مع اقتراب أولمبياد بكين من الختام فإن المشاركة الخليجية في الدورة الاولمبية التاسعة والعشرين مازالت تسجل غيابا عن قائمة الميداليات ومعظم الرياضيين الخليجيين يغادرون حلبات المنافسة من المحطات الأولى. وبشكل عام فإن المشاركة الخليجية في الدورات الاولمبية تميزت بتسجيل حضور متواضع ولا يبدو أن بكين سوف تشذ عن هذه القاعدة على الرغم من الآمال التي كانت موضوعة في البداية.
من الناحية التاريخية فإن حلاوة فوز الخليجيين بالميداليات تأخر لغاية برشلونة والذي شهد فوز القطري محمد سليمان بالميدالية البرونزية في سباق 1500 متر، كما أن دولاً خليجية مثل السعودية والكويت لم تعرف طريق الميداليات، إلا في المشاركة الأخيرة في سيدني حيث حققت السعودية ميداليتين والكويت ميدالية. ومثلما كان أولمبياد سيدني هو أفضل اولمبياد مر على العرب حيث شهد تحقيق 14 ميدالية منها ذهبية و3 فضيات وعشر برونزيات، فإنه في نفس الوقت أفضل اولمبياد مر على دول الخليج أيضا، حيث حققت لأول مرة أربع ميداليات دفعة واحدة وهو رقم يفوق بكثير ما حققته طوال تاريخها في الدورات السابقة.
وجاء إنجاز الشيخ أحمد بن حشر في أولمبياد أثينا ليسجل أكبر انتصار للرياضة الخليجية بالحصول على ذهبية الدبل تراب وهي أول ذهبية يحققها خليجي على المستوى الاولمبي. وبعد ذهب أثينا توقع البعض بان يكون ذلك الانجاز فاتحة خير ويساهم في زيادة الاهتمام بالألعاب الفردية في دول المنطقة بعد أن اختبر الجميع معنى الحصول على ميدالية ذهبية، لكن جاء أولمبياد بكين ليبدد هذه الصورة الوردية ويعكس أن الواقع أمر مختلف عن عالم الأحلام.
إذا.. لماذا هذا الغياب وعدم القدرة على المنافسة في اولمبياد بكين؟
كان هذا السؤال الرئيسي للاستطلاع والذي طرحناه على جميع المشاركين وكانت البداية مع الشيخ سعود بن عبدالرحمن أمين عام اللجنة الاولمبية القطرية. يقول الشيخ سعود: الأسباب كثيرة ومتنوعة ولا يمكن أن نسردها بسرعة لكن إذا أردنا أن نختار أسبابا رئيسية فان بالتأكيد قلة عدد السكان وبالتالي قلة المواهب الرياضية نظرا لمحدودية القاعدة الرياضية تلعب دورا مهما في الحد من القدرة الخليجية على المنافسة في الاولمبياد.
علاوة على ذلك وكما يعرف الجميع فان الأولوية في كل دول المنطقة تنصب على الكرة والتي تحظى بكل اهتمام وتركيز فيما يقل الاهتمام بالألعاب الفردية على الرغم من أنها ألعاب أولمبية تستطيع أن توصلك في يوم من الأيام إلى تحقيق نتائج على المستوى العالمي. مثل هذا الواقع يفرض محدودية القدرة على المنافسة في الاولمبياد ويفرض علينا مجموعة من الحقائق على رأسها أننا نحتاج إلى وقت طويل من أجل الحصول على مواهب تستطيع الفوز في الدورات الاولمبية.
النتائج لغاية الآن لم تكن حاضرة بالنسبة لدول المنطقة لكن كل ما نتمناه أن يتحسن الوضع في بقية أيام الاولمبياد وبعض الانجازات الخليجية والعربية في الاولمبياد. ويضيف إبراهيم عبدالملك أمين عام الرياضة في الإمارات على العوامل التي تناولها الشيخ سعود عوامل أخرى تساهم في ضعف التواجد الخليجي في الدورات الاولمبية.
يقول رئيس وفد الإمارات في بكين: إذا نظرت إلى جميع الدول المتقدمة ستجد أن جميع هذه الدول تنظر إلى الرياضة باعتبارها قطاعا أساسيا من القطاعات العامة مثل الصحة والتعليم وبالتالي فان درجة الاهتمام مختلفة تماما عن النظرة الموجودة عندنا.
