لم تجمع دورة أولمبية سابقة من اللاعبين والدول كما جمعت دورة روما عام 1960 التي أقيمت من 25 أغسطس إلى 11 سبتمبر، بمشاركة 5348 رياضيا بينهم 610 لاعبات من 84 بلدا، بينها جنوب افريقيا التي غابت بعدها بسبب الحظر الذي فرض عليها لاعتمادها سياسة التمييز العنصري، ولم تعد إلى الساحة الاولمبية إلا عام 1992 في دورة برشلونة.
وعرفت الألعاب نجاحا كبيرا ولا سيما من خلال النقل التلفزيوني المباشر أو المسجل ورائدته شركة «اوروفيزيون» التي نقلت وقائع حفلة الافتتاح مباشرة إلى 20 دولة أوروبية. وتابع وقائع المسابقات مواطنو 100 دولة بينها اليابان والولايات المتحدة وكندا. وبات نشيد «ساماراس وبالاماس» نشيدا ثابتا للألعاب في الدولة التي استوحت التقاليد والرموز الرومانية في كل شيء حتى في الشعار والتاريخ وكتابة أرقام أيامه وشهره بالأحرف الرومانية.
وتأقلم العالم مع القوتين العظميين الطاغيتين، وصادفت الألعاب بزوغ نجم الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف وتحضير الرئيس الأميركي جون كنيدي حملته الانتخابية. والى العظمة الإيطالية في الافتتاح والتنظيم والاحتفالات حيث عاش الجميع مشاهد وكأنهم يمثلون في أفلام فريدريكو فيلليني، فان جانب المنافسات والأسماء الكبيرة يبقى الأبرز في «الاولمبياد». فعلى رغم تفوق لي كالهون ورالف بوسطن ودون براغ في جري الـ 110 أمتار حواجز والوثب الطويل والقفز بالزانة، فان ألعاب القوى الأميركية «تراجعت» وتوج الألماني الغربي أرفين هاري والإيطالي ليفيو بيروتي بطلين لسباقي 100 و200 م. والألماني كارل كوفمان في 400 م. وبرز في المسافات المتوسطة النيوزيلندي بيتر سنيل والاسترالي هيربرت ايليوت، وتألق الإثيوبي الحافي القدمين ابيبي بيكيلا ففاز في الماراثون وأهدى افريقيا لقبها الكبير الأول في سباق عريق لـ «أم الألعاب». وتألقت لدى السيدات الأميركية ويلما رودولف «الغزالة السمراء» ففازت بثلاث ذهبيات في المسافات القصيرة.
ظهور كلاي
وتعرف الناس على وجه جديد في الملاكمة هو الأميركي كاسيوس كلاي (محمد علي لاحقا).
وكان الاستراليون مميزين في السباحة، لكن نهاية سباق 100 م حرة شهدت جدلا كبيرا، إذ منح حكمان من أصل ثلاثة مكلفين بتحديد صاحب المركز الأول الفوز للاسترالي جون ديفيت، فيما أعتبر الثالث الأميركي لانس لارسن فائزا، بيد أن حكمين من الثلاثة المكلفين بتحديد صاحب المركز الثاني أعلنوا أن ديفيت حل ثانيا، وأكد الثالث أن لارسن هو الوصيف. وقرر الحكم الرئيس منح الفوز للسباح الاسترالي، لكن وفي ضوء التوقيت الذي ضبطه الميقاتيون سجل 2 .55 ثانية في مقابل 1 .55 للارسن.
وبناء عليه، قرر الحكم الرئيس تعديل التوقيت الرسمي علما أن الصورة النهائية «فوتوفينش» أكدت فوز لارسن. وحاول المسؤولون الأميركيون في السنوات الأربع التالية تعديل القرار لكن من دون جدوى. ولم يسبق أن حقق الإيطاليون إنجازات فوق العادة في الدورات السابقة، لكنهم أرادوا أن يكونوا متألقين على أرضهم.
هكذا تميز بيروتي وحطم الرقم العالمي في جري الـ 200 م، (5 .20 ثانية) رقم اعتبر وقتذاك اعجازيا. انه عداء «جيغولو» ينافس مرتديا نظارة سوداء ويتفوق على «اسودين» الأميركي لي كارني والفرنسي الإفريقي عبد اللي سيي، متقدما عليهما بفارق مترين.
