خيمت عبارة «هولا هولا» الترحيبية طيلة أيام ألعاب دورة برشلونة الاولمبية التي أقيمت من 25 يوليو إلى 9 أغسطس 1992 في برشلونة. واستقطبت ألعاب الاولمبياد الـ 25 اهتمام البشرية واعتبرت تحولا بارزا في الحركة الرياضية العالمية، وقبل الدورة الأخيرة في القرن الـ 20 التي ستنظم في مدينة أتلانتا الأميركية، وتحتفل خلالها الأسرة الاولمبية العالمية بالعيد الذهبي المئوي لإطلاق الألعاب الاولمبية الحديثة.
التنظيم والاحتفالات والمسابقات تبرز كل مرة سابقاتها، ويدخل التطور والحداثة في إشراك المحترفين والتسويق الإعلاني، وكل ذلك يؤكد ان الدورات الاولمبية أصبحت مسرحا تجاريا مستمرا ومختبرا علميا مفيدا. شارك في دورة برشلونة 9344 رياضيا بينهم 2708 عدائين من 169 بلدا، تنافسوا في 257 مسابقة ضمن 25 لعبة هي: ألعاب القوى، التجديف، البادمنتون، كرة السلة، البيسبول، الملاكمة، الكانوي- كاياك، الدراجات، الفروسية، المبارزة، كرة القدم، السباحة، الخماسية الحديثة، كرة المضرب، كرة الطاولة، الرماية، القوس والسهم، الكرة الطائرة واليخوت.
وكانت الحصيلة النهائية تتويج 259 بطلا وبطلة حصدوا 815 ميدالية، وتابع وقائع الألعاب 3,5 مليارات نسمة وتولى المحافظة على أمنها 45 ألف شرطي، وأوقدت شعلتها بسهم «ناري» أطلقه البطل المقعد انطونيو روبيللو. «برشلونة 1992» التي نالت شرف تنظيم الألعاب على حساب أمام أمستردام وبلغراد وبرمنغهام وبريسبان وباريس، شهدت عودة جنوب أفريقيا إلى الدورات الاولمبية بعد غياب 32 عاما وكوبا بعد غياب 20 عاما.
وجاءت ألمانيا موحدة بعد سقوط جدار برلين، وكذلك اليمن، وودعت أسرة الدول المستقلة الألعاب حيث شاركت كمجموعة واحدة للمرة الأخيرة. وجاءت جمهوريات البلطيق الثلاث استونيا ولاتفيا وليتوانيا التي استقلت بعد زوال الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1991، وبعدما كان زعماؤه في الكرملين يقيسون نجاح ايديولوجيتهم بعدد الميداليات الذهبية لرياضييهم، والتي كانت تفوق ذهبيات عدوهم الرأسمالي اللدود الولايات المتحدة. وستصبح مجموعة الدول المستقلة 13 دولة أي 13 بعثة مختلفة في الاولمبياد المقبل.
وفي حين عادت ألبانيا بعد عزلة في ظل القيادة الستالينية، حضرت جمهوريات الاتحاد اليوغوسلافي كلا على حدة بعد تفككه، ووحده وفد صربيا والجبل الأسود سار خلف الراية الاولمبية فالكيان الجديد لم يبلور بعد مدى محيطه وحدود في ظل النزاع الناشب مع البوسنة، والعقوبات الدولية التي تحاصره. وكان أوفر الرياضيين ألقابا في برشلونة البطل البيلاروسي (روسيا البيضاء) في الجمباز فيتالي شيربو الذي انتزع ست ذهبيات، على غرار ما فعلت السباح الألمانية الشرقية كريستين اوتو 988.
وانتزع كل من الروسي يفغيني ساد وفيي والمجرية كريستينا ايغرزيغي ثلاث ذهبيات في سباحة 100 و 200 م ظهرا و 400 م متنوعة ومواطنها تاماش دارنيي ذهبيتين 200 و 400 م حرة ، كما برز الروسي ألكسندر بوبوف على حساب الأميركي مات بيوندي في الـ 50 و100 م حرة.
وعوض الأميركي الفذ كارل لويس استبعاده في سباقه المفضل الـ 100 م، بفوزه بذهبيتين، الأولى خلال احتفاظه بلقب الوثب الطويل للمرة الثالثة على التوالي، والثانية من خلال مشاركته فريق البدل 4 مرات 100 م في تحطيمه الرقم القياسي العالمي ( 40، 37 ثانية)، رافعا ميداليته الاولمبية الذهبية الى 8 ميداليات.
وقهر البريطاني لينفورد كريستي الأميركيين في سباق الـ 100م، وهو في الثانية والثلاثين من عمره!
