تابع أكثر من ثلاثة مليارات شخص حفل افتتاح الألعاب الأولمبية 2008 في بكين بالكثير من الدهشة والإبهار بعد أن أثبت الصينيون أنهم أساتذة في الاستعراضات الملحمية مؤكدين بهذا العرض الرائع تطبيقهم لشعار الأولمبياد «عالم واحد ـ حلم واحد» في مشهد أشبه بلاعب يشارك في اللعبة الصينية الرائجة «ما غونغ» وهو ضامن الفوز بها.
وكان حفل افتتاح الأولمبياد في نسخته التاسعة والعشرين عبارة عن زواج تم في هندسة بديعة بين الخرافة والدقة العسكرية وبمقياس لا تقدر عن تنفيذه إلا دولة ذات حزب حاكم واحد وبهذا الحجم من الثقة، والحفل مميز ليس فقط في روعته الفنية بل الإحساس الضخم بأهمية تقديم العظمة التي أصبحت السمة السائدة في الاحتفالات الاولمبية، ونجحت بكين في كل ذلك باقتدار وامتياز.
نعم كان العرض أكبر وأفضل من حفل أثينا الذي تعادل في روعته مع احتفال سيدني من قبله وكلاهما جعل حفل أطلنطا يختبئ خجلاً أسفل قبعته وهو الذي كان أسوأ بكثير من حفل برشلونة الذي سبقه وهكذا تتداعى إخفاقات حفلات الماضي وصولاً إلى موسكو 1980.
وفي البلد الذي اخترع الألعاب النارية كان الإنتاج مختلفاً عن سواه من حيث الروعة والإبهار وكذلك الأزياء المستوحاه من العادات الصينية القديمة والثقافة التي تمثلها فجاء المشهد أشبه بما تقدمه هوليوود من روعة تعاملها مع قصص الماضي السحيق «عالم واحد حلم واحد» هو الشعار الذي رفعه الصينيون وان كان ذلك فقط في مخيلة رجال التسويق والسؤال الذي ظل يدور حول العالم من أثينا ومنذ شهر مارس الماضي هو «ماذا بعد؟».
والآن يتضح أن اللجنة الدولية الأولمبية لو منحت حق تنظيم الأولمبياد إلى القمر أو حتى كوكب المريخ لما نظمت حفل افتتاح بنفس روعة ما حدث في بكين.
والآن إذا أردنا إلقاء نظرة حول عدد من شارك في هذا الحدث الكبير لاتضح الآتي:
* 3 مليارات شاهدوا حفل الافتتاح حول العالم
* 204 شاركوا في حمل الأعلام
* حامل علم واحد أدلى بتصريح سياسي
* 90 شخصية سياسية ورؤساء دول حضروا الحفل
*30 كرسيا متحركا لجمهور المعاقين
* 9 آلاف عضو من أعضاء جيش التحرير قاموا بقرع الطبول الذهبية على أرضية الملعب
* ثانية واحدة قبل انطلاق صيحات الإعجاب من المدرجات
*4 ساعات الوقت الذي استغرقه الحفل
* 2488 متطوع داخل الملعب
* 91 ألف مشاهد داخل الملعب
* 26 سيارة إسعاف على أهبة الاستعداد
* 5, 62 بالمئة نسبة الرطوبة.
هذه الأرقام تتماشى تماماً مع المال الذي أنفقته خزينة الصين الأولمبية، وهو 40 مليار دولار أميركي (حوالي 20 مليار جنيه استرليني) أما عدد من اعترض على هذا البذخ الأولمبي فهو (صفر) شخص.
كذلك تبدو الأمور حول ملعب عش الطائر كأنما صدرت التعليمات أن يترك كل شخص سخريته خارج الملعب قبل الدخول، وهي مسافة نصف ميل بعيداً عن مداخل الملعب، وهي مساحة تغطيها طائرات الهليكوبتر من الأعلى والأسلاك الشائكة والآلاف من رجال الامن من الأسفل لتأكيد دواعي الأمن والسلامة.
أما داخل الملعب، فتعرضت مشاعر الحضور لكثير من الصفعات المحببة الواحدة تلو الأخرى وبإمكان المخرج زهانغ يمو أن يموت سعيداً بما قدمه خلال الحفل من إعجاز وبعد أن قدم ثقافة بلاده الفنية في أناقة شديدة من واقع عدد كبير من التابلوهات الراقية جمعت بين تعابير اللغة الراقصة وميلودية الإرث الصيني فاحش الثراء قدمت ألحانه مئات الفتيات الحسناوات دون ارتكاب هفوة واحدة.
