لفت عدد كبير من المؤرخين إلى ان برلين في تلك الحقبة كانت آخر مكان يمكن أن يستضيف الألعاب الاولمبية، نظرا لموجة العنصرية التي كانت سائدة في ألمانيا، وهي طبعا عكس المثل الاولمبية ومبادئها السامية.

أقرت اللجنة الدولية منح برلين تنظيم ألعاب الاولمبياد ال11 عام 1932، لكن الحزب النازي بقيادة أدولف هتلر تسلّم مقاليد حكم ألمانيا العام التالي... واتخذ من إقامة الألعاب عنصر دعاية مهما ودعما وإلهابا لحماسة الشعب وتقوية روح الاعتزاز بالعنصر الآري لدى أفراده، ما جعلها تفقد للمرة الأولى غايتها المثلى وتحيد عن هدفها الحقيقي الذي أراده باعثها البارون الفرنسي بيار دو كوبرتان، وهو دعم روح الصداقة بين الرياضيين المشاركين لنشر السلام العالمي. وللمصادفة، فإن دو كوبرتان توفي في العام التالي لاختتام الاولمبياد ال11، ودفن قلبه في اولمبيا ( اليونان).

وتصدرت «القوة الألمانية» ترتيب الميداليات بـ 33 ذهبية و26 فضية و30 برونزية، امام الولايات المتحدة (24 ـ 20 ـ 12) وهنغاريا (10 ـ 1 ـ 5)... لكن نجم الدورة التي حظيت بحضور مكثف (نحو ثلاثة ملايين شخص) لم يكن ألمانيا إنما جيسي اوينز (23 عاما) القادم من الاباما في الجنوب الأميركي والذي انتزع أربع ذهبيات في الـ 100 و200 م والبدل 4 مرات 100 م والوثب الطويل... ومنح الرباعون المصريون بلادهم الميداليات من المعادن المختلفة، إذ فاز خضر التوني بذهبية وزن المتوسط، ومحمد مصباح بذهبية وزن الخفيف، وصالح سليمان بفضية وزن الريشة، وإبراهيم شمس ببرونزيته، وإبراهيم واصف ببرونزية خفيف الثقيل.

وعكست الدورة في بعض فقراتها الصورة الايجابية ل«العنفوان الألماني»، إذ انه رغم إصابته بكسر في ترقوته خلال سقوطه عن صهوة فرسه أثناء القفز على الحواجز في المسابقة الكاملة للفرق، اضطر الملازم كونراد فون فانغينهايم إلى المشاركة لان انسحابه سيقصي منتخب بلاده. شارك فانغينهايم في المسابقة لكن فرسه تعرض للسقوط في احد الحواجز، وهو «تدحرج» من فوقها.. ونهض معتقدا أنها ماتت، لكنها وقفت بدورها... وتابع الفارس والفرس المسابقة من دون أن يرتكبا أي خطاء في باقي الحواجز... وتوجت ألمانيا بطلة اولمبية، وصفق مئة ألف متفرج بحرارة للملازم الشجاع.

استاد عملاق

رفعت ألمانيا سقف التحدي عاليا، فشيدت في أشهر معدودة استاداً عملاقا يسع مئة وعشرة آلاف متفرج، ولا يزال صامدا حتى الآن شاهدا على عصر الهندسة والتصاميم النازية.. وخصصت للرياضيين قرية اولمبية مترامية الاطراف وسط غابة ومناظر خلابة، واعتمد حوض سباحة اولمبيا تحيط به مدرجات تتسع ل20 ألفا. واستاد برلين كان أصلا معلما معماريا أنجز العام 1912، ويستوعب لـ 30 ألفا، ويضم مضمارا للجري بلفة طولها 600 م بطلب من الاتحادات الرياضية وقتذاك.

