شيئاً فشيئاً أصبحت الألعاب الاولمبية «فاصلة» بين الأحداث العالمية الكبيرة، لا بل جسدت معاني الهدنة الاولمبية القديمة، فبدت وكأنها فترة التقاط أنفاس بين جولة سياسية ومطلبية وأخرى.

فقد صادفت ألعاب الاولمبياد التاسع عشر التي أقيمت من 12 إلى 27 أكتوبر1968 في مكسيكو وسط أحداث دامية: حرب فيتنام واجتياح الاتحاد السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا، واغتيال مارتن لوثر كينغ والسناتور الاميركي روبرت كينيدي، وتفاقم الحركات الثورية والطلابية في أنحاء العالم، والثورة الثقافية الصينية وتداعيات الحرب العربية - الإسرائيلية.

وقبل الدورة بعشرة أيام شهدت ساحة الثقافات الثلاث وسط العاصمة المكسيكية اعتصامات واحتجاجات طلابية وإضرابات وتظاهرات وصدامات مع الشرطة. وبلغت الحصيلة 267 قتيلا و1200 جريح. وأوكل الرئيس المكسيكي غاستوفو دياز اورداز مهمة القمع لثلاثة آلاف شرطي أعادوا الهدوء إلى العاصمة وتمكن من إعلان افتتاح الألعاب في هذا البلد النامي، في ظل الحرب.

وأسهم إقامة المسابقات في أماكن على ارتفاع 2250 م فوق سطح البحر حيث تقل كمية الأوكسجين وتخف الأوزان في تدحرج الأرقام القياسية، وبعضها كان إعجازياً. فلا عجب أن يسقط 34 رقما عالميا و38 رقما اولمبيا وبفوارق كبيرة وملفتة، وان يتمكن مثلا سبعة من المشاركين في مسابقة الوثبة الثلاثية من «كسر» الرقم الاولمبي وخمسة من «تحطيم» الرقم العالمي، وفي مقدمتهم الفائز بالميدالية الذهبية السوفييتي فيكتور سانييف (39. 17 م)، في حين اكتفى الأول في دورة طوكيو عام 1964 البولندي جوزف شميدت بـ 58. 16م.

واعتمد التوقيت الالكتروني رسميا في الألعاب للمرة الأولى علما أن ضبط الوقت أخذ يدويا والكترونيا في مسابقات ألعاب القوى والدراجات والتجديف والكانوي كاياك والسباحة والفروسية. وأزال استخدام أرضية الترتان على مضمار ألعاب القوى أي عائق «طبيعي» أمام العدائين، وأجريت فحوصات للتأكد من الأنوثة. وكان السويدي هانز غونار ليلينوال المشارك في الخماسية الحديثة أول المقصيين من الألعاب بداعي تعاطيه منشطا، إذ وجدت آثار كحول في فحص بوله.

اتهامات سياسية

ويبدو أن انتشار النقل التلفزيوني المباشر عبر الأقمار الاصطناعية فتح شهية «أصحاب القضايا» والمناضلين لإيصال رسائلهم وكانت المسابقات الاولمبية مسرحا مناسبا وجاذبا لهم... وذكرت صحيفة « ازفيستيا» السوفييتية أن السلطات الأميركية قررت منح كل فائز بميدالية ذهبية اولمبية مبلغ 20 ألف دولار «لإطفاء لهب الثوريين». وفي 18 أكتوبر 1968، كان استاد «ازتيك» في مكسيكو شاهدا حيا على محطة أسطورية في الوثب الطويل هي عنوان الألعاب كما ونوعا، جملة وتفصيلا، بطلها الأميركي بوب بيمون.

