدوري الانجليزي والسلة في دوري السلة الأميركي هي الأكثر مشاهدة عبر التلفزيون وإن كان الجميع يعلم أنه عندما يتعلق الأمر بالرياضات الدولية فسباق العدو 100م هو الرقم واحد من حيث الجذب الجماهيري. وبدأت جامايكا في تقديم العدائين من الطراز الدولي الرفيع عام 1948 وهي المرة الأخيرة التي استضافت خلالها لندن الألعاب الأولمبية عندما فاز أرثر وينت بالميدالية الذهبية الأولمبية الأولى في سباق 400م وفي تلك الليلة قام دوف أدنبرة بزيارته بمقر إقامته ودعاه لمشاركته وجبة عشاء في منزله احتفالاً بالفوز.
ومقارنة بالاستقبال الذي ناله عقب عودته من سباق نيويورك مطلع الصيف الحالي بعد أن حقق رقماً عالمياً جديداً في سباق 100م بواقع 72. 9 ثوان فقد يتوقع بولت استقبالاً أروع وأكبر بكثير. جامايكا بروس غولدينغ عند سلم الطائرة في الوقت الذي ازدحمت صالة الوصول بالمطار ببقية العدائين بينما بث مايكروفون المطار أغنية جديدة بعنوان «72. 9». وميدالية بولت الذهبية رفعت ميداليات جامايكا إلى 43 منها 42 في ألعاب العدو جميعها باستثناء واحدة في سباق 400م أو أقل لكن ميدالية بولت الأخيرة كانت الوحيدة التي تمناها الشعب الجامايكي.
وكان الشعب الجامايكي قد تابع في فخر ابني الجزيرة لينفورد كريستي ودونوفان بيلي وهما يرفعان ميداليتي الذهب في سباق 100م الأولمبي في أولمبيادي 1992 و1996 على التوالي لكن بألوان العلمين البريطاني والكندي وذلك بعد أن هاجرت أسرتاهما للإقامة هنا بحثاً عن حياة أفضل.
«وكذلك الكندي بن جونسون صاحب الذهبية في أولمبياد 1988 مولود بجزيرة جامايكا» وقبلهم هيرب ماكينلي عام 1952، لينوكس ميلر 1968 ودون كواري 1976، وهؤلاء جميعهم اقتربوا من الذهب ثم انتهى بهم الأمر بالحصول على الفضية.
تاريخ ذهبي لجامايكا في الأولمبياد
يمتد الإنجاز الجامايكي الفخور أولمبياً إلى 60 عاماً للوراء، وإن كانت بذرة نجاح بولت الأخيرة قد تم بذرها إلى أبعد من ذلك التاريخ عندما أقيمت بطولة كبار العدائين بالمدارس الثانوية إبان الحكم الإنجليزي للجزيرة في عام 1910، ثم تحولت إلى أكبر بطولة سنوية جامايكية تجذب كل عام أكثر من ألفي عداء ويتابعها أكثر من 30 ألف مشجع.
وتحولت إلى ذروة مسابقات الجزيرة التي شجعت أطفال جامايكا المشاركة في سباقات المسافات القصيرة ابتداء من سن الخامسة، وأينما شاهدت قطعة أرض فضاء بالجزيرة لابد أن تشاهد مجموعة من الصغار وهم ينظمون سباقاً يحلم كل واحد منهم أن يتحول عبره إلى بطل عالمي.
وكل عداء جامايكي بارز يوضع اسمه في قائمة الشرف التي تشمل كذلك أسماء كل من: نورمان ماكنلي الذي كان أحد مؤسسي جمعية دفع المعاناة عن الشباب الجامايكي والذي أطلق اسمه على مطار العاصمة اعترافاً بفضله والذي ينتظر المطار عودته من بكين بفارغ الصبر. وفي عام 1911 فاز ماكنلي بسباق 100م و200م وفي أوقات أهلته للحصول على دعوة للمشاركة في أولمبياد 1912، إلا أنه رفض الدعوة مفضلاً منحة للانضمام إلى جامعة اكسفورد.
قال ميلر: جميع المشاهدين يذهبون إلى البطولات لمعرفة من هو بطل جامايكا الجديد في سباق العدو السريع، والمذهل بالنسبة إلي هو مراجعة السجلات السابقة ومطالعة أسماء الصغار الذين كانوا أبطال ذلك الزمان، لكن لم يواصل أي منهم نحو المرحلة التالية، ولا يمكن أن تصدق عدد الصغار من ذوي السرعة الخارقة الذين توقف مشوارهم ولم يسمع أحد عنهم، وكان بإمكان أي واحد منهم أن يصبح بطلاً للعالم.
