تقدمت عاصمة مقاطعة كيبيك الكندية مونتريال خمس مرات لاستضافة الألعاب الاولمبية الصيفية، وانتظرت حتى 10 مايو 1970 لتحصل على هذا الشرف وتتفوق على موسكو ولوس انجليس، وتميزت بملفها المتكامل من الالف إلى الياء فنالت 41 صوتا.
لكن طموحات بناء مرافق تؤرخ لحقبة جديدة في تاريخ المنشآت الاولمبية شكل كابوسا للمنظمين في ما بعد، إذ أدت إضرابات العمال المتتالية وموجات البرد القارس التي أوصلت الحرارة إلى درجة 40 تحت الصفر، إلى تأخير كبير في إنجاز المشاريع وإتمام الورش في مواعيدها.
وتفاقم الوضع المطالب العمالية الاجتماعية، ما أوقع حكومة المقاطعة في ورطة كبيرة، ولما انتهى كل شيء كشفت الحسابات والتكاليف زيادة بنسبة 427 في المئة خلال ثلاثة أعوام.
أنفق نصف مليار دولار لبناء الاستاد الرئيس الذي صممه الفرنسي روجيه تاليبير ويتسع لـ 72 ألف متفرج، وارتفعت تكاليف إقامة القرية الاولمبية المؤلفة من 900 شقة التي لم تفصل بين الرجال والسيدات من 50 إلى 80 مليون دولار...
وصحيح أن الألعاب سجلت أرباحا من العائدات والمداخيل المباشرة وغير المباشرة بلغت 260 مليون دولار، لكن نفقات البناء وتبعاتها الأخرى أوقعت الحكومة في ديون تطلب تسديدها سنين طويلة، على رغم ما استفادت منه المدينة والمقاطعة عموما من بنية تحتية متكاملة ومترو الأنفاق. فطرح الأمر مجددا عما ستقوم عليه الألعاب من عملقة في التنظيم والاستعداد لم تعد في مقدور الجميع. وهذا طبعا بعيد من الروح الاولمبية الحقيقية وغايتها السامية.
وفي موازاة الابتكار في البناء والتصميم وتوفير سبل الراحة في المرافق والملاعب، إذ ان إفراغ الاستاد الرئيس مثلا يتم في 7 دقائق، وإقامة أحواض سباحة عصرية تحت المدرجات، وتزويد حوض الغطس بمصاعد كهربائية توفيرا لطاقة المشاركين وجهدهم، واعتبار مضمار الدراجات «مساحة ضوء» مشعة، فان الفاتورة النهائية جاءت مرتفعة أكثر مما تصوره غلاة المتشائمين واللافت أن اللمسات الأخيرة أنهيت قبل دقائق من استخدام غالبية المرافق، ففوجئ المتفرجون والمشاركون بلافتة تنبهم من الاقتراب من الجدران الخشبية خشية أن «تلطخ» ثيابهم بالطلاء «الطازج» وأزكت رائحته أنوفهم!!
وأرخت العملية الفدائية في ميونيخ 1972، وبعدها عملية عنتيبي في أوغندا بظلالهما على دورة مونتريال، إذ استنفر 16 ألف عنصر أمن أي أكثر من نصف عدد المشاركين في الألعاب التي افتتحت بحضور ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية، وهي وقفت ساعة و22 دقيقة في المنصة الرسمية تستعرض المشاركين وقلبها يخفق لابنتها الأميرة آن عضو المنتخب الإنجليزي للفروسية.
وتجسيدا للتعايش بين الشعب الكندي أوقد الشعلة الكندي الفرنسي ستيفان بريفونتان (16 عاما) والكندية الإنجليزية ساندرا هندرسون (15 عاما). وهي نقلت إلى الأرض الكندية للمرة الأولى كعلامة إلكترونية بواسطة الأقمار الاصطناعية.
