بدأ رئيس اللجنة الاولمبية الدولية الجراح البلجيكي جاك روغ نمط التغيير في العمل الاولمبي من منطلق الحد من التوسع وتقليص النفقات، واستهل «تظهير» الصورة الجديدة بأهل البيت أي العاملين في مقر اللجنة في قصر فيدي في لوزان.

فرض الدكتور روغ نمط عمل يوميا مختلفا تماما عن النهج الذي اتبعه سلفه الأسباني خوان انطونيو سامارانش طوال 21 عاما، ولعل تحويل أثاث مكتب الرئيس من الديكور الكلاسيكي العابق باللوحات الثمينة القديمة إلى اللمسة العصرية فيما اعتبر تجديد شباب المكان، مؤشرا ميدانيا على الخطوات المستقبلية المرتقبة في ميادين شتى.

وروغ الذي بات ينادي ويعد بـ «أولمبياد الفقراء» من خلال تعهده بتقليص تكاليف الألعاب حتى تتمكن البلدان الأفريقية والأميركية اللاتينية من استضافتها، أدرج نهج التعديل الدائم وصولا إلى الأداء المثالي الأفضل، وهو أسلوب متعارف عليه في سباقات سيارات فورمولا واحد، حيث لا يمكن التقويم واستخلاص النتائج إلا عندما تدور المحركات وتكرج العجلات على الحلبات، وانسحب ذلك على مكتبه الإعلامي إذ عين مسؤولة عنه وناطقة رسمية باسمه هي الإعلامية السابقة في فريق جوردان للفورمولا واحد.

في غضون سنة من بداية ولايته لم يترك روغ وقتا ليراقب ردود الفعل واستخلاصها، فهو قادم من داخل البيت الاولمبي ومطلع على ملفاته الشائكة، فباشر سريعا زيارات عمل واستطلاع وشرح لموقفه ومشاريعه واضعا الإصلاحات الداخلية وتحجيم الألعاب ومكافحة المنشطات في مقدمة الأولويات.

شكل روغ فريق عمل مصغرا يضم مسؤولين أولمبيين من أوروبا الغربية خصوصا، أمثال الإيطالي ماريو بيسكانتي والالماني هاين فيربروغن رئيس الاتحاد الدولي للدراجات، وأصدر فور تسلمه مهماته مذكرة لخفض النفقات حدد بموجبها عدد العاملين في اللجنة الدولية والأعضاء المكلفين بالسفر في المهمات التمثيلية وحضور المؤتمرات والدورات. وطلب ألا تقر معاملة مالية مهما كانت صغيرة أو مذكرة انتداب خارجي إذا كانت لا تحمل توقيعه.

وأكد بصراحة أمام عدد من زملائه في تنفيذية اللجنة الدولية «علينا العمل للتوصل إلى صيغة مرنة وشفافة لا تمزج بين المصالح والأعمال الشخصية والمهمات الموكلة إلى كل منكم». ولعل أول الغيث في هذا المجال منع أعضاء اللجنة الدولية من الزيارات الاستطلاعية والتفقدية إلى المدن المرشحة لاستضافة الألعاب، ما لم يكونوا ضمن وفد مشكل من اللجنة الدولية، ولأهداف وغايات محددة.

محطات شائكة

ويدرك روغ ان الطروحات العصرية لن تمر بسهولة وهذا ما لمسه في المؤتمر العام أل 114 في مكسيكو في نوفمبر 2002، والمؤتمر العام الـ 115 خلال يوليو 2003 براغ.

من هنا الدراسة المتأنية لكيفية معالجة الملفات وتوقيت التطرق إليها من خلال الإحاطة بالجوانب والتفاصيل كافة على غرار قيادة فريق في سباق للسيارات، وأخذ المبادرة المناسبة لتحاشي السقوط والفشل.

في ما يتعلق بملف الإصلاحات، تسارع الإعداد له بعد فضائح سولت لايك سيتي عام 1999، وبدا جليا ان روغ لا يقود انتفاضة في قصر فيدي بل يرسي أسسا تحسن أداء العاملين وفق قاعدة: إنتاج أفضل بأموال أقل.