والحكام لم يحسبوا حسابها ولم تكن عندهم أساسا أجهزة قياس لتحديد مسافتها، ظن الجميع أن الفائز بالمركز الأول لن تتعدى وثبته 50. 8 م أو 60. 8 م على أبعد تقدير لكن بيمون تخطى الخيال، فالرقم الاولمبي مقداره 07. 8 م، والرقم العالمي 35. 8 م. ورقم بيمون 90. 8 م وهو نفسه لم يصدق ذلك! يومها قيل أن على الجميع الانتظار حتى العام 2000 ربما لكسر الرقم الفلكي الجديد، لكن الأميركي مايك باول فاجأ الجميع ووثب 91. 8 م عام 1991 في بطولة العالم لألعاب القوى في طوكيو.

حل بيمون أول واكتفى بوثبتين فقط 90. 8 م و04. 8 م، وحل ثانيا الألماني الشرقي كلاوس بير 19. 8 م. وكانت الشمس ساطعة في سماء مكسيكو أثناء المنافسة، غير أن غيمة كبيرة بدت زاحفة لتحجب سريعا النور وينهمر المطر الغزير. وقف بيمون مذهولا على غرار باقي المشاركين والجمهور الكبير.

كان بيمون مسمرا في مكانه، مغطيا رأسه بمنشفة بيضاء وملتفا بحرام بني، لم يتزحزح والمطر يبلله، ثم قرر عدم إكمال المنافسة « شعرت بالانزعاج واني على وشك المرض تملكني الزكام، أنا غير مصدق ما حصل». هذه كانت ردة الفعل الأولى لبيمون بعد فاصل من القفز والوقوف والجلوس والتمدد والنوم على المضمار والبكاء. إذ تحول فجأة من رياضي مغمور قد يجد متنفسا في كرة السلة نظرا لطوله الفارع، إلى نجم يشار إليه بالبنان.

فرنسية سباقة

والمفاجأة الأخرى على المضمار كانت بطلتها ابنة مدينة بوردو كوليت بوسون في سباق 400 م، التي أصبحت أول فرنسية تحرز ذهبا اولمبيا في ألعاب القوى منذ تألق ميشلين اوسترماير في دورة لندن 1948.

وربما لم يؤمن احد بموهبتها وقدرتها إلا مدربها أيف دوران سان اومير الذي توقع أن تحقق 52 ثانية، وأعدها على هذا الأساس، وهي سجلت 03. 52 ث.

ويقال أنها استفادت من إخفاق الأميركية جارفي سكوت التي حلت سادسة (79. 52 ث)، لتتقدم وتتصدر. لكن النقطة الحاسمة التي غيرت الظروف في مصلحتها، ركضها على سجيتها ومن دون أي ضغط، ونالت تشجيع الجمهور المكسيكي وتصفيقه وتعاطفه مع سحنتها السمراء.

محطات

* كانت المرة الأولى التي تقام فيها الدورة في أميركا الجنوبية وشارك فيها 5531 رياضياً بينهم 781 امرأة من 113 دولة، تباروا في 172 مسابقة ضمن 18 لعبة هي: كرة القدم، الخماسية الحديثة، الزوارق الشراعية، الجمباز، السباحة، المبارزة، التجذيف، كرة السلة، الرماية، ألعاب القوى، المصارعة، الكرة الطائرة، الدراجات، رفع الأثقال، الهوكي على العشب، الملاكمة، الكانوي كاياك والفروسية.

* شارك للمرة الأولى كل من الكويت وليبيا وباربادوس وهندوراس البريطانية وغويانا وهندوراس والكونغو (زائير) وباراغواي وسلفادور وسورينام وسيراليون وجمهورية أفريقيا الوسطى. كما بدأت المشاركة الألمانية الشرقية.

* جمعت الولايات المتحدة 97 ميدالية بينها 45 ذهبية، وتصدرت الترتيب أمام الاتحاد السوفييتي الذي حصد مشاركوه 91 ميدالية ( 29 ذهبية ). وحلت اليابان ثالثة 25 ( 11 )، والمجر رابعة 32 (10 ) وألمانيا الشرقية خامسة 25 (9 ).