أمضى الماركيز الإسباني خوان انطونيو سامارانش أسطورة الرياضة الاولمبية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، إذ استمر على عرشها 21 عاما، وقلب وجه الألعاب رأسا على عقب بعدما فهم باكرا مدلولات العولمة وحاجة السوق ومتطلبات العرض والطلب، فباتت الألعاب «عملاقة» ودخلت الشركات الراعية «شريكا مستثمرا» فاستفادت وأفادت الاتحادات الدولية وأفراد العائلة الاولمبية جميعهم.

غير سامارانش الكثير من المفاهيم الاولمبية، ونقل الرياضة الاولمبية خطوات نحو الاحتراف الذي يمثل ألد أعداء الرياضة من وجهة نظر المفهوم الاولمبي «التراثي» الذي دعا دائما إلى أن تكون جائزة المجلين هي غصن الزيتون وحده، لكن روح العصر الحديث والسعي الجاد وراء تأمين لقمة العيش اضطرته إلى التخلي عن جوانب عدة من هذا المفهوم كي يضمن النجاح لدوراته الاولمبية. يفصل ما بين مقهى «كاستل دي فيدي»، الذي اعتاد أن يجلس فيه سامارانش، وبين مكتب الرئاسة في اللجنة الاولمبية الدولية في لوزان، درج مؤلف على 14 درجة مثلت طوال 21 عاما «السلم الموسيقي» في حياة الرئيس الذي ادخل الكثير من التعديلات على مفهوم الرياضة الاولمبية.

حب سامارانش لهذا الدرج لم يفوقه أبدا سوى حب «العازفات» آني ولورا وسارا ومارابيلا، وهن الموظفات القريبات جدا إلى مكتبه والى قلبه ويقول «فيه عشت أحلى أيام حياتي، وفيه اتخذت أهم قراراتي التي ضمنت للحركة الاولمبية الاستمرارية والحياة في خضم طغيان المال على الرياضة والسلطة والسياسة وكل شيء. لم أجد أمامي سوى الجمع بين الهاوية والاحتراف كي اضمن استمرارية نجاح الدورات الاولمبية، لان غياب الحوافز المالية ابعد الرياضيين البارزين عن المشاركة في أحداثها فهبط مستواها وخفت وهجها.

أزمات أخرى كثيرة عرفت كيف أتجاوزها من خلال هذا المكتب الصغير، أزمات كان يمكن لها أن تعصف بكل ما هو متعلق بالرياضة الاولمبية... المقاطعة «السياسة» لدورة عام 1980 في موسكو، ابتعاد نجوم ألعاب القوى تحديدا عن المشاركة، إشراك المحترفين في الألعاب الجماعية كفريق الأحلام الأميركي في كرة السلة في دورة برشلونة 1992 ومنتخبات أخرى في ألعاب أخرى، والسعي الدؤوب وراء جعل مسابقة كرة القدم الاولمبية لا تقل قوة أو إثارة عن منافسات كأس العالم».

هذا جزء بسيط مما «عانى» منه سامارانش في سبيل إنجاح الدورات الاولمبية، وهو نجح فعلا في تجاوز بعضها ولم ينجح في البعض الآخر ومنها مسابقة كرة القدم على سبيل المثال لا الحصر، لكن لا يمكن لأحد ان ينكر انه طورها كثيرا بعد ان انتزع موافقة رئيس الاتحاد الدولي السابق البرازيلي جواو هافيلانج على مشاركة عدد من اللاعبين المحترفين في هذه الدورات ويقول «كنت اعرف ان هافيلانج لن يسمح بان تنافس مسابقة كرة القدم الاولمبية نهائيات المونديال، لان ذلك يعني طبعا ان تقام بطولتان كبيرتان في العالم أحداهما لا تخضع لإشرافه المباشر، لكن على أي حال تمكنت من انتزاع عدد من القرارات والموافقات منه كانت كفيلة بتطوير المستوى».