ولعقود عديدة كانت الجزيرة مسرحاً خصباً لصيادي المواهب مع الجامعات الأميركية مسلحين بالمنح الدراسية المغرية فذهبوا بأفضل العدائين من مراهقي الجزيرة الفقيرة، لكن للأسف احترق معظمهم بفضل جشع المدربين وفشلوا في بلوغ المستوى المتوقع منهم.
والفرق حالياً أنه إذا كان الشاب في موهبة بولت فبإمكانه البقاء بالجزيرة والتدرب ومن ثم الانتقال إلى أوروبا للمنافسة في بطولاتها الكبرى، بل وبالإمكان الفوز بأكثر من مليون دولار سنوياً وبسهولة. وبعد بقائهم بالجزيرة والعمل مع مدربيهم جلين ميلز وستيفن فرانسيس ساهم بولت ورفيقه أسافا باول في تشجيع العدائين الآخرين بالبقاء فساهم ذلك في رفع المعدل.
أكاديمية ديفيز
بدأ أنطوني ديفيز المدير الرياضي في كلية التكنولوجيا بجامعة جامايكا التي تدرب على ملاعبها كل من بولت باول وغيرهما من كبار الرياضيين في تقديم منحة دراسية للمبرزين منذ 30 عاماً كان الهدف الأول منها منع العدائين الموهوبين من الهجرة إلى أميركا.
والآن هناك أكثر من 300 عداء مسافات قصيرة ضمن برنامج برعاية شركة «لوكوزاد»، وعنه يقول ديفيد «ما وصلنا إليه الآن أشبه بالزهرة التي وضعنا بذرتها منذ زمن طويل فوصلنا إلى النتائج الحالية».
وقد لا تكون المنشآت هي الأفضل لكن يعتبر كولمان أحد أعضاء فريق تدريب بولت أن الثقة كبيرة في العدائين من الجامايكيين بحيث لا يهم مدى روعة هذه المنشآت مضيفاً «نحن جميعاً واثقين من الفوز رغم أننا جزيرة صغيرة وفقيرة لكن ثقتنا في أنفسنا لا حدود لها».
إعصار بولت يضرب جامايكا بالذهب الأولمبي
عاش الجامايكيون أوقاتاً عصيبة تخوفاً من الإعصار الذي كان مرشحاً ليضرب الجزيرة الهانئة في البحر الكاريبي والتي يقطنها نحو مليوني ونصف المليون نسمة، لكنهم شاهدوا إعصاراً من نوع آخر يضربهم تمثل بالانتصار الخارق الذي حققه مواطنهم اوساين بولت في سباق العصر (100 م) ضمن دورة الألعاب الاولمبية المقامة حالياً في بكين.
وسيظل سباق 100 م في بكين عالقاً في الأذهان سنوات عدة كون اوساين جعله فريداً من نوعه من جميع النواحي، فهو «فجر» الرقم القياسي العالمي الذي كان يحمله بنفسه مسجلاً 69. 9 ثوان ماحياً الرقم السابق ومقداره 72. 9 ثوان، وقام بأشياء غير اعتيادية لم يجرؤ أحد من قبله أن يقوم بها خصوصاً في نهائي السباق الأهم والأشهر في أم الألعاب.
كما أنه حسمه بفارق 20 جزءاً من الثانية عن أقرب منافسيه وهو أعلى فارق بين الفائز ووصيفه منذ فوز الأميركي الأسطورة كارل لويس بذهبية لوس انجلوس عام 1984.فبعد أن ضمن بولت الفوز قبل اجتياز خط النهاية بنحو 20 متراً فتح ذراعيه للريح مخففاً من سرعته النهائية قبل أن يضرب بهما صدره تعبيراً عن فرحته بهذا الانجاز.
ومنذ أن سجل بولت 92. 9 ثوان في الدور الأول، بدا واضحاً قدرته على النزول برقمه القياسي العالمي في السباق العالمي، ثم نزل بالرقم في الدور نصف النهائي مسجلاً 85. 9 ث من دون أن يبذل جهداً خارقاً. وتساءل الجميع قبل بداية السباق الفعلي، هل سيسقط بولت في امتحان الرهبة خصوصاً انه يخوض أول ألعاب أولمبية له ولا يملك خبرة كبيرة في هذا السباق.
لكن رد العداء الجامايكي الفذ كان رائعاً، فقبل دقائق من انطلاق السباق قام بولت بتحية الجمهور الكبير المحتشد في ملعب «عش الطائر» عندما ظهر اسمه على الشاشة العملاقة، ولم تبد على وجهه أي علامة التوتر بل على العكس بدا واثقاً من نفسه وقد جسد هذا الأمر في السباق النهائي عندما حسمه بعد مرور 50 متراً بابتعاده بفارق مريح عن أقرب منافسيه.
