حملت سباقات المسافات الطويلة نموذجا جديدا من العدائين هو الروسي فلاديمير كوتس، رياضي يركض على سجيته لا يعير الأوقات اهتماما بل تحقيق الانتصارات وجمع الميداليات، همه أن يبقى في المقدمة بعيدا من منافسيه وأكثر ما يزعجه أن يتجاوزه احدهم، إذ يمقت أن يسير خلفه أو يترقب الانقضاض، لان الجري في نظره «طلاقة لا تعرف القيود».
فاز كوتس بداية في سباق 10 آلاف متر، علما أن المرشح الأوفر حظا كان البريطاني غوردن بيري الذي سبق أن حطم أرقام المسافات الطويلة كلها، فضلا عن منافس قوي هو المجري جوزف كوفاكش. غير أن البحار الأشقر القادم من البلطيق «برمج» السباق على مزاجه وسجل 6ر45ر28 دقيقة محطما الرقم الأولمبي المسجل باسم التشيكوسلوفاكي أميل زاتوبيك، إذ أنهى المسافة بزمن أفضل بـ 32 ثانية، وحل كوفاكش ثانيا (4 .52 .28 د)، وجاء بيري ثامنا.
أجري سباق 10 آلاف متر في 23 تشرين الثاني أي في اليوم الثاني لبدء الألعاب، وبعد خمسة أيام، ركض كوتس سباق 5 آلاف متر بإيقاع سريع وسجل 6 .39 .13 دقيقة أي اقل بـ 27 ث من الرقم الذي ضمن لزاتوبيك الذهب في هلسنكي. ولم يحصل بيري الا على الميدالية الفضية (6 .50 .13د).
وكان العنوان الكبير لسباق الماراثون الفرنسي الجزائري الأصل ألن ميمون، الذي فاجأ كثيرين بإعلانه خوض المسافة، سعيا إلى تتويج ذهبي طال انتظاره، وبعدما لفت الأنظار ببروز في سباقي 5 آلاف و10 آلاف متر في دورتي لندن وهلسنكي.
بلغ ميمون سن السادسة والثلاثين، وكان ينتظر حدثا سعيدا في بلاده، وعشية السباق المقرر في الأول من ديسمبر، تبلغ برقيا ولادة طفلته التي سماها اولمب تيمنا بالمناسبة. وحملته الفرصة الكبيرة لبذل جهد استثنائي وسط حرارة مرتفعة تخطت الـ 35 درجة مئوية.
وفي قرارة نفسه، كان ميمون يدرك أن إحرازه برونزية «أمر جيد» كونه لم يخض السباق من قبل، علما انه تدرب بكثافة وهدوء. لم يهدر وقتا في محطات توقف البعثة الفرنسية، فمثلا وجد طلبه في ممرات الفندق الكبير في لوس انجليس التي وصلت مسافتها الـ 200 م ليجري و«يكدس الكليومترات».
طمح ميمون الذي حمل الرقم 13 في السباق، وهو بالنسبة للبعض نذير شؤم، السير على درب زاتوبيك الفائز في هلسنكي بفارق مريح.
وتميزت المنافسة في ملبورن بالكر والفر على طريقة سباقات الدراجات على الطريق. وكان الأميركي كيلي تقدم في منتصف المسافة بمثابة جرس الإنذار لميمون علما انه شعر بتثاقل قدميه وألم في رأسه عند الكيلومتر الـ 36، لكنه قرر الصمود والمواجهة بمختلف السبل مستعيدا ذكريات ومواقف منذ أيام طفولته المعذبة، فزادت عزيمته و«استعاد» قوته وخفة حركته، ودخل الاستاد فشعر بتهليل 120 ألف متفرج وكأنه «قصف رعد».