ومن البنود المطروحة للمناقشة تقليص عدد الألعاب وإدخال دم جديد على صعيد المنافسات، وتقليل عدد المشاركين، وتسهيل الإفادة من التكنولوجيا وتطوراتها من خلال تقليص نفقاتها وفق عناصر لا تؤثر مباشرة على جودة الألعاب...

وفي ما يتعلق بالمنشطات وذيولها، وتشجيع الأبحاث العلمية وتشديد العقوبات، ومنح الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات دورا أكبر، لم يكن قد مر شهران على تسلمه مهامه حين وقعت أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من تبعات عقدت الأمور السياسية والاقتصادية في العالم، لكن هذه التطورات لم تثن روغ عن تعديل برنامج تحركاته وزياراته، فالتقى ممثلي الشركات الراعية الدائمة للجنة الدولية، ووضعهم في أجواء ما يعتزم تنفيذه ليعزز التصحيح الذي بدأته اللجنة.

ومن أبرز نقاطه شفافية الحسابات، وإدخال الرياضيين المؤثرين إلى عضويتها، وإعطاء دور أكبر للاتحادات الدولية واللجان الوطنية، وفي هذا الإطار أطلق روغ تصريحه الشهير «هناك مليارات من البشر يتابعون الألعاب لذا من الضروري تحسينها دائما».

إرث سامارانش

خلال ولاياته الخمس طور سامارانش الألعاب ووسعها في مناخ اقتصادي ملائم، والتحدي الكبير أمام روغ المحافظة على هذا الإرث وتفعيله في الظروف الصعبة، من هنا طرح مسألة ديمومة الموارد المالية، وهو يقول في هذا الصدد «نحن مرتاحون حتى عام 2008، وعلينا إجراء مفاوضات لدورة 2010 الشتوية».

وردا على القائلين إنه لم يول قضية مكافحة المنشطات العناية اللازمة بعد، يشرح الرئيس العتيد بإسهاب «علينا أولا إرساء مفهوم واضح وثابت، سنضع حدا للتوسع وتضخيم الألعاب وجعلها فضفاضة أكثر مما عليه، أما في ما يتعلق بالمنشطات فانا أصولي في هذا المجال، هناك نحو 70 في المئة من الرياضيين يشاركون في الألعاب الاولمبية مرة واحدة فقط، علينا أولا حمايتهم من المنشطات، وثانيا إيجاد صيغة اجتماعية في بلدانهم بالتعاون مع اللجان الاولمبية الوطنية لضمان مستقبلهم، وثالثا يجب العمل مع الاتحادات الدولية لحظر المسابقات كلها التي تشكل خطرا على حياتهم».

ويسند روغ تطلعاته على براهين ثابتة وأمثلة من واقع تجاربه الإدارية «كنت رئيسا للفريق البلجيكي في دورة سيول 1988، وأخضعت عناصره جميعهم إلى كشف المنشطات، وفي ضوء النتائج منعت ثلاثة من السفر، وأحدهم كان يدرس في كولورادو (الولايات المتحدة) ومرشحا لإحراز ميدالية، أبعدته على رغم ذلك».

أما الخطوة العملية الجديدة المتعلقة بمكافحة هذه الآفة فهي بانتظار إسهام الحكومات في الوكالة الدولية، الموازنة المقدرة تبلغ 5,8 ملايين دولار، ومطلوب أن توفرها 200 حكومة.

اللافت ان «الأعذار الرسمية» تتذرع بالظروف الاقتصادية الصعبة لتبرير تلكؤ الحكومات وعدم اعتبارها هذا الإسهام من الأولويات، فيرد روغ مستغربا ومتسائلا «المبالغ زهيدة جدا، والغريب انه في حال إعلان أي حرب يجدون الأموال في اللحظة ذاتها».

تنشر بترتيب خاص مع وكالة الصحافة الفرنسية