والنجم الإيطالي الآخر، كان الملاكم نينو بنفونيتي الذي استقطب الأضواء على رغم أنها دورة «كاسيوس كلاي» وجسد قصة ابن مدينة تريستي الشجاع (22 عاماً) الذي فاز بذهبية وزن « 67 كلغ»، في إطار سيطرته الأوروبية المطلقة التي استمرت عشرة أعوام.
وما تحقق وليد المثابرة والجهد، فقد واظب منذ سن العاشرة على التدريب، وتوج في سن السادسة عشرة بطل ايطاليا للهواة، وخاض بعد عامين أولى مشاركاته الدولية (1955)، وأصبح بطل أوروبا للمرة الأولى عام 1957 وهو في السادسة عشرة من عمره.
في دورة روما، واجه بنفونيتي خمسة ملاكمين تباعا أولهم وأبرزهم الفرنسي جوسلين، «ولما نلت منه أدركت أنني سأتوج بالذهب... وكان هناك أيضاً الكوري كين سو كين الذي فاز على بعد ست سنوات في بداية مسيرتي الاحترافية ملحقا بي الخسارة الأولى».
ويعترف بنفونيتي انه أخر احترافه سنتين كرمى لعيني الاولمبياد «قررت التضحية بكل ما كان يمكن ان تحملانه لي من شهرة ومال ولم اندم، لان اللقب الاولمبي لا يزول ولا يقارن بأي انتصار أو تنويه. حتى أن كلاي العظيم لم يسقط من ذاكرته الميدالية الاولمبية التي حصل عليها في روما».
والفرادة الاسترالية فعلت فعلها مجددا في السباحة، إذ حصدت دون فرايز لقب الـ 100 م حرة. وإضافة إلى تتويج ديفيت في سباق الرجال، فاز موري روز في الـ 400 م وديفيد تهايل في الـ 100 م ظهرا.
« والفتى الرائع» جون كونراد (18 عاما) في الـ 1500 م، الذي عانى بدوره من الشلل في طفولته. والنهاية الاولمبية كانت بسباق الماراثون الذي اخترق في «العشية» في اليوم الأخير من الألعاب شوارع العاصمة الإيطالية. إنها فرصة لـ « السائح» الإثيوبي ابيبي بيكيلا ليكتشف روما القديمة ويحصد الانتصار ويحطم الرقم القياسي الذي حققه التشيكوسلوفاكي أميل زاتوبيك في دورة هلسنكي 1952 (2 .03 .23 .2 ساعة).
خرج بيكيلا (28 عاما) الجندي في الحرس الإمبراطوري الإثيوبي من بين الصفوف، واخترق الطليعة ليبلغ خط النهاية حافي القدمين، فالأحذية الرياضية لا تريحه، والجري من دونها أسهل، وسجل 2 .16 .15 .2 س في مقابل 6 .41 .15 .2 س للمغربي راضي عبد السلام.
وكان بيكيلا (58 كلغ، 76 .1 م) نموذجا لجيل من العدائين الأفارقة الذين طبعوا المسافات الطويلة بطابعهم الخاص، والحصاد المثمر لمدرب اللياقة البدنية في كتيبة حرس الإمبراطور هايلي سيلاسي، السويدي المولود في هلسنكي اولي نيسكانن.
حضور المغرب والسودان وتونس وسوريا وبعثة المانية موحدة للمرة الأولى
حضر الألمان الدورة ضمن بعثة موحدة، كما حضر للمرة الأولى رياضيون من المغرب والسودان وتونس والجمهورية العربية المتحدة أي سوريا ومصر، وسان مارينو.
وتمثل الرصيد العربي بفضيتين وبرونزيتين من خلال إحراز المغربي راضي عبد السلام المركز الثاني في سباق الماراثون، والمصري عثمان السيد المركز الثاني في المصارعة اليونانية ـ الرومانية (وزن الذبابة)، ومواطنه عبد المنعم الجندي المركز الثالث في الملاكمة (وزن الذبابة)، والعراقي عبد الواحد عزيز المركز الثالث في رفع الأثقال (وزن الخفيف).
