برنامج الدورات الاولمبية الصيفية والشتوية بات مزدحما بالمسابقات على أنواعها ما يفرض مشاركة آلاف من الرياضيين والمدربين والإداريين. هذا التضخم اخذ بالازدياد منذ دورة لندن الصيفية في العام 1948، والإدارة الجديدة للجنة الاولمبية الدولية برئاسة الدكتور جاك روغ الذي ينهج منهجا «إصلاحيا» هادئا على أكثر من صعيد، عهد إلى الإيطالي فرانكو كارارو إعداد برنامج تقليص للمسابقات ينفذ اعتباراً من دورة بكين 2008.
المبضع أداة طبية، والطبيب جاك روغ قرر استخدامه لاستئصال «الورم» من جسم المسابقات الاولمبية، التي وصفها بالطفل الصغير الذي يسمن كيلوغرامات عدة كل مرة. «وهذا التوجه اجل مرات لكن الانتظار أكثر بات مؤذيا». ولطالما كان برنامج المسابقات وعددها، زيادتها أو تقليصها مثار نقاش وجدل من دون الوصول إلى نتيجة حاسمة.
وإذا كانت اللجنة الاولمبية الدولية في سنواتها الأولى، وتحديدا في عقد العشرينات من القرن الماضي، تعاونت مع عدد من الاتحادات الدولية للألعاب الاولمبية الدولية في سنواتها الأولى، وتحديدا في عقد العشرينات من القرن الماضي، تعاونت مع عدد من الاتحادات الدولية للألعاب لصوغ برنامج على قياسها وقتذاك، فان الحديث عن تقليص الحجم لتفادي «الانتفاخ» غير المبرر لاحقا ظل كلاما بكلام.
واعتمدت تدابير مؤقتة للتغلب على المشكلات القائمة خصوصاً أن حجم المنافسات اتسع منذ دورة موسكو 1980 وبات «عملاقا» في عهد الماركيز خوان انطونيو سامارانش الذي اتبع أسلوبه الدبلوماسي بالفطرة والممارسة، ولم يدع أي طالب من الاتحادات الدولية يخرج من مكتبه غير راض.
وفي مطلع الثمانينات نسق سامارانش مع الأعضاء الـ 11 في اللجنة التنفيذية إلى إدخال مسابقات ورياضات «على الموضة» في برنامج الألعاب، ودعم موقفه في المؤتمر الاولمبي لمناسبة العيد المئوي للحركة الاولمبية في باريس عام 1994، معلناً أن أسس البرنامج الاولمبي يستند على شعبية الألعاب وانتشارها.
وجاء في التوصيات التي خرج بها المؤتمر أن على البرنامج الاولمبي «الأخذ في الاعتبار في تطور الرياضة في المجتمع المعاصر مع احترام بعض العادات والتقاليد الموروثة»، وهكذا توسع البرنامج من 203 مسابقة في دورة موسكو 1980 إلى 300 في دورة سيدني 2000، أي نحو 50 في المئة.
والمرة الوحيدة التي تحرك فيها سامارانش عكس تياره كانت في العام 1990 حين سعى إلى حذف الخماسية الحديثة من البرنامج «كرمى لعيني» الترياتلون (مسابقة مركبة تضم السباحة والدراجات والجري). لكن مقاومة سامارانش لم تستمر أكثر من ثلاثة أيام، إذ رضخ سريعا للضغوط الكثيرة وفي مقدمها مساعي ابنه خوان (جونيور) نائبه رئيس الاتحاد الدولي للعبة والذي انتخب أخيرا عضوا في اللجنة الاولمبية الدولية.
وخضعت معايير اختيار المنافسات والرياضات الجديدة إلى مصالح مشتركة لدول وكتل عدة، فكان التوازن في الزيادة على حساب شعبية وانتشار هذه الرياضات الجديدة، فجاءت الموافقة على طرح الولايات المتحدة اعتماد السباحة التوافقية مع إدخال الجمباز الإيقاعي بطلب من دول الكتلة الأوروبية الشرقية وقتذاك.