وسقط الأوكراني سيرغي بوبكا في القفز بالزانة، وفشل الكندي بن جونسون العائد سعيا للتكفير عن ذنوبه، في بلوغ نهائي الـ 100 م.
واستقطبت كرة القدم بالاهتمام رغم ضآلة الجمهور، لكن المباراة النهائية بين اسبانيا وبولندا (3 - 2) كانت استعراضا رائعا جذب وسائل الإعلام بعد تجاهلها لها منذ مستهل الدورة. وبلغ عدد الحضور 95 ألف متفرج، والحماسة لم تبلغ قط الذروة كما حدث في تلك الليلة، والتي لخصها احد الصحافيين المحليين بقوله: احفظوا هذه الصور في ذاكرتكم، فلن تتكرر.
ويمكن القول ان اسبانيا نجحت في عملية التجميل التي أجرتها لمنتخبها. وكان الاسبان يجدون في الفرق المحلية تجسيدا لآمالهم، لا في المنتخب، لكن ست مباريات إضافة إلى مباراة نهائية رائعة، كانت كافية كي يتربع لاعبو المدرب فيسنتي ميرا على العرش.
دراماتيكيا، كانت العداءة الأميركية غايل ديفرز مرشحة لإحراز المركز الأول في سباق 100 م حواجز وهي انطلقت بقوة وتصدرت في الحاجز الرابع لكنها اصطدمت بالحاجز الأخير وفقدت توازنها حتى خط النهاية، الذي وصلته بسقوطها على الأرض محتلة المركز الخامس.
وأصيب البريطاني ديريك أبرز المرشحين للفوز بسباق 400م، في الدور نصف النهائي وسقط على المضمار، بيد أنه نجح في الوقوف وحاول إكمال السباق مترنحا والدموع في عينيه من شدة الآلام، وتوجه والده جيم صوبه واتكأ عليه حتى الأمتار الأخيرة من السباق فتركه يدخل وحده إلى خط الوصول.
ولعل أبرز الحاضرين للدورة كان رئيس اللجنة الاولمبية الدولية الماركيز خوان انطونيو سمارانش، فهو على رأس الحركة الاولمبية وهرمها منذ العام 1980، ولا بد ان يفتخر باحتضان برشلونة، مسقط رأسه، دورة «الوحدة الاولمبية» التي استطاعت استيعاب التغيرات التي طرأت على الساحة السياسية العالمية، من تفكك دول وانهيار معسكرات والانفراط الدموي للاتحاد اليوغسلافي... وليس من قبيل المغالاة القول ان اللجنة الاولمبية الدولية استطاعت ان تحقق في «الاولمبياد الخامس والعشرين» الذي أنهى عهدا من المقاطعات، ما عجزت عنه منظمة الأمم المتحدة.
سلة
«دريم تيم» يخطف الأضواء في الدورة
كانت مسابقة كرة السلة هذه المرة هي الأبرز، وبفضل فريق الحلم الأميركي «دريم تيم» تحول قصر الرياضة الذي استضاف المباريات إلى قصر الأحلام، إذ إن الحلم أصبح حقيقة، وأثبت لاعبو الولايات المتحدة المحترفون أن كرة السلة الحقيقية هي ما وراء الأطلسي، وقد سر المنظمون لقاء نفاذ البطاقات، أما الحضور فكان معظمهم يحمل آلات التصوير لترسيخ ذكرى تلك المباريات العالمية.
ومشاركة أقوى فريق عرفه تاريخ كرة السلة، كان معجزة. ومثل هذه المعجزة لم تكن ممكنة قبل إلغاء الحواجز الاولمبية أمام المحترفين. واعتبر كثر أن مشروع جمع كبار لاعبي كرة السلة في الولايات المتحدة في منتخب حقيقي ضرب من الجنون، لان إقناع نجوم هذه اللعبة الذين يتقاضون مبالغ خيالية كل سنة لإطالة موسمهم، في مقابل إنجاز غير مضمون ماديا كان صعباً، مع العلم أن إمكانية تقديم مباريات مجانية كان واردا.
لكن المتحمسين للمشروع راهنوا على الغرور الأميركي الذي سيرضيه ان يتابع ملايين المشاهدين، عبر شاشات التلفزة، إنجازا ومستوى كرة السلة في الولايات المتحدة، ومناسبة للثأر من هزيمة ميونيخ عام 1972 أمام السوفييت الذين انتزعوا الميدالية الذهبية، ومن الإهانة التي لحقت بهم في سيئول، إذ لم يحتل الأميركيون سوى المرتبة الثالثة.
