يبدو آسافا باول حامل الرقم القياسي العالمي السابق واثقاً من الفوز قبل مسابقة 100 م عدو التي ينافسه على ميداليتها الذهبية كل من تايسون غاي وأوسيني بولت. وعن اللقاء المرتقب الذي يحدد هوية أسرع رجل في العام يقول باول: «ما أسمعه حول هذا السباق وموقفي منه أعتبره لا شيء» وذلك بعد أن علق أحد الصحافيين أنه قبل يومين فقط من موقعة «التيتان».
كما أسماها كونها إحدى أكثر المسابقات الأولمبية إثارة أن باول لم يعد أسرع رجل في العالم، بل عداء متردد وانخفض مستواه عما كان عليه، وأن عرشه السابق اهتزت قواعده بواسطة تايون غاي الذي تفوق عليه في بطولة العالم في أغسطس الماضي، وحتى عندما حقق رقماً عالمياً جديداً بعد ذلك بأسابيع قليلة أصيب باول بالذهول عندما ركض صديقه ومواطنه الجامايكي أوسيني بولت أسرع منه في مايو المنصرم محققاً 72 .9 ثوان رغم أنها كانت مشاركته الرابعة فقط في سباق 100 م. وفي يوم السبت المقبل يجد باول نفسه أمام كل من غاي وأوسيني في أعظم المسابقات الأولمبية في التاريخ.
وتنتاب باول رغبة جامحة في الفوز في بكين ساعياً لدحض الشكوك ما أصابه من ضعف وإن كانت المآسي الشخصية التي تحيط به لا يستطيع تجاهلها بسهولة وعنها يقول: «عانيت من جملة من المشاكل والأحداث على الصعيد الشخصي والناس يرونني وأنا أركض وهم يتصايحون منتقدين دون أن يدري أحد منهم مدى المأساة التي تحيط بي». وقبل ستة أعوام مضت عندما كان باول أحد أشقاء خمسة وهو في التاسعة عشرة قُتل شقيقه مايكل بطلق ناري في مدينة نيويورك داخل إحدى سيارات الأجرة، وعندما يتذكر باول هذه الواقعة يتحدث بهدوء ونعومة عنه بالقول: «شاهدت الوالدة وهي تركض في كل اتجاه عندما بلغنا خبر مقتله بينما كنت أحاول معرفة ما حدث وهي تردد: قُتل مايكل.. مات مايكل، ثم تكدَّر وجه باول قليلاً وهو يلمس خدّه كأنما يعزِّي نفسه مضيفاً: «كنت في طريقي للمشاركة في سباق التجارب التأهيلية عندما بلغني الخبر فلم أدر ماذا أفعل كونها المرة الأولى التي أفقد شقيقاً وكانت الدموع تنهمر من عيني بغزارة».
وعند سؤاله كيف وجد الشجاعة للمشاركة في ألعاب الكومنولث التي تحوّلت إلى مسابقة لا معنى لها أجاب قائلاً: «قلت لنفسي إنني لن أشارك فوضعت حقيبتي جانباً وخلعت ملابسي، ووقتها كان شقيقي الآخر دونافان في تكساس فاتصل بي هاتفياً وطالبني بالمشاركة مؤكداً أن هذا ما كان الشقيق المتوفى مايكل يرغب فيه. وبالفعل أعادني إلى الوعي والواقع رغم أنني كنت أبكي دائماً ومزق تماماً من الداخل وبالفعل استطعت التأهل مع الفريق رغم أنني أنهيت التجربة في المركز الرابع بعد أن بدأته متصدراً كان موقفاً في غاية الصعوبة». وقبل أن يفيق باول من صدمة مقتل أخيه مايكل يقول: «ثم فقدت شقيقاً آخر هو فوان العام التالي، كان في أميركا يمارس لعبة كرة القدم فانهار فجأة وتوفى، وتمضي عليّ أوقات مريرة أمضيها في غرفتي وأنا أتذكرها فأبدأ في البكاء فهذه الأمور لا تمضي بسهولة».
ثم ينتزع باول نفسه من حديث المأساة معلقاً: «أما عن لقاء السبت المصيري فأنا أتخيل الشقيقين كأنما هما أحياء وهما يتقافزان مشجعين لي.. هذا هو أخي.. لقد كانا مهوسين بمشاركاتي في سباقات العدو».
ووسط كل هذا الحزن الجارف ما زال باول يركض كالحلم، وبعد أن حطم رقمه القياسي السابق في سبتمبر الماضي ركض أسرع ستة سباقات في 100 متر في تاريخ اللعبة لكن للأسف جاء السباق الذي يعني لديه الكثير على عكس ما يشتهي وهو بطولة العالم في أوساكا اليابانية التي خسرها أمام غاي العداء الذي قال عنه باول إنه «فاز عليه مئات المرات ثم خسر أمامه السباق الأهم».
ويبدو أن التجربة كانت تطارده دائماً فقال محاولاً تبريرها «كنت واثقاً أكثر مما يجب بعد انا لم أفقد سباقاً خلال ثلاث سنوات فاعتقدت أنني قادر على إحراز رقم عالمي جديد وكان هذا خطأ أفقدني التركيز وعندما شاهدت غاي وهو يتجاوزني لم أصدق ما حدث حيث كنت في المقدمة».
والآن بعد أن اقتربت اللحظة الحاسمة هل يتجاوز باول الذي كان الأسرع في العالم أحزانه الأسرية ويعود شيطان سباق 100 متر الذي لا يُقهر وكما وصفه العداء الأسطوري السابق مايكل جونسون؟
محمد سيف النصر



