وحدها أمستردام كانت المدينة التي ترشحت لاستضافة الدورة الأولمبية التاسعة عام 1928، فنالت حق التنظيم والاستضافة، وأضافت جديداً إلى «طقوس» الألعاب تمثلت بإيقاد الشعلة للمرة الأولى. أقيمت الدورة التاسعة من 23 يوليو إلى 21 (أغسطس) على رغم ممانعة ملكة هولندا فيلهلمين التي اعتبرت الدورات الأولمبية تظاهرة وثنية، لكن استفتاءً شعبياً قضى بعكس ذلك.
وافتتحت الألعاب في غيابها، بمشاركة 3293 رياضياً من 46 بلداً بينهم 290 امرأة، تنافسوا في 111 مسابقة. وشهد البرنامج مباريات في الملاكمة والمصارعة والدراجات وكرة الماء والجمباز والتجديف والفروسية وألعاب القوى (بينها خمس مسابقات للسيدات) واليخوت والسباحة والغطس ورفع الأثقال والمبارزة والهوكي على العشب وكرة القدم.
ودخلت دول جديدة على خط المشاركة هي بنما وروسيا الشمالية ومالطا، وعادت ألمانيا إلى «العائلة» بعد تغييب استمر 16 عاماً، لكن الترحيب الهولندي بحضور بعثتها والود الذي أظهر تجاهها قابله رفض فرنسي لدخول طابور العرض احتجاجاً على ذلك، وأيد الأميركيون الموقف الفرنسي، وكان يرأس بعثتهم الجنرال الشهير بعدها ماك آرثر أحد أبطال الحرب العالمية الثانية.
مشاركة السيدات
ولأن الدورات الأولمبية عادة ما تكون مصحوبة بالمفارقات راجت الأخبار ودارت حول بعض الوقائع والظواهر ولا سيما في ما يتعلق بمشاركة السيدات خصوصاً في ألعاب القوى، وذلك طبعاً عكس رغبة «المؤسس» البارون الفرنسي بيار دو كوبرتان الذي أصبح هرماً فآثر الراحة بعيداً عن الجو المشحون، غير إن عبارته الشهيرة «إن مشاركة النساء غير عملية وغير مهمة وغير صحية وتخلو من الناحية الجمالية «ظلت تتردد طويلاً في أروقة الملعب التحفة الذي صممه يان ويلز واعتبر لاحقاً معلماً تاريخياً على رغم الحملات لهدمه ومنح لاحقاً الميدالية الذهبية للتصميم تقديراً لهذا «الابتكار».
ظّل كوبرتان يطالب إن يقتصر دور الجنس اللطيف على الجانب البروتوكولي المتعلق بتوزيع الجوائز ومراسم التكريم... «لأن بنيتها لا تقوى على تحّمل مشاق التدريب المضني والجهد الكبير في المسابقات».
وأثارت إقامة سباق 800م للسيدات أسئلة كثيرة نظراً لاعتباره «كارثياً»على بعض المشاركات، علماً إن المتوجّة الأولى فيه كانت الألمانية لينا روكيه باتشمان، وهي أضحت ثاني ألمانية تحرز ميدالية لبلادها في ألعاب القوى... فقد حذف السباق لاحقاً من البرنامج ولم يعد إدراجه إلا في دورة عام 1960 في روما.
وترافقت تحفظات دو كوبرتان المستمرة على المشاركة النسائية مع وصية الوداع التي ناشد فيها الجميع المحافظة على المثل الأولمبية وفي مقدمها الهواية... هذه «المثالية» التي بدأت تتحول إلى كابوس بالنسبة لكثيرين، ويقع البعض ضحايا خرقها.
وتمثلت حالات الرفض الشديدة لأفكار دو كوبرتان الخاصة بمشاركة المرأة بحركة رائدة في فرنسا عام 1920 بطلتها تيريز بروليه، يومها كانت رياضة «الجنس اللطيف» كناية عن رقص إيقاعي أو جمباز إيقاعي في مدرسة أيرين بوبار.
ومن الأسماء التي رسخت في تاريخ «الأولمبياد التاسع» بطل المبارزة الفرنسي لوسيان غودين، فعلى رغم نيل الإيطاليين حصة الأسد في مسابقات اللعبة، إلا إن غودين ابن الـ 42 عاماً حصد ذهبيتي الحسام والشيش، انتصار انتظره 25 عاماً، منذ ان حقق لقبه العالمي الأول عام 1903.