ومن ابرز «الخائبين» في دورة روما البعثة الفرنسية الكبيرة العدد (237 شخصاً) والتي لم تحصل إلا على فضيتين وثلاث برونزيات، ما جعل صحيفة الفيغارو تنشر «كاريكاتورا» تهكميا يظهر الجنرال شارل ديغول غاضبا موجها لومه إلى مسؤولي الرياضة الفرنسيين، قائلا لهم «حتى في الرياضة على أن أشمر عن ساعدي وانزل إلى الميدان».
وحل ميشال جازي ثانيا في 1500 م، علما أن مواطنه ومنافسه المباشر ميشال برنار لعب من دون قصد دور الطريدة المحفزة للاسترالي هيربرت إليوت الذي حطم الرقم العالمي مسجلا 6 .35 .3 دقائق.
الغزالة السمراء
في المقابل سجل الأميركيون «ثلاثية» لافتة في الـ 110 أمتار حواجز فإلى تحطيم كالهون الرقم الاولمبي (8 .13 ثانية)، حل ويلي ماي ثانيا، وهايز جونز ثالثا. وكان مواطنهم اوتيس دايفيس المرشح الأوفر حظا لحصد لقب سباق 400 م، لكن الألماني كوفمان أدخل رأسه قبله عند خط النهاية فحل أول، أما النتيجة الزمنية فكانت تحطيمها الرقم القياسي العالمي (9 .44 ث).
والملاحظ أن السيطرة الأميركية على سباقات الجري وألعاب القوى عموما اهتزت لكنها لم تتدحرج، وهذا ما أكده رالف بوسطن من خلال فوزه في الوثب الطويل 12 .8 م، محطما رقما «عجوزا» لمواطنه جيسي اوينز وتحت أنظاره، صمد 24 عاما، أي منذ دورة برلين 1936.
لكن المجد الأميركي اختصر بـ «الغزالة السمراء» ويلما رودولف ابنة أل 20 ربيعا، ورسخته في ذاكرة الأجيال من خلال فوزها بذهبيات الـ 100 م (11 ث) وهو رقم عالمي جديد لم يعتمد نظرا لسرعة الريح، والـ 200 م (24 ث)، والبدل 4 مرات 100 م (5 .44).
ومن يصدق أن رودولف كانت مصابة بالشلل في صغرها، وأمضت سبعة أعوام في العلاج، وهي أم لطفلة من غير زواج، وهذا ما أخفته عن وسائل الأعلام. وتلفت رودولف أن الفرنسيين أطلقوا عليها لقب «الغزالة السمراء» « فالأميركيون البيض كانوا ينادونني بالغزالة فقط حين تمثل الولايات المتحدة في الخارج. أما تسمية الغزالة الزنجية فناداني بها أميركيون كثر في الداخل لأن التمييز العنصري كان قويا وسائدا وقتذاك».
وتتذكر رودولف أنها تعثرت خلال التدريب وسقطت أرضا «فشاركت في السباقات وساقي مربوطة، كان سباق الـ 100 م رائعا، أسفت لعدم اعتماد الرقم عالميا، . وفي الأمسية الأخيرة لنزالات الملاكمة، قطف الأميركيون ثلاث ذهبيات إذ فاز ويلبرت ماكلور في وزن 71 كلغ، وادوارد كرووك (75 كلغ) وكاسيوس كلاي (81 كلغ)، إلا أن الأخير (18 عاما) كانت له السطوة على الأضواء، وهو لفت الأنظار إليه منذ بدء الألعاب.
إذ كان يختلط بالجميع يحادثهم ويقدم لهم «دبابيس تذكارية». وفي غرفة تغيير الملابس لا يكف عن المزاح والقفز وفق ما كان يعتمده على الحلقة، وتوج « مسيرته » بإسقاطه في النهائي البولندي زبيغينيو بيترزيكوسكي بطل أوروبا ثلاث مرات وثالث دورة ملبورن 1956. وهو عوض في الجولة الثالثة الحاسمة تعثره في الأوليين فمضى نحو الذهب من خلال لكماته اليمينية التي أسالت الدماء على وجه منافسه العسراوي المتفوق، فخسر بالضربة القاضية.. والاستسلام.
وكانت البداية المشرقة والنزاع مع المحيط والحكومة لفتى اتجه إلى الملاكمة صدفة وهو في الثالثة عشرة من عمره حين فوجئ بسرقة دراجته في حديقة لويزفيل، وفي إطار بحثه عنها وتوجهه غاضبا لإبلاغ ضابط الشرطة في المنطقة، ولم يكن سوى المدرب جو مارتن الذي أرشده إلى «الفن النبيل».
