* عندما نجحت الصين في أن تجمع كل دول العالم على أرضها من خلال استضافتها للأولمبياد، فإنها لم تهدف من وراء ذلك إلى أن تستعرض تفوقها البشري باعتبارها أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، كما أنها لم تسع إلى استعراض قدراتها التكنولوجية .

كما يفعل الكثيرون في مثل هذه المناسبات، إنما كان كل حرصها وتركيزها منصبا على استعراض تراثها وتاريخها وموروثها الحضاري الذي تتباهى به والذي جعل منها دولة عظمى يزداد دورها ويتعاظم من يوم لآخر نتيجة لتمسكها بذلك الإرث الحضاري، ولولا ذلك الحرص لما وصلت الصين إلى هذه المكانة التي جعلت منها إحدى الدول الكبرى في العالم.

* لقد أراد الصينيون أن يوصلوا رسالتهم تلك للعالم من خلال فقرات حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية، ومضمون الرسالة كان واضحا وأعتقد أنها وصلت لكل من يعنيه الأمر، خاصة أولئك الذين بهرهم سحر الغرب وباتوا يتهافتون عليه من أجل الأخذ منهم ومن ثقافتهم دون أي اعتبار للثقافة الحقيقة للبلد الأم، الأمر الذي كان وراء ضياع الهوية الوطنية للكثير من الدول.

ومع مرور الوقت وتتابع الأجيال لم يعد هناك وجود لثقافة البلد بعد أن حلت مكانها الثقافة والفكر المستورد من الخارج، ولم يعد للجيل الجديد من الموروث المحلي ما يأخذ به بعد أن حلت الثقافات الدخيلة مكانها وألغت بدورها الهوية الوطنية وقضت عليها.

* التجربة الصينية في هذا المجال رائدة، والصين وعلى الرغم من عظمتها كدولة وصل تعداد سكانها إلى مليار ونصف المليار، ورغم تفوقها في الكثير من المجالات ورغم أنها من أكبر الدول المصدرة في العالم، إلا أنها كسائر دول العالم تنقصها بعض الأمور التي تستوردها من الخارج ولا خلاف في ذلك.

ولكن دون أن تؤثر تلك العملية في الواقع المجتمعي الذي يحرص الصينيون على الحفاظ عليه لأنه يميزهم عن غيرهم من الشعوب والثقافات الأخرى بل على العكس، حيث إنهم يسعون لنشر ثقافاتهم في كل الدول التي يعيشون فيها دون أن يتنازلوا عن مورثوهم الثقافي الذي يعتبر خطاً أحمر ممنوع تجاوزه..!

كلمة أخيرة

* رغم أن الصين كانت تخاطب العالم بأسرة في العروض التي قدمتها في حفل الافتتاح، إلا أنها لم تخرج عن محيطها المحلي ولم تبهرها الأضواء الخارجية وقدمت حفلا عالميا بالطريقة الصينية وباللهجة التي يتحدث بها أكثر من مليار ونصف المليار نسمة.. إنها رسالة الصين للعالم..!

mjasim@albayan.ae