وفي موازاة تضخم عدد المسابقات، باتت المدن المنظمة ترزح تحت عوائق إنشائية كبيرة وتتكبد موازنات ضخمة، ولا تلبي الشروط الفنية الكاملة في أحيان كثيرة، ما ينعكس سلبا على المستوى التنظيمي العام. من هذا المنطلق، أعطى روغ إشارة الانطلاق للجنة المصغرة المكلفة بدراسة هذا الملف الشائك وإعداد مقترحات الحلول له، وهي تضم مجموعة من الاختصاصيين من بينهم عدد من الإبطال أمثال سباستيان كو ووزير الرياضة الفرنسي جان فرانسوا لامور ورولان بار.
ولم ينطلق عمل اللجنة العتيدة من نقطة الصفر بل استند إلى أبحاث ودراسات معمقة أعدها كثيرون في السنوات الأخيرة بينهم خبراء في التنظيم مثل بوب ايلفنستون المدير التنظيمي لألعاب دورة سيدني، وإعلاميون، ورياضيون وغيرهم في القطاعات التنظيمية والتجارية والإدارية، ويبقى الهدف «إعداد صيغة مستقبلية متينة للألعاب الاولمبية...». لكن ما يحضر له استنفر عدد من الاتحادات الدولية التي «تتغذى» صناديقها من عائدات الرعاية الاولمبية «وألا ستعلن إفلاسها» كما أوضح بول اندرسون رئيس الاتحاد الدولي للألواح الشراعية.
غير أن الرئيس روغ قلل من المأساة المتوقعة حين أعلن انه التقى الاتحادات الـ 28 المدرجة ألعابها في البرامج الاولمبية «والحوار كان جد إيجابيا، وان اضطررت أحيانا لأضع النقاط على الحروف بالنسبة إلى بعض الاتحادات، هدفي الأساسي إعادة نظر كاملة في الألعاب المعتمدة، ما سيسفر على المدى الطويل بناء جديداً لهيكلة هذا البرنامج، هناك ورم كبير لا يجوز أن يبقى، والإدارة الجيدة تعني أيضا الاستثمار في الأمكنة المناسبة».
وحين طالب أعضاء في الاتحاد الدولي للسباحة إدراج عدد من سباقات الـ 50 م وسباق للتحمل، ذكرهم روغ بان الهدف كان اعتماد 280 مسابقة في دورة أثينا 2004، لكن ذلك لم يحترم. وأوضح أن هناك 1300 سباحة وسباح سيخوضون الدورة الاولمبية المقبلة، و2000 مشاركة ومشارك في منافسات ألعاب القوى.
والمؤكد حتى الآن أن المشروع الذي يعد سيرتكز على خمسة أسس مرنة مفادها الملاءمة بين التقاليد ومتطلبات العصر، وإعداد برنامج يوازن بين الرياضات الجماعية والفردية، والمسابقات التي تزاول في الهواء الطلق وتلك داخل القاعات، فضلا عن طبيعة وأهمية المسابقات، على ألا تكون نسخة من بطولات العالم.
وتنبع تطلعات الرئيس روغ من ضرورة ألا يتعدى عدد المشاركين مستقبلا الـ 10500 رياضي، وإلا تشيد منشآت تستعمل خلال الدورة الاولمبية فقط. من هنا فان الألعاب المهددة بالحذف من البرنامج الاولمبي هي البيسبول والمصارعة الإغريقية الرومانية والخماسي الحديث والسوفت بول ومسابقات في الرماية والترويض (الفروسية) وعدد من المسابقات التي تجري استعراضيا.
يذكر أن الشرعة الاولمبية تنص على اعتماد 15 لعبة في الدورات الاولمبية كحد أدنى، فضلاً عن أن منظمي دورة بكين 2008 يطالبون باعتماد عدد من المسابقات التي تحظى بشعبية عندهم مثل الووشو (الكاراتيه الصينية)، واللافت أن بعض الألعاب حظيت أخيراً باعتراف من اللجنة الدولية على اعتبار أنها ألعاب جاذبة للجمهور مثل البريدج الذي دخلت على «سبيل التجربة» في دورة سولت لايك سيتي الشتوية عام 2002.
(ا ف ب)