وعهدت السلطة إلى البروفسور مارش نغل مهندس الاستاد بتوسعته... ولما دخل هتلر بعد انتهاء الأعمال وجده صغيرا من وجهة نظره في ما يتعلق بأنشطة الحركة النازية وشبيبتها وتجمعاتها، إذ لم تكن للرياضة الأفضلية والأهمية في هذا الإطار. لكن الغاية تبرر الوسيلة، فمن اجل أفضل إخراج للألعاب يعكس الصورة الايجابية للنازية و«تسامحها» وترحيبها، طلب الفوهرر من وزير الدعاية والاعلام في حكومته جوزف بول غوبلز أن يحّول برلين إلى واحة تسامح وألفة..

وكان يجول معه وبصحبته قائد الطيران هيرمان غورينغ متفقدين مرافق الدورة ومطلعين على تطور الاستعداد لها... فلا عجب أن علقّت اعلام عملاقة تحمل شعارين متناقضين الصليب المعكوف والحلقات الاولمبية، ولم يعد غريبا سماع صيحات الشبيبة النازية تحيي الشعلة والألعاب وهي ترتدي زيا واحدا، ويرافق أفرادها الوفود!

ومن جديد الألعاب التصوير التلفزيوني والإنتاج السينمائي... فيلم عن الدورة وأجوائها صورته وأخرجته ليني ريفنشتال (36 عاما) وأرادته من دون تعليق يثير اهتمام الجميع وليس محبي الرياضة ومزاولي ألعابها فقط.. لكن «اعتبره بعض الحساد دعاية لهتلر واني مقربة منه واعمل بإيحائه وكأني بامبادور الرايخ الثالث!

لكن حصلت على إذن تصويره من اللجنة الاولمبية الدولية، وهو نجح لأنه تعاطى باستقلالية تامة مع الأفكار والاتجاهات»، علما أن غوبلز تمنّى الا تركز مشاهده كثيرا على الابطال من الأعراق الملونة. أما التطور التلفزيوني والنقل المباشر فبدأ من خلال الموجات الهرتزية المبثوثة عبر الكابلات وكانت أيضا بداية اعتماد الكاميرات السائرة على سكة خاصة إلى جانب مضمار الجري.

بدء النقل التلفزيوني المباشر مع كاميرا الكترونية من تصميم تيليفونكن، حيث بلغ النقل اليومي حدود الثمانية ساعات. في 2 اغسطس 1936 استعرض هتلر في الاستاد 4 آلاف رياضي ممدودي الأيدي في تحية «اولمبية غير مألوفة» وبعضهم تصرّف على طريقته وبينهم الأميركيون الذين ساروا أمام المقصورة الرئيسة وقبعاتهم ملصقة بصدورهم...

وفاقت الهستيريا الجماهيرية كل حد، وكانت لها ردة فعل معاكسة على الابطال الألمان المطالبين بالفوز ولا شيء غيره ما ولّد ضغطا كبيرا على كاهلهم، فكانت الصيحات ترتفع من كل صوب توجّه وتحفز.. كما حصل مع رامي القرص ويلي شرودر إذ نافس وأذناه تضجان بجملة واحدة «وأنت ترمي فكّر في وطنك وزعيمك..».

لكنه خسر بفارق أكثر من متر إمام الأميركي كين كاربنتر... غير أن هتلر سّر من الألمانيات تحديدا، إذ سجلت جيزيلا مورماير رقما عالميا في رمي القرص (63. 47 م)، وهزمت لويز كينجر بطلة رمي الرمح البولندية ماريا كاوسنيكايا (29. 43 م في مقابل 83. 41 م)، لكن تيلي فلايشر خطفت الأضواء الأخيرة بتسجيلها رقما اولمبيا مقداره 18. 45 م.

هتلر وأركانه

ولعل الألمان عموما وهتلر وأركانه خصوصا ارتاحوا لنتائج منافسات القوة التي أظهرت أن الشعب يسير إلى الإمام... ففي دفع الكرة الحديد رمى الشرطي هانس وولكي الثقل مسافة 20. 16 م معززا الرقم الاولمبي ورقي إلى رتبة ملازم.. وحطم مواطنه كارل هاين الرقم الاولمبي لرمي المطرقة مسجلا 49. 56 م، وحلّ مواطنه أرفين بلاسك ثانيا (04. 55 م). ونال ذهب رمي الرمح غيرهارد شتوك (84. 71 م)، وكان حلّ ثالثا في دفع الجلة.

