ـ تمر بالإنسان بعض المواقف والمشاهد التي يصعب وصفها مهما أوتي من قدرة على التعبير أو التصوير.. ومن تلك المواقف التي ستبقى محفورة في ذاكرتي تلك التي عشناها معاً يوم أول من أمس عندما قمنا بزيارة خاطفة وغير مجدولة لأحد المعالم التاريخية لمدينة بكين، منتهزين الفرصة وعدم وجود أي فعالية أو مشاركة لرياضيينا في ذلك اليوم، الزيارة لم تكن لسور الصين العظيم الذي يعتبر أحد أعظم عجائب الدنيا السبع، ولم تكن الزيارة للمدينة المحرمة التي يقصدها آلاف الأوربيين لمعرفة تاريخ تلك المدينة التي كانت محرمة على الجميع، الزيارة كانت لمسجد (نيوجيه ) الذي يعتبر من أقدم المساجد في الصين وفي جنوب شرق قارة آسيا وتم بناؤه في عام 996 من السنة الميلادية.

ـ لقد سبقت لي زيارة سور الصين من قبل في زياراتي لهذه المدينة كما سبق لي التعرف على واقع المدينة المحرمة وتاريخها وبواباتها الأربع وكيف كانت حصناً منيعاً لسكان بكين، ولكن كل ذلك لا يوازي التواجد لدقائق في فناء ذلك المسجد والنظر إلي جدرانه التي تشم منها رائحة الإسلام والمسلمين في بلد يبعد عن مهد الرسالة آلاف الأميال والكيلومترات، في بلد المسلمين فيه أقلية والديانة الإسلامية تأتي ضمن سلسلة طويلة من الثقافات التي لا حصر لها، ومع ذلك ظلت عظمة الإسلام صامدة بصمود الرسالة التي نزلت لكل البشرية ووصلت لأقصي الكرة الأرضية، ويكفي أنها ومنذ فجر الإسلام وحتى يومنا هذا صامدة وشامخة في بلد مثل الصين الذي يتجاوز عدد المسلمين فيه الخمسة ملايين مسلم.

ـ لقد صادف وجودنا في المسجد وقت أذان الظهر وكان صوت الأذان ومشهد المصلين الصينيين يدعو للتأمل، خاصة وأن الأجواء في مسجد نيوجيه تأخذنا إلى الوراء لأكثر من ألف عام ، وهو موقف يصعب تصويره بالفعل لأن المكان ليس موقعاً أثرياً وتاريخياً كالمواقع التي أعتدنا عليها، بل هو مختلف تماماً بحكم أن من يأتي لهذا المسجد يأتي من أجل الصلاة وأن هذا الجامع الذي بني في القرن العاشر لا يزال يعتبر مقصداً يومياً لكل مسلمي بكين منذ ذلك القرن وحتى يومنا هذا، ووجودنا فيه وأداؤنا للصلاة أعادانا بالفعل للقرن التاسع حيث البدايات الأولى للرسالة الإسلامية.

كلمة أخيرة

ـ الوجود في مسجد تجاوز عمره الألف عام وفي دولة بحجم الصين التي تعتبر ثالث أكبر دولة في العالم والأولى من حيث عدد السكان، يشعرنا كمسلمين بالفخر ويعكس حقيقة الدين الإسلامي الحنيف والرسالة التي جاءت لتعم البشرية في مختلف أرجاء المعمورة، والدقائق التي قضيناها في جامع (نيوجيه) كانت بمثابة دعوة للتأمل في عظمة هذا الدين وسماحته.

mjasim@albayan.ae