البادمنتون رياضة السرعة القصوى والقدرة والتحمل وكذلك هي لعبة الإرسالات الساحقة التي تبلغ سرعتها أكثر من 200 كيلومتر بالساعة ومع ذلك يعتبرها الغربيون لعبة ساذجة وتصنف من رياضات الدرجة الثانية إلى درجة ان بعضهم يقول أن بإمكان «خالتي آني» ممارستها في أعقاب ليلة ساهرة عوضاً عن أن تكون رياضة بالمعنى الصحيح.
هذا القول لا أساس له من الصحة بالطبع وهو ما أدركه كل من تابع نهائي الزوجي ونصف نهائي فردي الرجال على ملاعب معهد التقنية بجامعة بكين، وكل ما تحتاجه هذه الرياضة لاكتساب الشعبية التي تستحقها هو المزيد من الاهتمام التلفزيوني في تغطية مبارياتها التي تمارسها أو تعشق متابعتها. ويمكن لمن أراد متابعة هذه الرياضة عبر شبكة سكان التي خصصت لها قناة تلفزيونية تبثها 24 ساعة يومياً لأصقاع معينة من الكرة الأرضية. وبما أن كل رياضة بحاجة إلى أبطال مرموقين يتحدث عنهم المشاهدون في شغف وإعجاب لم تشذ لعبة البادمنتون من هؤلاء النجوم الذين يأتي على رأسهم الصيني «لين دان» أو سوير دان.
كما يطلقون عليه ويعرفونه في كافة أنحاء الصين المترامية الأطراف وهذه الشهرة وهذا اللقب لم يأت من فراغ في بلد يبلغ سكانه ملياراً و300 مليون نسمة غالبيتهم ممن يمارس نوعاً من أنواع الرياضة الصباحية قبل أن يتوجه الموظف منهم إلى مكان عمله والطالب إلى مدرسته.
ودان احتل مركز أفضل لاعب بادمنتون خلال الأربعة أعوام الأخيرة، وهو كذلك خطيب اللاعبة رقم واحد على العالم في نفس اللعبة «زيان فانغ زي» كذلك معروف عنه حدة الطباع التي تفوق حرارتها الزئبق في درجة الغليان إلى درجة أنه في مطلع العام الحالي قام بتهديد مدرب المنتخب الكوري «لي ماو» بواسطة مضرب للعبة البادمنتون.
وكان رد فعل المدرب لي أنه وصف دان بأنه «فظ وغير أخلاقي» وحتى يثأر لنفسه من هجمات «سوبر دان» أضاف «لم أشاهد في حياتي لاعباً متخلفاً مثل دان طوال مشواري كمدرب». والآن تخيلوا معنا نجم التنس روجيه فيدرر ومعه حسناء التنس الروسية ماريا شارابوفا من الجانب الآخر يرافقهما الأسطورة الأميركي السابق في لعبة الكرة الصفراء جون ماكزو حتى يمكنكم الوصول إلى فكرة عن مدى موهبة «لي دان»، وحضوره الإعلامي ومزاجه الناري «ويمثله هنا ماكزو الذي اشتهر بسلوك مشابه».
وبعد أن تكررت هذه الاتهامات في وجه دان أعلن مؤخراً أنه انتبه إلى مدى شراسته وأنه التزم جانب الهدوء في ردود أفعاله تجاه الآخرين، وهو ما ثبت بالفعل خلال مباراته الأخيرة أمسية الخميس الماضي في بكين أولمبياً بعد أن حقق الفوز في نهائي الرجال للبادمنتون على مواطنه الصيني شيني جين المصنف رقم 4 على العالم بنتيجة 21 ـ 12 و18 ـ 21.
ولاحظ جميع من شاهد اللقاء ثلاثة أمور هي دقة دان في تجوله في أرجاء الملعب، وكيف عمد إلى تأخير ضرباته الساحقة حتى الثانية الأخيرة حتى يتمكن من تغيير زاوية الضرب وهو يتابع بعين الصقر تحركات خصمه «جين»، وأخيراً كيف فعل كل ذلك في انسيابية ودون جهد يذكر.
وبعد المباراة علقت لاعبة دولية سابقة أنها لن تندهش إذا منح «دان» الفوز لمجرد كونه صاحب أفضل تصنيف في اللعبة على العالم ودون أن يلعب معقبة، هذا ما يحدث عندما يلعب الصينيون مع بعضهم البعض ونحن في الصين نقول ان الفهد لا يغير موقعه مطلقاً ودان مشهور بأنه أشبه بالفهد في تحركاته حول الفريسة بالملعب.
وما قالته الدولية السابقة فيه الكثير من الصحة، خصوصاً إذا تابعنا مباراتي زوجي السيدات، وخلال هذه البطولة اتضح كذلك مدى الروح الرياضية التي يتمتع بها الشعب الصيني المتابع لها، باستثناء مباراتي زوجي سيدات البادمنتون والسبب أن الصين كانت تلعب أمام اليابان في منافسة شرسة على الميدالية البرونزية.