وفي سباق البدل 4 مرات 100 م كانت الألمانيات المرشحات البارزات للفوز، إذ حطمن الرقم العالمي في نصف النهائي، وتقدمن في المواجهة الحاسمة بعشرة أمتار على باقي المنافسات، غير أن المفاجأة فعلت فعلها حين سقطت عصا البدل من يدي ايليزي دورفلت فأستبعد الفريق، وطار اللقب إلى الأميركيات... غير أن الآتي أعظم من بعثة الولايات المتحدة وتحديدا السود من أفرادها.

فللمرة الأولى في الألعاب الاولمبية يرتفع حاجز الوثب العالي إلى مترين، وقد اجتازه الأميركيان الأسود كورنيليوس جونسون والبيريتون. وعاد جونسون وتجاوز 03. 2 م وهو رقم اولمبي جديد صمد 16 عاما. وبات أول اسود يقطف الذهب في برلين تحت أنظار هتلر. كما شهد سباق 800 م، صراعا بين عداءين أسودين هما الكندي فيليب ادواردز والأميركي جون ورودورف الذي فاز مسجلا 1. 9. 52 دقيقة.

هذه المؤشرات كانت «تمهيدا» لسطوع نجم جيسي اوينز، فقبل عام واحد حطم أو عادل ستة أرقام عالمية، وسبقته شهرته إلى برلين كونه «ملك سباقات السرعة والوثب الطويل». في نصف نهائي سباق أل 100 م خطف اونيز البريق والاهتمام كلهما، إذ سجل 2. 10 ثوان، لكن الزمن القياسي العالمي الجديد لم يعتمد بسبب تجاوزه سرعة الريح المعدل.

تألق أوينز

انتقل اوينز إلى الدور النهائي ليواجه العداء الألماني بورش ماير الفائز في نصف النهائي الثاني ومحط أنظار مواطنيه، لكن فتى الآباما عادل الرقم العالمي 3. 10ث، وحل مواطنيه رالف متكالف (أسود أيضا) ثانيا 4. 10 ث).. ثم فاز اوينز في سباق ال200 م (7. 20 ث). وفي البدل 4 مرات 100 م، أعطى اوينز العصا لزميله الرابع متكالف الذي هب كالريح إلى خط النهاية، والحصيلة رقم قياسي عالمي جديد من صنع أميركي (8. 39 ث).

كظم هتلر غيظه لعل وعسى يتمكن لوتس لونغ من النيل من اوينز في الوثب الطويل.وبدأ لونغ المنافسة مسجلا 54. 7 م في المحاولة الأولى، فرفع اوينز سقف التحدي مسجلا 74. 7 م، وسارع الألماني إلى بلوغ مسافة 84. 7م، فحاصره الأميركي بـ 87. 7 م، ولم يستطع لونغ أكثر من معادلة هذا الرقم في محاولته الأخيرة مسجلا رقما أوروبيا جديدا.

لكن اوينز استجمع قواه ليقول كلمته في مسك الختام ووثب 60. 8 م... رقم عالمي صمد 24 عاما... وغادر هتلر الاستاد على الفور في حين كانت ترتفع على السواري أعلام الولايات المتحدة وألمانيا واليابان التي حلّ مواطنها ناوتو تاجيما ثالثا... أعلام دول أركان في حرب بدأ الإحماء لها.

والاستاد الاولمبي في برلين كان محطة ذكريات لاوينز بعد أربعة عقود من انتصاره المدّوي، وهو أعتبر أن سباق المئة متر كان «ساعة الحقيقة التي دقت. هذا النهار انتظرته تسع سنوات، تسع سنوات من التدريب المضني والسباقات التي لا تحصى.. وقفت في الحارة الأولى عند خط الانطلاق وتلاطمت في رأسي أفكار كثيرة تزاحمت وتداخلت.

