اختيرت لندن لتنظيم ألعاب الاولمبياد الـ 14 في العام 1948 وكانت تمثل الأمل والمقاومة في الوقت عينه خلال الحرب العالمية الثانية قبل ثلاثة أعوام. ومثلت إعادة إحياء ما تهدم في الرياضة عموما، علما أن طوكيو كانت مقررة أن تستضيف دورة 1940 ثم انسحبت لهلسنكي على أن تنظم لندن دورة 1944.

وإذا كانت دول عدة تأثرت بالحرب العالمية الثانية فغاب معظم أبطالها والذين شاركوا بدوا في مستوى ضعيف، فان دولا أخرى خاضت المنافسات الاولمبية للمرة الأولى وهي: لبنان وسوريا والعراق وبورما وغويانا البريطانية وفنزويلا وإيران وباكستان وبورتوريكو وترينيداد وسريلانكا (سيلان) وكوريا الجنوبية وجامايكا... وفي وقت اتحد العالم من جديد، غيبت تبعات الحرب ألمانيا واليابان عن الموعد الكبير، الذي استمرت الولايات المتحدة في صدارة ترتيب ميداليته، فحصدت في لندن 38 ذهبية و 27 فضية و19 برونزية، بفارق كبير عن السويد (17-11-16) وفرنسا (11-6-13).

وللمرة الأولى خطفت المرأة أضواء النجومية من الرجال، وانتزعت الهولندية فاني بلانكيرز كون (32 عاما) وأم لثلاثة أولاد أربع ذهبيات في جري 100 م و 200 م والبدل 4 مرات 100 م و 80 م حواجز. وفاز التشيكوسلوفاكي اميل زاتوبيك بذهبية 10 ألاف متر، معلنا بدء «عصره» وباتت مواطنته بطلة الجمباز ماكسي بروفانيزكوفا أول رياضية اولمبية شرقية تفر إلى الغرب، وتميز الفنلندي فيكو هوهتانن في الجمباز فحصد ثلاث ذهبيات وفضية وبرونزية. وجمعت مصر خمس ميداليات في آخر إنجاز كبير لها، إذ فاز إبراهيم شمس في ذهبية رفع الأثقال للوزن الخفيف، ومحمود فياض بذهبية الريشة، وعطية حمودة في فضية الخفيف، ومحمود حسن في فضية المصارعة اليونانية الرومانية لوزن الديك، وإبراهيم عرابي ببرونزية وزن الخفيف الثقيل.

جرى افتتاح ألعاب لندن في استاد ويمبلي الشهير، وأعلنه الملك جورج السادس، الذي تسمر واقفا على مدى ساعتين محييا الوفود المشاركة في طابور العرض وكان محاطا بالعائلة المالكة ومن ضمنها الملكة الحالية اليزابيت الثانية.. وواظب جلالته على حضور غالبية المسابقات كونه كان يعشق الرياضة ومنافساتها.

وقام الإنجليز بمجهود كبير لإنجاح الألعاب، على رغم البؤس المنتشر عقب الحرب، ويقول الصحافي جيمس كوت من «دايلي تلغراف»، وكان يومها فتى صغيرا«كانت الألعاب بالنسبة للشعب احتفالا غير مسبوق ليس على الصعيد الرياضي فحسب بل على صعيد الحياة اليومية لأنها الأولى من نوعها بعد الحرب، فهو يعيش أوضاعا صعبة ولا يمكن أن يكفي حاجاته اليومية من اللحوم والسكر، والفواكه شبه مفقودة في مدينة مدمرة لا توجد فيها فنادق. لذا عمد بعض الوفود إلى إحضار طعامه معه. وأقام الرياضيون في معسكرات القوة الجوية في سنتمور».

وأجريت المنافسات وسط طقس متقلب مزعج يتراوح بين المطر الغزير والشمس الحارة، وتميز عدد من الوفود بكثافة مشاركة الضباط الرياضيين خصوصا إنجلترا وفرنسا. وأقسم يمين اللاعبين الكومنودر الإنجليزي دونالد فلاني ثالث دورة لوس انجليس 1932 وثاني دورة برلين 1936 في سباق 110 أمتار حواجز، لكنه تعثر ووقع على أرضا وخرج خالي الوفاض.