مسابقاتٌ
151
تبارى المشاركون في 151 مسابقة ضمن 17 لعبة هي: ألعاب القوى، التجديف، كرة السلة، الملاكمة، الكانوي كاياك، الدراجات، الفروسية، المبارزة، كرة القدم، الجمباز، رقع الأثقال، الهوكي على العشب، المصارعة، السباحة، الخماسية الحديثة، الرماية واليخوت.
وحل الاتحاد السوفييتي في المركز الأول برصيد 103 ميداليات منها 43 ذهبية، في مقابل 71 ميدالية (34 ذهبية) للولايات المتحدة و36 (13 ذهبية) لإيطاليا.
تاريخ
دفع الجلة تعود إلى «أولمبيا المهد» في أثينا 2004
إلى بلدة أولمبيا الواقعة على بعد نحو 400 كلم من أثينا، انتقلت الألعاب في أحد أيامها، مجسدة القول بالفعل «ان الألعاب عادت إلى مهدها». هناك أقيمت مسابقة دفع الجلة في الاستاد القديم البالغ طول مضماره 192 .27م أو ما يعادل 600 مرة طول قدم هرقل (هراقليس) بحسب ما تقوله الأسطورة... وإلى الروابي الخضر المحيطة به عاد الصخب وخطت أقدام الرياضيين المكان للمرة الأولى منذ عام 393 عندما أعلن الإمبراطور الروماني تيودور الأول، الذي اعتنق المسيحية، وقف الألعاب لأنها تتناقض ومبادئ الإيمان المسيحي.
باختصار، كانت مسيرة حج رياضية إلى الينبوع، حيث بات الأوكراني يوري بيلونغ (16 .21م) والروسية ايرينا كورزهاننكو (07 .21م) «اولمبيونييكين» أي بطلين اولمبيين باللغة الإغريقية ...مع اختلاف طبعاً في طقوسية المكان، فالألعاب القديمة كان محظوراً حضورها على المتزوجات، وممنوعة على السيدات، وكان المشاركون يدخلون الميدان عراة ويتبارون عراة.
وفي الدورة الأولمبية الحديثة الـ 28، اختلط الرجال بالسيدات وفاق عددهم 15 ألف متفرج تقدمهم رئيس اللجنة الأولمبية الدولية الدكتور جاك روغ ورئيسة اللجنة المنظمة للألعاب جيانا انجيلوبولس دسكالاكي ورئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى لامين دياك.
كما تبارت السيدات من دون أي عقد، وحظين بالتتويج بأكاليل من أوراق الزيتون من «كاهنات المعبد» بأثوابهن البيض في جو آسر وتحت شمس ساطعة... وإذا كانت الأميركية كريستين هياستون أغضبت رموز أولمبيا بمشاركتها وفوزها في مستهل الدورات الحديثة، فان مراسم «هذا اليوم التاريخي» كرست واقع العصر الحديث ودور المرأة الرئيسي في الحقل الرياضي. ومن أجل رمزية المكان جزأت «أم الألعاب» وحطت دفع الجلة إحدى مسابقاتها في رحاب مهد الانطلاقة الأولى.
قرار
راميريس بديل روبينيو في تشكيلة البرازيل
استدعى مدرب منتخب البرازيل دونغا لاعب الوسط راميريس ليحل بدلا من المهاجم روبينيو المصاب والذي لن يشارك بالتالي مع بلاده في اولمبياد بكين 2008.
ويعاني روبينيو من إصابة في عضلات أسفل البطن، ظهرت في كشف طبي أجراه أطباء ناديه ريال مدريد الاسباني، الذي طالب الاتحاد البرازيلي عدم استدعاء اللاعب إلى الاولمبياد.
وأعرب الاتحاد البرازيلي عن سخطه من خطوة النادي الاسباني الذي انتظر حتى اللحظة الأخيرة ليعلمه عن إصابة روبينيو، في وقت كان يستعد فيه لإرسال التشكيلة النهائية إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا».
ويلعب راميريس (21 عاما) مع كروزيرو بيلو هوريزونتي ثالث الدوري البرازيلي.
بالترتيب مع وكالة الصحافة الفرنسية