وجاء السباق تاريخياً لأنه شهد للمرة الأولى في الألعاب نزول ستة عدائين تحت حاجز ال10 ثوان، وسبق أن تحقق هذا الأمر مرة واحدة لكن في بطولة العالم لألعاب القوى في طوكيو عام 1991. وبات بولت أول عداء من جامايكا يحرز الذهبية في تاريخ الألعاب الأولمبية، وأول عداء من جزر الكاريبي منذ أن توج الترينيدادي هايسلي كروفورد عام 1976 في مونتريال.
وما يعزز من انجاز بولت، أن الأخير بدأ خوض سباق 100 م منذ عام فقط وتحديداً في 18 يوليو في ريثيمون في جزيرة كريت اليونانية عندما سجل 03. 10 ثوان. وضرب الجامايكي بقوة عندما سجل 76. 9 ثوان في كينغستون عاصمة جامايكا في 3 مايو الماضي أي ثاني أفضل رقم في التاريخ بفارق جزأين من الثانية عن رقم مواطنه اسافا باول (74. 9 ث) قبل أن يسقطه بفارق جزأين آخرين في نهاية الشهر ذاته في نيويورك.
وبرز بولت للمرة الأولى في بطولة العالم للشباب عام 2002 في كينغستون عندما توج بطلاً لسباق 200 م وهو لم يبلغ السادسة عشرة من عمره. أما الهدف المقبل لبولت فهو إحراز ذهبية 200 م ولما لا إسقاط الرقم الخرافي للعداء الأميركي الشهير مايكل جونسون ومقداره 32. 19 ثانية سجله في أولمبياد أتلانتا 1996.
ويبدأ بولت سعيه لذهبية 200 م في التصفيات الاثنين، وشاء القدر أن يقام السباق النهائي الأربعاء المقبل أي قبل يوم واحد من احتفاله بعيد ميلاده الثاني والعشرين. ولم يتمكن أي عداء من الجمع بين سباقي السرعة في الألعاب الأولمبية منذ أن نجح في ذلك العداء الأسطورة الأميركي كارل لويس عام 1984 في لوس أنجلوس.
تألق بولت وتجارة العبيد
من النظريات العجيبة التي تبرر تألق العداء الجامايكي أنه يتمتع بمزايا «جنسية» سببها تجارة العبيد سابقاً وهي نظرية مازالت تسبب لغطاً في الأوساط العلمية وتقوم النظرية على أن أجداد بولت ورفاقه ممن عانوا من قسوة سوق العبيد كانوا يتعاطون عقاقير منشطة لزيادة قدرتهم العضلية.
وكان باول قد اشتكى خلال استعداداته لسباق المئة متر مساء السبت من استهداف متفحصي المواد المنشطة هو وزميله بولت المتشككين في تناولهما لها من واقع التألق اللافت لهما خلال الأعوام الماضية.
وكان الرد الحاسم على تلك المزاعم ما قاله مايكل فريتز الذي حل سادساً في سباق السيت بواقع 97. 9 ثوان عندما أكد أن أي جامايكي يثبت تعاطيه المنشطات لن يسمح له بالبقاء في الجزيرة مضيفاً «بلدنا صغيرة جداً وإذا تعاطى أي رياضي المنشطات فسيعرض للفضيحة ولا يمكنه البقاء يوماً واحداً».
الثلاثية الأسرع
سجل بولت أسرع ثلاثة أوقات هذا العام في سباق 200 م وهي 67. 19 في أثينا، 76. 19 وفي لندن، و83. 19 ث في اوسترافا، وقد يحقق ثلاثية رائعة أيضاً لأنه يقود مع اسافا باول منتخب التتابع 4 مرات 100 م. ووقف جميع منافسي بولت مشدوهين أمام روعة ما رأوه واعترف مواطنه وصديقه باول بأن بولت لا يقهر في الوقت الحالي.
وقال: «انه يغرد خارج السرب ولا يقهر، انه استعراضي وأفضل عداء في تاريخ سباقات 100 م». أما الأميركي والتر ديكس الذي حل ثالثاً، أضاف «لا غبار على فوز بولت لقد حطم الرقم القياسي العالمي في السباق النهائي ولا يمكن أن نطلب منه أكثر من ذلك».
في المقابل وصف البطل الأولمبي وحامل الرقم القياسي العالمي السابق الكندي دونوفان بايلي ما حققه بولت بأنه «أفضل ما يمكن أن يحصل لرياضة ألعاب القوى وسط ضباب المنشطات التي ضربها في الفترة الأخيرة، انه (بولت) نفحة أمل رائعة، إنه دفعة هائلة لألعاب القوى». الأرصاد الجوية تحذر، إعصار بولت سيضرب مجدداً وتحديداً في سباق 200 م، ترقبوه!
محمد سيف النصر