هذا الوقع يتسبب في ظهور هذه الفروقات التي نراها في الدورات الاولمبية بان رياضتنا لا تستطيع الاقتراب والمنافسة في كثير من الألعاب لان الفارق فيها هائل ولا نملك بمنتهى الصراحة القدرة على التقليل منه. طالما استمر نفس الوضع فان ما يحصل في اولمبياد بكين من ضعف قدرة الرياضة الخليجية على المنافسة سوف يستمر في الدورات الاولمبية القادمة لان أسلوب العمل الحالي لا يمكن أن يؤدي إلى أي تغيير.
التكوين الجسماني
البعض يرى أن الأسباب علمية بحتة وتتعلق بالتكوين الجسماني والذي يلعب دورا حيويا في مساعدة بعض الرياضيين على حساب الآخرين في حسم المنافسات وتحديد الأبطال. وفي هذا الإطار يقول إبراهيم عبدالملك: لاشك أن التكوين الجسماني يعلب دورا حاسما في بعض الألعاب وهناك دول تستفيد من هذه النقطة ودول أخرى لا يتمتع رياضيوها بالتكوين الجسماني المناسب.
لكن في كل الأحوال التكوين الجسماني لوحده ليس كافيا لحسم النتائج والمهم البيئة التي تتوفر للرياضي كما أن بعض الألعاب دور التكوين الجسماني فيها محدود. ويضيف: في تقديري أن أكثر الرياضات التي تناسبنا والتي يجب أن نوليها اهتمام أكثر في الفترة القادمة هي الرياضات التي لا تعتمد على التكوين الجسماني فقط وتدخل فيها الآلة مثل الرماية والشراع على سبيل المثال لان التجارب أثبتت أننا نملك فيها فرصة أفضل في المنافسة.
وحول نفس النقطة يتحدث الدكتور عبدالحميد العطار طبيب وفد الإمارات في الاولمبياد بالقول: من الناحية العلمية البحتة فان التجارب والدراسات أثبتت أن رياضيي بعض المناطق الجغرافية في العالم يتمتعون بصفات وجينات لا تتوفر لغيرهم وهذه الصفات تنعكس بالإيجاب عليهم خلال المشاركات الرياضية.
أشهر هذه الدراسات خاصة بالعدائين ومن خلالها وضعت خريطة خاصة للاماكن التي تخرج أفضل لاعبي الجري، وحسب الخريطة فان دول شمال أفريقيا وكينيا وأثيوبيا تعتبر الحزام العالمي لتخريج أفضل العدائين في العالم وهو ما يحصل بالفعل على ارض الواقع حيث تجد أن أفضل النتائج في معظم مسابقات الجري المختلفة تتحقق على يد هؤلاء اللاعبين.
إذا نظرنا إلى الوضع عندنا فان الواقع يؤكد أننا لا نتبع الأساليب العلمية مطلقا في إعداد رياضيينا وبالتالي لا توجد أسس علمية يمكن أن نقيس عليها ونحدد الرياضات المناسبة من غيرها والاهم من ذلك نفتقد معايير القياس المناسبة والتي يمكن أن نقيس بها درجة تقدم الرياضي وتطوره.
وقد يكون مثل هذا الكلام غريب على وسطنا الرياضي لان الجانب العلمي فيه مهمل لكن هذه هي اللغة السليمة والمتبعة في الدول التي تملك رياضة حقيقة وهي اللغة التي يجب أن نستخدمها إذا أردنا لا نكتفي بالتواجد في الدورات الاولمبية والبطولات الدولية.
ويستطرد بالقول: العشوائية لا يمكن أن تقودك إلى المنافسة على أي مستوى، ولابد أن تكون هناك مراكز متخصصة لانتقاء اللاعبين والإشراف على نوعية تدريباتهم وتغذيتهم واتباع آخر ما توصلت إليه العلوم في المجال الرياضي للمساعدة على تطورهم.
محلك سر
ما توصلنا إليه خلال هذا الاستطلاع السريع أن قائمة أسباب عدم قدرة الرياضة الخليجية على المنافسة طويلة ومتشعبة ولعل معظمها يتفق على نقطة جوهرية وهي أن الرياضة الخليجية بشكل عام تراوح مكانها ولا تتطور كما يفعل الآخرون بدليل أن معظم الأرقام المسجلة هي في الواقع أرقام ليست أفضل حالا من الأرقام المسجلة قبل سنوات.