أما الأزياء فلا يمكن وصفها بالكلمات ولا تعابير أي لغة حية سوى أنها الإبداع بعينه، وفي شكل فوضى مقصودة تحمل كافة معاني الانضباط في تلميحات واضحة لكل حقبة من حقب التاريخ الصيني ذي الجذور الضاربة في القدم.
كيف لا ينجح العرض بعد أن أمضى الفنانون والراقصون 13 شهراً في التدريب على كل الحركات التي قدموها فوق أرضية ملعب عش الطائر الذي يستضيف الوفود الرياضية لدول بالكاد هي في حجم العاصمة بكين وكذلك من دول من القوة بحيث دخلت وفودها الملعب كأنها الجيوش الغازية.
وبعد أن خفتت الموسيقى وارتفع دخان الحفل إلى الأعلى يتشابك مع الضباب والسحب العالقة في السماء تصاعد النداء لدخول الرياضيين اللاعبين الحقيقيين الرجال والسيدات الذين من أجلهم تم تصميم كل هذا الحفل.
قصة حامل العلم الأميركي من السودان وعندها جاء أول حفل يعكر صفو الحفل من رجل شجاع حامل علم فريق الولايات المتحدة العدو الأول للصين وهو لوبية لومونغ وهو عدَّاء لا يشبهه عدَّاء آخر في الأولمبياد.
بدأ لومونغ العدو عام 1991 عندما كان في السادسة. ومارس العدو مع أسرته هرباً من الرصاص الذي هدد أمن القرى السودانية ومنها قرية كومونتونغ. وخلال ثلاثة أيام واصل لومونغ هو وشقيقاه الأصغر في رعب أعمى وسط الأحراش ثم انفصل عنهم ليجد نفسه على الحدود الكينية فاحتواه أحد معسكرات اللاجئين، وتحول المعسكر إلى منزل للومونغ لمدة عشر سنوات وبعد زيارة لإحدى الجمعيات الخيرية للمعسكر وجد لومونغ نفسه في الولايات المتحدة عام 2001.
وهناك تبنته إحدى الأسر البيضاء من الطبقة المتوسطة في نيويورك. وحصل لومونغ على الجنسية الأميركية العام الماضي. ثم أثبتت السيقان التي حملته إلى الحرية منذ 17 سنة أنها من القوة والسرعة بحيث حملته مجدداً إلى عالم ألعاب القوى والعدو.
وتحول لومونغ إلى الخيار الأول لدى كافة زملائه الرياضيين الأميركان فاختاروه لحمل العلم باعتباره أفضل من يحمل رسالة خاصة من أميركا إلى الصين مفادها أن مساندتهم لمجزرة ذهب ضحيتها 400 ألف سوداني غير مقبولة.
جئت إلى هنا كرياضي
من جانبه قال لومونغ العداء الذي يشارك في سباق 1500م مع فريق الولايات المتحدة انه رفع علم دولته الجديدة في حفل افتتاح الأولمبياد كرياضي وليس كناشط سياسي ولا علاقة له بما يحدث بين الولايات المتحدة والصين من خلافات في مجال حقوق الإنسان أو دعم الصين للحكومة السودانية حول ما يجري في إقليم دارفور.
يقول لومونغ أنا هنا كرياضي يمثل دولته ولكي ألهم الأطفال الآخرين الذين يتابعون الألعاب الأولمبية مثلما تابعت أنا ألعاب سيدني من قبل وبالنسبة لي أعتبر أن الأولمبياد فرصة ليعيش البشر بكافة أجناسهم وأعراقهم في سلام والآن أتشوق للمشاركة والفوز بميدالية أهديها لبلادي.
وعن زميله جوي تشيك الذي رفضت السلطات الصينية منحه تأشيرة دخول وهو صاحب ذهبية التزلج السريع عام 2002 كونه مؤسس حزب «تيم دارفور» وكان ينوي الحديث حول الموضوع في الصين.
كذلك تحدث لومونغ عن تأثير الرياضيين الأميركيين عندما شاهد مايكل جونسون وهو يشارك في أولمبياد سيدني عام 2000 عبر تلفزيون غير ملون. وبعد ذلك بعام انتقل إلى الإقامة في الولايات المتحدة وتحول إلى عداء لمسافة 1500م مستلهماً تفوقه من ذكرياته مع مايكل جونسون والآن أصبح أفضل عداء أميركي مولود خارج البلاد.
وعن اختيار لومونغ لحمل العلم الأميركي يقول شوي دالين أحد المسؤولين الأولمبيين في الصين ان المنافسة الرياضية والسياسة شيئان مختلفان آملاً أن تساهم الألعاب في إبداء روح الصداقة بين الدول والشعوب.