أقيمت ألعاب مونتريال من 27 يوليو إلى 1 أغسطس بمشاركة 6098 رياضيا بينهم 1247 لاعبة من 92 بلدا تنافسوا في 198 مسابقة ضمن 21 لعبة هي: ألعاب القوى، التجديف، كرة السلة، الملاكمة، الكانوي - كاياك، الدراجات، الفروسية، كرة القدم، الجمباز، رفع الأثقال، كرة اليد، الهوكي على العشب، الجودو، المصارعة، السباحة، الخماسية الحديثة، الكرة الطائرة، الرماية، القوس والسهم واليخوت.
وتبارت السيدات للمرة الأولى في التجديف فحصدت الالمانيات الشرقيات خمسة ألقاب وبلغاريا لقبين، وفي كرة السلة وكرة اليد حيث أحرزت السوفييتيات ذهبيتيها.
وكانت تسجلت 116 دولة لخوض الألعاب، لكن 22 دولة افريقية قاطعت في اللحظة الأخيرة احتجاجا على جولة لمنتخب نيوزيلاندا للرجبي في جنوب افريقيا «المعزولة» لانتهاجها سياسة التميز العنصري، ومن دون أن تعاقب نيوزيلاندا.
وكانت تلك صدمة لرئيس اللجنة الاولمبية الدولية اللورد كيلانين وخسرت الألعاب نجوما أمثال الأوغندي اكي بوا والكيني مايك بويت والتونسي محمد القمودي والتانزاني فيلبرت بايي. واحتجت الصين التي اهتمت للمشاركة بعد غياب طويل، لاعتماد تايوان... وفي النهاية لم تحضر الدولتان.
أما المحصلة الأخيرة للميداليات، فثبتت القوة السوفييتية في الصدارة وبلغ رصيدها 125 ميدالية بينها 47 ذهبية في مقابل 90 لألمانيا الشرقية، و94 للولايات المتحدة.
وحلت ألمانيا الغربية رابعة برصيد 39 ميدالية واليابان خامسة 25 . وكانت جزيرة برمودا البالغ عدد سكانها 53 ألفا و500 نسمة نموذجا للبلدان الباحثة عن فسحة في ساحة التتويج، وأصبحت أصغر دولة تحرز ميدالية بفضل ملاكمها كلارنس هيل ثالث الوزن الثقيل الذي تميز باحتكار لقبه الكوبي تيوفيلو ستيفنسون على مدى ثلاث دورات من 1972 إلى 1980.
ولعل طموح برمودا وغيرها من دول الظل، شكل ظاهرة تطلع الدول الصغيرة والفقيرة للظهور والتميز عبر الرياضة والألعاب الاولمبية تحديدا. إذ يصبح الرياضيون سفراء فوق العادة وبصفة عالمية، وباتت الميداليات مجالا لتباهي الأنظمة ومطلبا قوميا بحيث تناهز شهرة حامليها وإنجازاتهم رواد العلم والثقافة.. ما حدا بالباحثين الاجتماعيين إلى تناول هذه الظاهرة في دراساتهم وتركيزهم على «الصناعة الرياضية» والمؤسسات التي «تنجب» أبطالا يعكسون الشهرة لبلدانهم ويروجون لها، وانتفت الغاية المثلى المرتكزة على أولوية العلاقات والاختلاط بين الشعوب من خلال الرياضة.
وحافظ المجري ميكلوس نيميت على ارث عائلي في الألعاب الاولمبية من خلال إحرازه ذهبية رمي الرمح وتسجيله رقما عالميا جديدا مقداره 58, 94 م، كونه نجل أمري نيميت بطل مسابقة رمي المطرقة في دورة لندن 1948.
ونال «البلاي بوي» النيوزيلندي جون وولكر الغفران على مغامراته كلها بعدما استحق الفوز في سباق 1500 م (17, 39, 3 د).
وتعرف العالم على «الحصان» الكوبي ألبرتو خوانتورينا بطل سباقي 400 م (26, 44 ث رقم عالمي)، و800 م (50, 43 ر1د).
