بدأت الألعاب الاولمبية في نسختها السادسة والعشرين في أتلانتا، الذكرى المئوية لانطلاقتها في أثينا. في هذه المناسبة تحطمت الأرقام القياسية كلها بالنسبة لعدد الدول المشاركة الذي بلغ 197 دولة. وتبارى من 19 يوليو إلى 4 أغسطس 10320 رياضيا بينهم 3532 امرأة في 271 مسابقة ضمن 27 لعبة، وتوج في النهاية 842 رياضيا ورياضية في المراكز الثلاثة الأولى.

بعد 12 عاما على ألعاب لوس أنجليس المبتورة بسبب المقاطعة الشرقية ردا على «الموقف» من ألعاب موسكو 1980، عادت المباريات الاولمبية إلى الحضن الأميركي الرحب. ومثل اختيار أتلانتا غايات تتعدى النطاق الأميركي والإرث الاولمبي، فالمدينة معقل شركة كوكا كولا احدى المؤسسات الكبيرة الراعية للألعاب واللجنة الاولمبية الدولية، وشركة «سي بي اس «التلفزيونية التي دفعت 456 مليون دولار من حقوق النقل التلفزيوني للمسابقات والبالغة نحو 898 مليونا. لذا فضلت أتلانتا على أثينا التي كانت تطمح باستضافة المئوية «لتكرر التاريخ «وبلغراد ومانشستر وملبورن وتورنتو. المهم أن خطوة عملاقة تحققت في أتلانتا حين تناسى الجميع قصص المقاطعة كلها بوجود 197 دولة، والمتاعب المادية بفضل الوفر المحقق من خلال عائدات النقل التلفزيوني. ولا شك أن محيي الألعاب الاولمبية الحديثة البارون الفرنسي بيار دو كوبرتان، لن يتعرف على مولوده في «نسخته المئوية» لو تسنى له العيش حتى يومنا، لأنه أصبح عملاقا يضم أكثر من 10 آلاف رياضي و6000 مدرب و15 ألف صحافي و103 آلاف فرد لحفظ الأمن، بينهم 42 ألف متطوع. وكانت الألعاب الأولى في أثينا عام 1896 انطلقت بمشاركة 245 رياضيا من 14 دولة.

التجمع الأكبر... شكلت الدورة أكبر تجمع إنساني في القرن العشرين، باعتبار أن الألعاب الاولمبية لا تزال ذات طابع أسطوري رمزي موحد، ولان اللجنة الاولمبية ألغت التمييز بين الاحتراف والهواية ما زاد من حماسة المشاركة. فشاهدنا في المباريات عمالقة من اللاعبين المحترفين، أمثال البرازيلي بيبيتو في كرة القدم، والأميركي أندريه أغاسي في كرة المضرب الذي اعتبر انه دخل التاريخ بميداليته الذهبية، والأسباني اندروين في الدراجات. أما الطابع التجاري والإغراءات المادية فقد جعلت كثيرين يتهافتون للاستفادة لان هذه الألعاب البالغة تكاليفها 7,1 مليار دولار، درت على منظميها أكثر بكثير، ويبقى القاسم المشترك لمعظم المشاركين ما ردده ابن المدينة مارتن لوثر كينغ «عندي حلم» وذلك في 27 أغسطس 1963، حين عبر عن حلمه بان يجلس أبناء المستعبدين وأبناء المستبعدين معا وراء طاولة الحرية.

أما رئيس اللجنة الاولمبية الدولية خوان انطونيو سامارانش فقد سلم محمد علي ميدالية ذهبية عوضا عن تلك التي أحرزها في دورة روما عام 1960، ورماها في نهر أوهايو استياء لطرده من مطعم ومطاردته من قبل عصابة من البيض. كما شهدت أتلانتا بعض مظاهر التآلف والسلام. وقال الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر إن وجود رياضيين كوريين شماليين وفلسطينيين في الدورة، برهان على أن المسابقات الرياضية تحطم الحواجز كلها... على أن سلبيات عدة حصلت ولم يستطع المنظمون تحاشيها.

وقد بدأت المشكلات المرتبطة بالتنظيم والاستضافة تظهر مباشرة بعد حفلة الافتتاح، إذ تبين لعدد كبير من الحضور، انه من المستحيل الوصول إلى الحافلات المخصصة لنقلهم إلى فنادقهم، ما اضطر بعضهم إلى «اجتياح» الحافلات الموجودة، وقد دخلها أيضا البعض من الشبابيك في أجواء متوترة، فيما آثر ذوو الأعصاب الباردة العودة مشيا مهما طالت المسافة.

خروقات أمنية

وتبين أن سمعة المدينة وجوارها بالنسبة لمواصلات بعيدة جدا عن الواقع، واعترف سامارانش انه خدع حين صدق ما قيل عن تجهيزات أتلانتا في المواصلات، وبدا أن سكان المدينة أنفسهم مخدوعون بقدراتها، وان الاهتمام المفرط بالأمن والخوف من الإرهاب أدى إلى الإخلال بتأمين الشروط المطلوبة في المواصلات.

ولكن مع ذلك حصلت خروقات للستار الحديدي الأمني، فاعتقلت الشرطة رجلا مسلحا بمسدس و11 طلقة، دخل الملعب بزي رجل أمن قبيل وصول الرئيس بيل كلينتون لحضور حفلة الافتتاح. كما أن الانفجار الذي هز المنتزه المؤوي الاولمبي، كشف أيضا عن وجود ثغرات مخيفة في جهاز الأمن، وشكل النقطة السوداء الكبيرة.

وقع الانفجار عند الواحدة و20 دقيقة صباح 27 يوليو، وأدى إلى سقوط قتيلين وإصابة أكثر من 110 أشخاص بعضهم إصابات بالغة. وقبل ساعات قليلة من الانفجار، أعلن شخص من خلال كشك للهاتف ان قنبلة ما وضعت في مكان ما، ووجه الاتهام في الوهلة الأولى رسميا إلى ريتشارد جويل الذي كان أعلن أنه شاهد حقيبة مشتبه فيها وابلغ أجهزة الأمن، لكن تمت تبرئته من قبل مكتب التحقيقات الفيدارلي (اف بي أي) في أكتوبر 1996.

وفي نهاية عام 1998، وجه الاتهام إلى اريك رودولف المعروف بأفكار اليمين المتطرف، وثلاثة أشخاص آخرين. ومن السلبيات أيضا أن أجهزة الكمبيوتر التي يتغنى بها الأميركيون، والتي كان يفترض أن تعكس فكرة عن التطور المرتقب والمذهل في القرن الحادي والعشرين، سببت أخطاء أربكت القيمين على المباريات وإصدار النتائج.

وطبعا لا يمكن أن تكون الأمور سيئة كلها في أتلانتا، إذ طور مختبر فحص المنشطات، ولم تكشف حالات ايجابية عند النجوم المميزين، ومع ان الفحص الذي خضعت له الكوبية استيلا رودريغيز اثبت أنها منشطة، لكنها لم تنل سوى إنذار وبالتالي احتفظت بميداليتها الفضية في الجودو (وزن فوق 78 كلغ) لان مادة «فوروسيميد» المدرة للبول التي تناولتها غير مدرجة على لائحة المحظورات. ويبقى القول إن دورة أتلانتا شهدت أحداثا رياضية مهمة، ولكنها لم ترتق إلى مصاف الدورات التاريخية.