كانت الساعة تقارب السادسة مساء ودار حول المضمار لفة هي الأسرع في سباقات الماراثون (4 .1 دقيقة)، منهيا السباق ومسجلا 25 .2س. ولم يشعر ميمون بالتعب ووقف إلى حافة المضمار يترقب وصول الباقين «كنت أتمتع بقوة خفية خارقة، وفي مقدوري أن أجري 10 كيلومترات إضافية، وبعد نحو دقيقتين وصل اليوغوسلافي فرانيو ميهاليتش ثم الفنلندي فييكو كارفونن، وبعدها ياباني ثم كوري جنوبي، فصديقي زاتوبيك، أسرعت نحوه أزف له بشرى انتصاري، ولما استوعب الموقف رفع قبعته وصفق لي قائلا أنا سعيد من أجلك، ولحظة التتويج اعتليت المنصة قفزا ولا أستطيع أن أنسى أبدا «كيف جفت مقلتيا من شدة التأثر عند عزف المارسيلياز».
فرنسي آخر كان محط اهتمام في ملبورن هو بطل المبارزة كريستيان اوريولا، احد أكثر المتوجين في العالم إذ حصد اللقب العالمي 9 مرات. وفي الاولمبياد، أحرز فضية الفردي وذهبية الفرق في الشيش عام 1948، وذهبية الفردي والفرق عام 1952، واحتفظ بذهب الفردي وأسهم في حصد فضية الفرق في ملبورن.
وكانت المبارزة عرفت في حينها تطورا جديدا تمثل بإدخال تقنية اللمسات الكهربائية، ما سمح بدقة ووضوح اكبر في منح النقاط غير أن أسلوب المتباري وتحرك اللاعبين اختلف، فالمتسابق بات موصولا بسلك معدني «مكهرب»، وأصبح التركيز على من يسبق في لمس منافسه، ما جعل المبارزة التي هي بمثابة «محادثة خفية وترقب مثير ومناورة ذكية تعتمد على حركات محددة، وبات التدريب ينصب على تقوية الساقين والسرعة في الانقضاض من دون أي خداع مباغت».
زاول اوريولا المبارزة في سن صغير متأثرا بوالده الذي كان يعشق اللعبة، وانشأ لها ناديا في الطبقة السفلية من المنزل. وهو دخل المنافسات في سن الثانية عشرة، وفاز ببطولة العالم في عمر 18 عاما ونصف العام، ويعترف انه حين» توجهت إلى هلسنكي كنت واثقا من التتويج، وفي 9 مباريات سجلت على 9 لمسات فقط، ولمست 4 إيطاليين 20 مرة في مقابل 3 لمسات تلقيتها فقط! لكن تعين علي خوض مواجهات حاسمة في ملبورن، كنت مع الإيطاليين جيا نكارلو بيرغامي وانطونيو سبالينو والانجليزي ألن جاي متقاربي المستوى، والأخير تصدر قبل النهائي بأربعة انتصارات، وطلب من الصحافيين الذين تراكضوا لالتقاط الصور له بأخذها قرب لوحة النتائج حيث يظهر اسمه، قلت له أسرع في ذلك لكنك لن تفرح كثيرا لان الأمر سيتغير قريبا. وصدقت توقعاتي إذ حل رابعا».
وكشف اوريولا انه اعتمد اسلوب «الكوبية» في هجومه، وهو كان «عسراويا» ما يصعب عليه إتقان توجيه لمساته.
تنشر بالترتيب مع وكالة الصحافة الفرنسية
مسابقات
151
تضمنت ألعاب ملبورن 151 مسابقة في 19 لعبة هي: ألعاب القوى والتجذيف وكرة السلة والملاكمة والكانوي كاياك والدراجات والفروسية والمبارزة وكرة القدم والجمباز ورفع الأثقال والهوكي على العشب والمصارعة والسباحة والخماسية الحديثة والغطس والرماية والزوارق الشراعية وكرة الماء.
واحتل الاتحاد السوفييتي الصدارة للمرة الأولى برصيد 98 ميدالية (37 ذهبية و29 فضية و32 برونزية)، في مقابل 74 للولايات المتحدة (32 و25 و17) و35 لاستراليا (13و 8 و14)