ومن جديد خيمت الأجواء الدراماتيكية على مجريات الماراثون ، إذ كان العداء البلجيكي اتيان غايلي أول الواصلين إلى استاد ويمبلي متصدرا المشاركين، وكانت أمامه لفة واحدة حول المضمار لبلوغ خط النهاية، بيد انه كان منهكا ومشى مترنحا على رغم تشجيع الجمهور، ولم يقو الحكام على مساعدته تفاديا للحادث الذي حصل عام 1908 في لندن أيضا مع الإيطالي دوراندوبييري، ولحق الأرجنتيني ديلفو كابريرا والبريطاني توماس ريتشارد بغايلي وتجاوزاه بالغين خط النهاية،بينما اكتفى هو بالمركز الثالث.

وعانى المشاركون في سباق المشي 50 كلم والدراجات 200 كلم على الطريق الكثير من سوء الأحوال الجوية. وطار الفوز بذهبية المشي من يدي السويسري غاستون غوديل، الذي ظن لدى دخوله الاستاد انه أدرك خط النهاية وراح يحيي الجمهور، ولما نبهه الحكام أن عليه السير لفة إضافية، كان السويدي جون ليوغرين قد تجاوزه، اما في الدراجات فخاض المعاناة مئة متسابق، وتمكن الفرنسي جوزيه بيار من «النجاة» في نهايته.

ولفت الأنظار في لندن الحضور الاميركي الذي تميز مرة جديدة، وتمكن السباح والتر ريز من إحراز ذهبية 100 متر حرة (57ر3 ث)، وحققت وليام سميث رقما اولمبيا في 400 م حرة (4ر41 د)، وبرز مالفن وايفيلد في جري 800 م وأحرز الذهبية مسجلا زمنا مقداره 1ر49ر2 د.

أما المسابقة العشارية فعاد ذهبها للأميركي بوب ماتياس، وحل ثانيا الفرنسي انياس هنريش، الذي جند إجباريا في الجيش الألماني خلال الحرب كونه من الالزاس، فعاش الجحيم على الجبهة الشرقية، وأسر مع مجموعة من الفرنسيين من قبل الروس، «واعتبرونا متطوعين لمقاتلتهم لأننا من بروسيا الشرقية، فأساءوا معاملتنا». وفي الدورات السابقة كانت سيادة المسافات المتوسطة والطويلة عموما للفنلنديين، غير أن الجندي التشيكوسلوفاكي زاتوبيك (27 عاما) حضر ليسطر تاريخا جديدا لألعاب القوى ومنافساتها الاولمبية، ومعه نجوم جدد سيفرضون إيقاعهم على الساحة.

حضر إلى لندن الفرنسي ألن ميمون، شاب نحيف لا يلفت الأنظار، عامل مقهى فقير الذي كان يتدرب صباحا قبل بدء دوام عمله الممتد حتى منتصف الليل، وهو العداء العصامي الذي لم يحظ بمساعدة احد أو دعمه. اختير ميمون في صفوف المنتخب الفرنسي عن طريق «الصدفة» وقال «المرض أخر استعدادي، فلم أوفق في سباق 10 ألاف متر في بطولة فرنسا، وفي الليلة ذاتها قررت خوض سباق 5 ألاف متر، وحللت ثانيا من دون أي تخطيط مسبق. وفي لندن كانت الأنظار مصوبة على زاتوبيك، حتى أن مدلك البعثة الفرنسية رفض تمديد ساقي قبل سباق 10 ألاف متر، لان مهمته ببساطة محصورة بالأبطال!!».

