قرار اعتزال المنافسات الذي أعلنه العداء المغربي هشام الكروج في مايو 2006، لم يكن مفاجئ بالنسبة لكثر من متابعين أخبار العاب القوى وأبطالها ونجومها، وهو من بينهم، خصوصا انه غاب عن المضمار منذ فوزه في ثنائية ال1500م وال5000م التاريخية في دورة اثينا الاولمبية سنة 2004.
وقد وعد بعد هذا لانجاز بالكثير الكثير وصولا، ربما، إلى جري سباقات الماراثون في السنوات الخمس التالية، لكن إصابات ونكسات صحية عدة جعلته يؤجل دائما استئناف خوض السباقات، إلى ان حسم الموقف وأعلن رسمياً الاعتزال، وهو في سن الثانية والثلاثين. وشاء الكروج ذلك في موعد الغروب، وطوي الصفحة الأخيرة من مسيرة استمرت 19 عاما، بات خلالها ثاني أشهر شخصية في موطنه بعد الملك.
أسف الكروج لفشله في حبس دموعه التي انهمرت على مقلتيه، وقال: «دموعي اليوم هي دموع الفرح وليست دموع الأسى »، مشيرا إلى انه سيدخل «في عالم آخر اجهل معالمه». وأضاف: أفضل رياضي في تاريخ المغرب «الأمر فوق طاقتي، وكيف لا ابكي وأنا أعلن اعتزالي العاب القوى الرياضة التي جلبت لي السعادة والمجد؟ الآن أدركت حقيقة شعور نجم كرة القدم الفرنسي زين الدين زيدان حين بكى عند إعلان اعتزاله، بت افهم معنى هذا اليوم التاريخي».
لقد كرس الكروج شبابه إلى العاب القوى التي أعطته الكثير، فهو حتى سن الرابعة والعشرين لم يرتاد ملهى ليليا أو مطعما فخما في حفلة ساهرة، ولم يدخل محلا لبيع الألبسة من الماركات العالمية. غير ان ابن العائلة الفقيرة من بيئة متواضعة في مدينة برقان بات مثالا للشباب، يحمل لهم رسالة عنوانها «الرياضة تفتح أبواب الأمل».
أدرك الكروج ان لكل شيء نهاية، لكنه يعترف ان ذلك تطلب تفكيرا عميقا وهادئا استمر أكثر من سنة، علما ان الامر راوده بعد الفوز في سباق ال5000م في اثينا. ويعترف انه لم يكن ينام جيدا طيلة الفترة السابقة إلى ان حزم امره بعد تأخير «مرده إلى إنني فضلت اتخاذ قراري بتأن لئلا اندم لاحقا أو اشعر بأني تسرعت».
دخل الكروج (76. 1م، 60 كلغ) معترك «أم الألعاب» وبرز سريعا وخاض سباقه الرسمي الاول سنة 1998، وعنه يقول: «كنت في سن الرابعة عشرة، كان هاجسي الفوز فقط، حدد المسار لمسافة 3 كلم على جادة محمد الخامس في برقان، وتقدمت الجميع، لكن خسرت في الأمتار الأخيرة.
ولم اكتف بالمركز الثاني إذ كنت متيقنا من امكاناتي الكبيرة وان باستطاعتي ان أصبح مثل سعيد العويطة»، ويتابع: «تجاسرت ان احلم وأقارن مستقبلا بهذا البطل الكبيرة. وتوالت الانتصارات تباعا كنت مجتهدا ومتعطشا لها، وعندما أحرزت بطولة المغرب بعد سنتين اخترت للانضمام إلى مركز الاعداد الوطني في الرباط».
رمز الشباب
يحمل الكروج على منكبيه مسؤولية كبيرة كما يقول، في بلد أكثر من 60 في المئة من سكانه من الشباب، «اذ على بعد النجاح الرياضي ان أبرهن ذلك في مجالات أخرى»، علماً أنه باقٍ في القطاع الرياضي عموماً، وطموحه ان يؤكد تفوقه إدارياً على غرار تألقه منافسا بارزا، وهو حاليا عضو في اللجنة الاولمبية الدولية (ممثلا للرياضيين) ويسعى إلى موقع أفضل للمغرب.