وخلال ذلك تحول جمهور المشجعين بأكملهم إلى مساندة قومية منقطعة النظير ونظموا تشجيعاً أشبه بهدير الرعد في قوته ترويعاً للعود التاريخي الذي كان قد احتل الصين في الزمان القريب ومارس من الفظائع ما جعله يتعرض للضربة الذرية الأولى في تاريخ البشرية. الطريف أن الزوجي الياباني، الذي كان فكاهياً في تقبل هذا الهدير البشري وكان دائم الابتسام طوال اللقاء الذي خسره في النهاية بفارق ضئيل وفي كلتا المباراتين لصالح الصينيات.
وبحلول اللقاء النهائي في زوجي السيدات كان بين الصين، لكن هذه المرة أمام كوريا، وهناك تحول الهدير إلى الغناء «الصين الصين» وصاحبته لسوء الحظ بعض الهتافات غير الرياضية على عكس ما عرف به الجمهور الصيني إلى درجة أن إحدى الكوريات واجهتها صيحات الاستهجان عندما تعرضت لالتواء في كاحلها، وفي النهاية فاز الزوجي الصيني أيضاً وبشوطين نظيفين.
وتضاعفت الإثارة كذلك بالأمس عندما لعبت الصين في المباراة النهائية للسيدات أمام زانغ نينغ بطلة أولمبياد 2004 بأثينا، بينما لعب خطيبها سوبر دان أمام الماليزي شونغ وي اللاعب رقم اثنين في التصنيف العالمي، للعبة والذي نجح في إقصاء اللاعب لي هيون في مباراة ثلاثية الأشواط لم تتجاوز 59 دقيقة في مجملها.
أما المباراة الأولى فمنيت المصنفة الأولى على العالم «ذي» خطيبة دان بالهزيمة على يد الصينية الأخرى «زانغ نينغ» التي بكت وهي تتقلد الذهبية ومعها باقة الزهور. أما الخطيب المزعج سوبر دان فقدم كل فنون اللعبة التي يتقنها أمام الدنماركي بيتر جيد ليتوج جهده الخارق بفوز مستحق وذهبية أولمبية جديدة أضافها إلى إنجازاته السابقة وقدمها للخطيبة «ذي» الأولمبية.
وبعد هذا السرد لوقائع تألق الصيني دان وما قاله نقاد اللعبة في الغرب جاءت ردود أفعال متباينة حول لعبة البادمنتون الواسعة الانتشار في الشرق الأقصى متواضعة الشهرة والشعبية لدى رياضيي الغرب ومن أحد مشاهدي مباراة دان أمام مواطنه الصيني شين قال حولها «كانت مهزلة وليست مباراة رياضية ولم يقدم أي من اللاعبين جهداً أكثر من أن يقدم عطاءً مقنعاً للمشاهدين.
ورغم ذلك أقول إن البادمنتون لعبة ممتعة ومختلفة عما اعتدنا مشاهدته أو ممارسته هنا في أوروبا، وإن كانت أشبه بلعبة الاسكواش لدينا». وقال آخر «مباراة دان أمام خصمه الصيني كانت لقاء بين المصنف الأول مع الرابع على العالم وفي نصف نهائي أولمبي، لذلك كانت النتيجة معروفة لدى الجميع بينما كان نصف النهائي الثاني ممتعاً في ظل أجواء تنافسية عالية وكانت الغلبة فيه للدنماركي «بيتر جيد».
تستحق الأولمبياد
علق أحد البريطانيين حول لعبة البادمنتون انه يعتبرها رياضة جيدة وتستحق أن تدرج منافساتها في الألعاب الأولمبية نسبة للجهد العالي الذي يبذله كل لاعب خلال مبارياته، وإن كان يفضل مشاهدة لقاءات الفردي عن الزوجي لقوتها وما يبذله اللاعب من قوة وعزم طوال المباراة، وكذلك المهارات العالية المطلوبة للفوز بنتيجتها.
دموع الفرح
لم تصدق الصينية زانغ نينغ أنها نجحت في الفوز على بطلة العالم والمصنفة رقم واحد في لعبة البادمنتون وحصلت على الميدالية الذهبية الأولمبية، لذلك انفجرت في البكاء بعد تسلمها الذهب من على منصة التتويج، كذلك جاء الفوز على أفضل لاعبة في العالم وخطيبة نجم اللعبة الأول «سوبر دان» «زي زينغانغ».
لعبة مجهولة
جاء في تعليق آخر عن اللعبة «لا تبدو البادمنتون بالنسبة لعبة قادرة على تسويق نفسها في المناسبات الرياضية الكبرى، رغم أن لاعبيها يحسنون ارتداء الملابس الرياضية الرائعة، لكن بالنسبة لأي شخص لا يتابعها بانتظام فهو لا يعلم شيئاً عن قواعدها وقد لا يشاهد مبارياتها إلا من خلال الألعاب الأولمبية وهي تقام كل أربعة أعوام».
محمد سيف النصر