كانت الحرارة شديدة خلال سباق 10 ألاف متر وكان هم ميمون تحقيق نتيجة جيدة لا أكثر «وجدت نفسي صامدا في مقابل تراجع كثر أو توقفهم وبينهم عدد من المرشحين، لم أصدق أنني كنت في كوكبة المقدمة، ولمحت زاتوبيك يسرع الخطى ويتقدمني ثم يفوز وأنا خلفه، أمر عجيب!». لكن ما أذهل ميمون وأزعجه تعليق الصحافة الفرنسية في اليوم التالي وتساؤلها عن خلفية هذا «المغمور» الذي حل ثانيا «انه من أفريقيا الشمالية استفاد من الطقس الحار ليحقق هذه النتيجة !!».

وميمون من عائلة متواضعة ، لكنه موهوب رياضيا منذ الصغر،كان قائد فريق لكرة القدم في سن العاشرة، وتفوق في سباقات الدراجات وهو في الخامسة عشرة على من هم في العشرين، لكنه كان يلعب الكرة حافي القدمين، وحذاء الرياضة الذي اشترته له والدته مخصص لذهابه إلى المدرسة، ومرة لما شاهده والده ينتعله ليلعب الكرة، كان نصيبه علقة ساخنة. حقق زاتوبيك مبتغاه الأول وصوب أنظاره نحو ذهبية سباق 5 ألاف متر، لكن البلجيكي غاستون ريف كان له بالمرصاد.

أقيم السباق في 12 أغسطس، وعمد ريف إلى «الالتصاق» بزاتوبيك، وتجاوزه خلال اللفة الأخيرة، محققا رقما اولمبيا جديدا مقداره 14. 7. 6 د »قبل أسابيع من بدء الألعاب تعرضت لحادث سير فانقطعت عن التمارين، وحين بدأ السباق النهائي كان المطر غزيرا، خططت منذ البداية أن ألحق بزاتوبيك لأعلق عربتي بقاطرته، عند نقطة 3500 م ، لاحظت أن التعب يدركه، قلت في قراره نفسي إذا أبطأ سينقض علينا الهولندي فيليم سليكهويس ويفوز بـ «السبرنت»، وهي الطريقة التي اعتمدها في التصفيات حين تغلب علي .

لذا قررت أن أسرع الإيقاع علني احفز زاتوبيك، وهذا ما حصل، لكن بعد نحو 600 م عادت دلائل التعب تظهر على وجهه، والمفاجأة انني تمكنت من تجاوزه وأصبحت أتقدمه بنحو 30 مترا، لكنه قاوم حتى الأمتار الأخيرة ظنا انه سيعود وينقض علي، وكاد يفعل ذلك، همهم الجمهور طويلا على المدرجات بعضهم تحسرا على «النموذج» والبعض الآخر ليلفتوا نظري إلى الهجوم الخاطف المزمع إن يشنه.

وفي النهاية، أصبح ريف أول بلجيكي يحصد ذهبية اولمبية في ألعاب القوى، وحمل احد شوارع مدينته برن هالن اسمه، كما أطلق على ملعبها. ومسك ختام استعراض «ذكريات» دورة لندن الحديث عن نجمتها الهولندية الطائرة فاني يلانكرز كون والفرنسية «الفنانة» ميشلين اوسترماير.

فاني واسمها الأصلي فرنسينا، هيمنت على سباقات السرعة، حاصدة أربع ذهبيات على غرار جيسي اوينز في دورة برلين 1936، وهي حققت 11. 9 ث في الـ 100 م و 24. 4 ث في أل 200 م ، وأسهمت في فوز بلادها في البدل 4 مرات 100 م ( 47. 5 ث)، وسجلت 11. 2 ث في الـ 80 م حواجز، وبين التصفيات والنهائيات، فازت فاني في 11 سباقا على مضمار موحل في غضون ثمانية أيام. واللافت أن «فاني » شاركت في دورة برلين قبل 12 عاما، حيث حلت سادسة في الوثب العالي وفي البدل 4 مرات 100 م، وكان أفضل إنجازاتها عامذاك، حصولا على توقيع الأسطورة اونيز.