ويتطلع إلى ترؤس اللجنة المنظمة لبطولة العالم لألعاب القوى التي ستترشح بلاده لاستضافتها بدءا من 2011. كما وقع في اوجين (الولايات المتحدة) عقد مع شركة «نايكي» للتجهيزات الرياضية ليصبح احد سفرائها على غرار البطلين السابقين البريطاني سباستيان كو والأوكراني سيرغي بوبكا.
خلال «المسيرة الطويلة» حصد الكروج فضية وذهبيتين في الألعاب الاولمبية، وأربعة ألقاب عالمية في ال1500م، واعتزل وفي جعبته 5 أرقام عالمية لسباقات ال1500م (في الهواء الطلق والقاعات) وال2000م (الهواء الطلق). وسجل 7 من أفضل أرقام ال1500م وكسر حاجز ال30. 3 دقائق في ال1500م 36 مرة وأفضله رقمه العالمي (00. 26. 3 دقائق). كما سجل 38 فوزا متتاليا على المسافة (من آب/ أغسطس) 1996 إلى ايلول/ سبتمبر 2000). وخاض 89 سباقا لمسافتي 1500م والميل من 1996 إلى 2004، خسر خمسة منها فقط.
العصر الجديد
عام 1991، التقى المدرب عبد القادر قاده بالكروج في احد السباقات فتوسم فيه خيرا. وكان قاده في بداية مسيرته المهنية ولاحظ معالم الموهبة المميزة عند الفتى الصغير لكنه لم يستطع قياس حدودها. ويتذكر قاده مستعرضا شريط تلك المرحلة: «كان يملك مواصفات فنية استثنائية يمكن تطويرها بنسبة 30 في المئة، وتضاعفت بفضل إصراره وتصميمه على تحديد الهدف ورفع سقف التحديات، وعموما كنت استمتع في تدريبه لانه كالزرع في ارض خصبة».
جمعت بين الطرفين صداقة عميقة، ووضع قاده الخطط الكفيلة ليصل الكروج إلى غايته، «أخلصت له وأوجدنا خلية عمل متخصصة ومحترفة على الصعيدين الفني والطبي منذ ان أصبح بطلا للعالم في القاعات سنة 1995». ويتابع: «يومها ادركت انه سيمضي بعيدا في الانتصارات إذ بدأ يتحدى الجزائري نور الدين مورسلي خليفة العويطة اولمبياً وعالميا والذي خطف غالبية ارقامه القياسية».
وحين حل الكروج ثانيا خلف مورسلي في سباق ال1500م خلال بطولة العالم في غوتبورغ 1995، اتضح ان القادم الجديد سيقول كلمته قريبا. ولعبت الحمية الوطنية دورها، لا سيما عندما حاشر الكروج مورسلي السنة التالية في دورة أتلانتا الاولمبية، وتعثر في اللفة الأخيرة حين سعى إلى تجاوزه، فاعتبر بطلا وطنيا وان لم يتوج، وانه الفائز الحقيقي على رغم حلوله في المركز ال12.
ويكشف قاده «تجاوزنا في برامج إعداد الكروج أخطاء مرحلة العويطة الذي شارك في سباقات من ال800متر إلى 5000م، علما انه كان في مقدوره تحقيق 00. 43. 1 دقيقة في ال800م، لكن اين الفائدة من ذلك، لذا ركزنا على سيطرته في ال1500م، وتخصصه في هذا السباق، وما اسف له انه لم يحقق ارقاما اسرع من رقمه القياسي علما انه كان في مقدوره بلوغ 25. 3 دقائق وربما 7. 24. 3 دقائق، ووجدت في الكيني - النروجي ويلسون كيبكيتير على مسافة 800م نموذجاً مثاليا في التخصص».
ويعتبر قاده ان الكروج شكل محطة انتقالية في الأسلوب والانجازات، فقبله كان جري ال1500م بطيئا عموما باستثناء الانطلاقة السريعة من ال400 متر الأخيرة، ومعه بدأ عصر الإيقاع الخانق والضاغط منذ ال400م الأولى».
لكن ما يخشاه المراقبون ان يكون الكروج آخر حبات عنقود العمالقة المعاصرين، إذ استثنينا طبعا الاثيوبي كينينيسا بيكيلي، فمن دونهم تفقد السباقات رونقا لا تؤمنه الا مواهب «فوق العادة» وحضورها غير متوافر دائما
