الشغف بلعبته والتفاني من أجلها ميزتان طبعتا مسيرة التشيكي يان زيلزني بطل رمي الرمح وحامل الرقم القياسي العالمي البالغ 48 .98م، والذي سجله عام 1996.

باختصار،«الأعظم» في اختصاصه، قال كفى للمنافسة والمسابقات وأعلن اعتزاله عام 2006 وهو في سن الأربعين، مرصعا صدره بميداليات وأوسمة اولمبية وعالمية وبمحبة مواطنيه ومعجبين كثر في أنحاء العالم، ومنهم 30 ألفاً صفقوا له وقوفا وحيوه في ملعب شتوتغارت حيث خاض تصفيات نهائيات كأس العالم وحل سادسا مسجلا 61 .81م. لكن زيلزني أبى أن يقول كلمة الوداع الأخيرة إلا في مسقطه ملادا بوليسلاف.

حيث رمى رمحه إلى مسافة 19 .82م تحت أنظار دانا زاتوبيكوفا البطلة الاولمبية في هذا الاختصاص عام 1952 وأرملة «القاطرة البشرية» اميل زاتوبيك. تمكن زيلزني (86 .1م، 88 كلغ) من تخطي مسافة 80 م في رمياته 210 مرات في 246 مسابقة. وحصد اللقب العالمي في أعوام 1993 و1995 و2001، واللقب الاولمبي في أعوام 1992 و1996 و2000. ودنا من الأميركيين كارل لويس (الوثب الطويل) وآل اورتر (رمي القرص) صاحبي أربعة ألقاب اولمبية.

خطا زيلزني خطواته «العالمية» الأولى بحلوله ثالثا في بطولة العالم عام 1987 في روما، ثم قطف الفضة الاولمبية عام 1988 في سيول، مدشنا الطريق الفسيحة إلى الاحتكار الكبير، غير أن المفارقة تتمثل في عدم فوزه باللقب الأوروبي، وفي آخر محاولاته في أغسطس 2006 في غوتبورغ حل ثالثا، على عكس البريطاني ستيف باكلي ابرز منافسيه في «الفترة الذهبية» الذي حصد اللقب الأوروبي 4 مرات، لكنه لم يستطع أن يحصل على ذهب الاولمبياد، فمازحه زيلزني مرة عارضا عليه تبادل الألقاب!

وما يميز زيلزني انه لم ينظر إلى ألعاب القوى كمصدر للثروة حيث تستثمر الطاقات لجني الجوائز، فالألعاب الاولمبية كانت حلما كبيرا بالنسبة إليه مجرداً من الفوائد المادية، وجسد دائما مثالا حيا للمواهب الصاعدة «التي أريدها أن تستمتع في المنافسة كما فعلت في بداية مسيرتي. كنت سعيدا لأنني ارمي وأتسلى، ولاحقا أصبح رمي الرمح عملي وسعدت أكثر لأنه كان ولا يزال هوايتي الأولى، وهل أجمل من أن يمتهن المرء الهواية التي يفضلها؟».

غير أن زيلزني دفع ثمنا غاليا مرات عدة، إذ طاردته الإصابات وكلفته خسارة ألقاب كانت في متناوله، حتى انه نصح بالتوقف كليا والاعتزال عام 1998 خشية أن يصاب بالشلل، وفق استنتاجات الأطباء. وسنحت له فرصة احتراف البيسبول مع فريق اتلانتا برايفز الأميركي، وان يدخل هذا المعترك بصفة مبتدئ واعد «روكي» في مقابل مبلغ زهيد جدا (850 دولارا شهريا)، لكنه رفض العرض من أساسه واستعاد بريقه في الرمي إلى أن قال كفى. وهو واحد من ثمانية رماة في العالم حققوا معدل 70 .90م في أفضل 100 رمية.

ولو لم يبادر الاتحاد الدولي ويعدل نقطة الثقل في الرمح للحد من «طيرانه» بعد رقم الألماني الشرقي اوفي هون (80 .104م) عام 1986 خشية أن يصيب أحداً في المدرجات، لربما كانت رميات زيلزني زلزلت المدرجات وتخطتها إلى الساحات المجاورة.