نشأت «فاني» في عائلة مزارعة، وفي المدرسة تعلمت الخياطة والعناية بالحديقة وركوب الدراجة الهوائية، وزاولتها في أوقات الفراغ القليلة. انجذبت إلى الرياضة في سن الرابعة عشرة، وأعلنت عن طموحها الاولمبي، ووجهها احد أساتذة التربية البدنية إلى مزاولة ألعاب القوى طالما أن هناك سباحات كثيرات جيدات. وبدأت التدريب تحت إشراف يان بلانكرز البطل السابق في الوثبة الثلاثية..

وحطمت فاني الرقم الأوروبي في سباق 100 ياردة مسجلة 11 ثانية في بطولة باريس 1928، ثم تزوجت مدربها وعادت لتفوز بذهبيتين في بطولة أوروبا عام 1946 في أوسلو، بعدما نجحت في سنوات الحرب أن تحافظ على لياقتها وقوامها على رغم الصعوبات الكثيرة، فكان الحصاد في لندن وفيرا.

أما عازفة البيانو الفرنسي اوسترماير، فنالت ذهب دفع الجلة ( 13. 75 م) ورمي القرص (41ر92 م) وحلت ثالثة في الوثب العالي، فارضة التساؤل كيف تزاول عازفة مرهفة ألعاب القوى، لا سيما أن الموسيقيين يخافون على أيديهم ؟وهي كانت تجد في الرياضة راحة لهما..

وكانت اوسترماير «فلتة» رياضية منذ صغرها، موهوبة ومجتهدة، حفظت أحرف الأبجدية في عمر السنتين ونصف السنة، وباتت في سن السابعة تسبق أقرانها الفتيان في الجري وقدمت حفلتها الموسيقية الأولى في سن الثانية عشرة... حتى أنها أحرزت الجائزة الأولى للكونسرفاتوار الفرنسي عام 1946 في باريس، وفي اليوم التالي توجت بطلة لفرنسا في دفع الجلة في بوردو...

وقبل ثلاثة أسابيع من ألعاب لندن، لم تكن قد زاولت رمي القرص فتعلمت مبادئه سريعا وتأهلت للمسابقة وفيها راحت تحسن رقمها في المحاولات تباعا. وفي الأخيرة تفوقت بفارق 75 سنتم على الإيطالية ايديرا كورديالي جنتيللي. وتعترف اوسترماير أنها كانت مشدودة الأعصاب في مسابقة الجلة «لأنها اختصاصي والأنظار مصوبة علي فأضعت بذلك فرصة تحطيم الرقم العالمي».

اقامت اللاعبات الفرنسيات في فيكتوريا كولدج. وفي المساء بعد الفوز بذهبية القرص احتفلت بالعزف على بيانو متهالك، وفي اليوم الأخير للدورة دعاها رئيس اللجنة الاولمبية الفرنسية إلى حضور أمسية لموزار.. أما في الوثب العالي فقد شتت تركيزها النهاية الدراماتيكية لسباق الماراثون، وتشجيعها وباقي أفراد البعثة الفرنسية فريق البدل 4 مرات 400 م رجالا الذي حل ثانيا.

ساعد إتقان اوسترماير العزف على «احترام» الإيقاع في خطوات الرمي وحركة الدوران، والرياضة منحتها الاسترخاء وكانت فسحة جميلة، كما كانت الموسيقى فسحة أمل أنقذتها من مأساتي فقدانها زوجها رينيه غازاريان وولديها جوال وألن. وهي نشأت في تونس حتى سن المراهقة مع والدتها الرياضية والعازفة. وتميزت، بمواصفات جسدية قياسية إذ بلغ طولها 1. 78 م ووزنها 72 كلغ، وطول ساقيها 83 سنتم.

معلومات

أقيمت الدورة في لندن من 29 يوليو إلى 14 أغسطس بمشاركة 4106 بينهم 385 لاعبة من 59 دولة تنافسوا على ميداليات 137 مسابقة ضمن ألعاب كرة السلة وكرة القدم والملاكمة والمصارعة والدراجات وكرة الماء والتجذيف والجمباز والفروسية وألعاب القوى والسباحة والغطس واليخوت والرماية والخماسية الحديثة ورفع الأثقال والمبارزة والهوكي على العشب.