وحول هذه النقطة يقول محمد الخاجة مدير وفدنا الرياضي: في البداية حالة الضعف العامة وعدم القدرة على المنافسة لا تقتصر على الدول الخليجية ولكنها حالة عامة تعاني منها جميع الدول العربية. إذا نظرت إلى قائمة الميداليات فانك ستكتشف أن نتائج المشاركة العربية هزيلة ولا ترتقي إلى حجم هذه الدول.
ولعل نفس الأمر ينطبق على الكثير من الدول الأخرى في العالم ومنها آسيا، باستثناء الصين وبعض الدول الآسيوية القليلة فان معظم الدول الآسيوية لا يوجد لها ذكر في جدول الترتيب على الرغم من البطولة تقام هذه المرة في قلب القارة الآسيوية.
الأسباب قد تكون كثيرة لكني أرى أن أهمها يمكن في عدم التطور، في الوقت الذي يتقدم فيه الآخرون نظل نحن نراوح في نفس المكان ولا أريد أن اتهم أحدا بالتقصير خاصة على مستوى اللاعبين والذين يبذلون كل طاقتهم من أجل الفوز لكن فارق الإمكانيات المتاحة في النهاية يقول كلمته.
إذا أردت الحديث عن نجومنا في الرماية على سبيل المثال فان سمو الشيخ سعيد والشيخ احمد بن حشر يعملان وفق قدراتهما واجتهاداتهما الذاتية بينما تجد في الدول المتقدمة التفوق الرياضي يأتي نتيجة عمل مؤسسي متكامل من ملاعب ومناشدات ومراكز تكوين وخطط إعداد دائمة وهو الأمر الذي نفتقده في رياضتنا.
مؤشرات : محدودية القاعدة الرياضية أهم أسباب المشكلة
أحد الأسباب المهمة تكمن أيضا في قلة عدد السكان وبالتالي قلة عدد القاعدة الرياضية والتي يمكن عن طريها اكتشاف المواهب. ويتفق مع هذه النقطة النجم القطري ناصر العطية الذي اختتم بالأمس مشاركته في رماية الاسكيت بالخروج من المرحلة الأولى من المنافسات وهي نتيجة تعتبر اقل عن التي حققها النجم الخليجي في نفس المسابقة قبل أربع سنوات حيث خرج بالمركز الرابع وفصلت طلقة واحدة بينه وبين الحصول على الميدالية البرونزية.
العطية الذي التقيناه في وقت سابق قبل بدايات المنافسات، قال: أتمنى أن تأتي المشاركة الخليجية والعربية في هذه الدورة أفضل حالا من الدورات السابقة لكن في كل الأحوال علينا التعامل مع الطموحات بواقعية.
علة : كرة القدم تستأثر باهتمام الجمهور والمسؤولين
بشكل عام الاهتمام بالرياضة في دول المنطقة ينصب بالدرجة الأولى على كرة القدم فيما لا تحظى الألعاب الفردية بنفس الدرجة من الاهتمام وذلك على الرغم من أن الألعاب الفردية هي السبيل ناحية القدرة على المنافسة في الدورات الاولمبية.
إذا تحدثت عن دولة قطر فان الجميع يعرف أن عدد السكان محدود وفي نفس الوقت القاعدة الرياضية محدودة إذا قارناها بدول أخرى في العالم، ولا شك أن هذه النقطة لها تأثير مباشر في قلة عدد المواهب.
وحول نقطة الإمكانيات حيث يرى الكثيرون أن الدول الخليجية لا تعوزها الإمكانيات لإعداد رياضييها بالشكل الصحيح والذي يرتقي إلى المعايير الدولية، يقول العطية والذي يشارك في الاولمبياد للمرة الرابعة: هذا صحيح الإمكانيات في دول الخليج موجودة ومتوفرة وهناك صرف كبير على الرياضة .
لكن هذا الصرف يتركز على جانب واحد يتعلق بالكرة ولا يشمل الألعاب الفردية والتي ينالها جزء محدود مقارنة بما تحصل عليه الكرة. عند العطية ينتهي الاستطلاع وكل آمالنا أن تحمل الأيام المتبقية في الدورة أخبارا سعيدة بان يحقق بعض الرياضيين الخليجين شيئا ولا تكتفي بالجلوس في مدرجات المشاهدين في أولمبياد بكين.
بكين ـ محمد جاسم