تذكرت مدربيّ ونصائحهم، مدينتي وزوجتي وعائلتي، المدرسة والأصدقاء وأوقات الطفولة، وبحركة لا شعورية مسدّت بيدي العلم الأميركي على قميصي، فانا هنا من اجل بلادي. شعرت حينئذ أن قدمي لا تقويان على الوقوف، إرتختا تحت ثقل جسدي الغارق بوزن الأفكار، بدأت يداي ترتجفان وجف حلقي، كيف لا وخلاصة السنوات التسع ستمر في شريط مدته 10 ثوان. انتفضت وكأني أصحو من غيبوبة طويلة.

علي التركيز والانعزال للحظات إمام هذا الحشد الكبير، إلى جانبي سبعة عدائين قادر كل منهم على الفوز وليعلن أسرع رجل في العالم... قررت إلا أتطلع يمينا أو يسارا صرت متلهفا لسماع طلقة البداية والجري، أخذت وضع التحفز للانطلاق وصوبت عيني على ارض المضمار وخط النهاية فيه... وانطلقت في السباق الأكبر في حياتي».

واستقبل اوينز العجوز من قبل حشد من المعجبين والصحافيين، انتظروه وسروا بلقائه «ومصافحته والتقاط الصور معه ومحادثته والحصول على توقيعه.. وكان سروره عظيما أنه أجمل تقدير لي ولم أتوقعه، حين شاركت في الألعاب الاولمبية كان أباء هؤلاء صغارا أو لم يولدوا بعد... ومن خلال منافستنا في الألعاب كانت رسالتنا واضحة للنازيين... لا دخل للسياسة في الرياضة، وبرّهنا أن الولايات المتحدة هي وطن المساواة والعادلة والفرص المتاحة للجميع».

وحضرت في بال اوينز خاطرة رواها مبتسما «طلبت لجنتنا الاولمبية إن اكرّم بالجلوس في المقصورة في استاد برلين فرفض النازيون طلبها، وان كنت سعيدا جدا بالرد السلبي صدقوني..». جيسي اوينز وتسعة سود أميركيون آخرون «لونوا» فيلم ريفنشتال.. وفرادة اوينز انه كان يركض مسافة المئة أو المئتي متر بالإيقاع عينه من البداية إلى النهاية... ينطلق سريعا ويجتاز خط النهاية بالسرعة ذاتها... وفي الوثب الطويل كان يمتاز بتصاعد طول المسافة التي يجتازها من محاولة إلى أخرى، علما أن تقنيته كانت جد تقليدية، فلا يحسب حسابا للحد الأقصى لبدء التحفز وحافة الارتقاء وألا لزادت المسافة التي يجتازها.. كان فقط يتحفز يسرع بالجري ويثب.

.... «نجحت» الألعاب وتلقى الفوهرر الشكر من رئيس اللجنة الدولية الكونت باييه لاتور، وطلب من الرياضيين الاستعداد للألعاب الاولمبياد ال12 بعد أربعة أعوام في طوكيو... لكن شعلة الحرب وأعلامه تقدمت كل ما عداها من جديد وحرقت المثل والأهداف النبيلة... ومثلما ألغيت ألعاب طوكيو 1930، حذفت ألعاب لندن 1944.. فلا وقت إلا للقتل والدمار.

محطات

* شمل برنامج المسابقات كرة السلة والملاكمة والمصارعة والدراجات وكرة الماء وكرة اليد واليخوت والسباحة والغطس والبولو والخماسية الحديثة والرماية ورفع الأثقال والجمباز والتجديف والفروسية والمبارزة والهوكي على العشب وكرة القدم وألعاب القوى... وأصبحت كرتا السلة واليد للمرة الأولى ضمن البرنامج الرسمي.

* سعت دولا عدة إلى نقل الألعاب إلى مدينة برشلونة الاسبانية، التي زاحمت برلين عند الترشح. غير ان الحكم الفاشي الذي ساد أسبانيا وقتذاك عمل على أن تبقى المنافسات في برلين، وهي أقيمت بين 2 إلى 16 (أغسطس) بمشاركة 4973 رياضيا بينهم 328 لاعبة من 49 دولة.

* حضرت للمرة الأولى بعثات من أفغانستان وجزيرة برمودا وبوليفيا وكوستاريكا ليختنشتاين وبيرو.