اما أزمة موسكو 1980، فاعتبرها أسوأ لحظات حياته علما ان الالعاب لم تكن بعد تحت مظلته «غزو الاتحاد السوفييتي لافغانستان تسبب في مأساة إنسانية، ووجدت الدول الغربية في الألعاب الاولمبية خير مجال للتعبير عن غضبها فقاطعت الدورة التي كانت مقررة في العاصمة السوفييتية التنظيم السوفييتي من الناحية الفنية كان رائعا، لكن غياب ابرز نجوم الرياضة في العالم «الحر» تسبب في تدني المستوى الفني في رأي البعض فخرجت الدورة مبتورة.

واضاف «حزنت كثيرا وقتها وربما لم استرد فرحتي كاملة الا بعد النجاح الكبير الذي حققته دورة سيدني الاخيرة التي اعتبرها مثالية في كل شيء... طبعا تعرضت فيها لأقسى موقف في حياتي، على الصعيد الشخصي، وهو وفاة زوجتي خلالها لكن على الصعيد المهني فرحتي بنجاحها كانت من دون حدود خصوصا أنها كانت آخر مناسبة كبرى أشارك فيها بصفتي الرسمية».

فضيحة الرشاوى التي صاحبت اختيار مدينة سوليت ليك الأميركية لتنظيم دورة الألعاب الشتوية عام 2002 زعزعت الثقة في قيادة سامارانش للحركة الاولمبية لكن من دون ان تهز صورته رئيسا يحظى باحترام الجميع «لا توجد منظمة في العالم أيادي العاملين فيها جميعا بيضاء، ولذا من الطبيعي ان تصادفنا أمورا من هذا القبيل، أنا آسف جدا لما حدث، وبذلت لك جهدا ممكنا من اجل كشف الحقائق وأتمنى ان أكون قد وفقت».

النجاح في تنظيم الدورات الاولمبية لم يكن الهم الوحيد لرئيس اللجنة الاولمبية، لأنه كان يرى في تعزيز الرياضيين وإقامة المشاريع التي يمكنها ان تفيد الفقراء من بينهم، أهم بكثير لاشتراك العالم كله في المناسبات الاولمبية» لان هذا هو النجاح الحقيقي... توسيع قاعدة الإبطال المشاركين والقادرين على إحراز الميداليات.

لقد مولنا 900 مشروع لأعداد الرياضيين في الدول النامية والفقيرة، وكم كانت فرحتنا عندما نجح 600 مشروع من بينها في تفريخ رياضيين شاركوا فعلا في الدورات الاولمبية، ووصلت الفرحة الى قمتها عندما حصد 70 من بينهم ميداليات في مناسبات اولمبية مختلفة».

ومن بين اهم المعارك التي خاضها سامارانش كانت تلك التي أشعلها ضد المنشطات، لكن على رغم نجاحه في الحد جدا من ظاهرة تعاطيها رياضيا إلا انه اخفق في تحقيق حلمه بإقامة دورة اولمبية نظيفة تماما «تمنيت ان يتحقق حلمي في سيدني 2000، لكن للأسف ظهرت بعض الحالات خلالها ما أكد لي انه من المستحيل القضاء تماما على هذه الظاهرة، التطور العلمي والبيولوجي ساعد كثيرا في كشف المتعاطين وبالتالي في تخفيف هذه الظاهرة المشينة، وستبقى المحاولات مستمرة من قبل المهيمنين على أدوات مكافحة المنشطات.

لكن الخلاص الحقيقي سيظل في أيادي الرياضيين أنفسهم وفي ضمائرهم». في 17 يوليو 2001، بلغ «الماركيز» عامه الـ 81، لذا قررت اللجنة التنفيذية للجنة الاولمبية الدولية بالإجماع تعيينه رئيسا فخريا مدى الحياة، وتمنت تخليده بإطلاق أسم «متحف سامارانش الاولمبي» على المتحف الاولمبي في لوزان.

وبعد الجمعية العمومية الـ 112 التي انعقدت في موسكو لاختيار المدينة المنظمة لاولمبياد 2008 وانتخاب خلفا له الدكتور البلجيكي جاك روغ، خلد سامارانش إلى الراحة بعد ما سلم مقاليد «السلطة الاولمبية».

تنشر بترتيب خاص مع وكالة الصحافة الفرنسية