الظاهرة نورمي
استعراض وقائع دورة أمستردام 1928، لا يكتمل من دون التطرق إلى ظاهرة الفنلندي نورمي مجدداً، والنموذج الفرنسي حول لادوميغ... ونهايتها الدراماتيكية، فضلاً عن إيلاء التغذية المدروسة الاهتمام للمرة الأولى، وقد حملت باخرة الرئاسة الأميركية 250 رياضية ورياضياً من الولايات المتحدة وجبات عدة وكمية كبيرة من المثلجات و580 شريحة لحم تحتوي على الفيتامينات الكاملة!!
صحيح ان نورمي قطف ذهبية الأولمبية التاسعة لهذه الدورة من خلال فوزه في سباق 10 آلاف متر وتسجيله رقماً قياسياً جديداً أمام مواطنه فيلهو ريتولا الذي ثأر منه في سباق 5 آلاف متر لكنه ظّل ذلك «التمثال الجامد» الذي يتجنب الآخرين والإدلاء بتصريحات أو حتى الابتسام حين تلتقط له الصور.
وتذكر التقارير انه شوهد للمرة الأولى يضحك منذ عام 1920 في خضم سباق 3000 م موانع الذي خسره أمام مواطنه تينو لوكولا (9ر12ر8 د رقم أولمبي جديد)، حين تعثر في حفرة المياه ومد له منافسه دوكنسي يده ليساعده في المتابعة... فكان لفتة شكر منه عبرّت عنها معالم محياه التي انفرجت أساريرها!! غير إن هذا الشرود سهل فوز لوكولا.
نورمي «انتهى» منبوذاً بعد الدورة وأوقف دولياً بعدما اتهم بنيله 25 ألف دولار لقاء المشاركة في عدد من السباقات، فاستبعد عن الساحة العالمية... ولاحق المصير التراجيدي ذاته لادوميغ حتى قضى عليه.
كان لادوميغ الملقب بـ «جيلو» المرشح لنيل سباق 1500م، ونافسه على الطليعة الفنلنديان بوريي وهاري لارفا ابن بلدة توركو مسقط نورمي. ويومها كان الفنلنديون مسيطرين على مجمل المسافات المتوسطة والطويلة وتحديداً منذ دورة أنتورب 1920.
وأطلق «جيلو» العنان لخطواته المطاطية الواسعة جداً، بعد محاشرته للارفا وتجاوزه، فهلل الفرنسيون في الاستاد ظناً منهم إن لا أحد بإمكانه بعد ألان تجاوز عدائهم، لكن لارفا استدرك الموقف وتقدم على لادوميغ بفارق مترين فقط عند خط النهاية ملحقاً به خسارة غير متوقعة بقيت وانتصار البريطاني ايليس عليه عام 1927، الوحيدتان في سجله... وما عزز من بريق فوز الفنلندي تحقيقه رقماً أولمبياً مقداره 2، 53، 3 د وطبعاً أسهم لادوميغ كثيراً في تحقيقه.
إقصاء بسبب المال
وعلى غرار «الشائعات» التي روجت حول نورمي، ذكر إن لادوميغ قبض مبالغ طائلة حينذاك «ليخوض سباقات في السويد، فأقصي عن الساحة ومنع مثل نورمي من المشاركة في الأولمبياد في لوس انجلوس عام 1932.
وقد ورد في تحقيقات وتقارير صحافية في فرنسا تحديداً، إن عدداً من عدائي الطليعة أمثال سيرا مارتن وجان كيلر لم يتضامنوا مع لادوميغ ( 26 عاماً) الذي كان في أوج عطائه. وأصاب إقصاؤه ألعاب القوى الفرنسية في مقتل طوال عشرة أعوام فمع أفول نجمه عن المضمار برز جيل جديد ضم الأميركي ورد روف والنيوزيلندي لوف لوك.
وكان مجرد إعلان مشاركة لادوميغ الذي حقق أرقاماً عالمية على المسافات من 1000 إلى 3000م فضلاً عن سباقات الميل والميلين وغيرها من القياسات الإنجليزية، يؤمن حشوداً من المتفرجين... لكنه مضى بعد الخيبة ليسابق الخيول في السيرك أو يجري استعراضياً فوق بساط آلي على مسرح «ميوزيك هال» باريسي... وإزاء الموقف الرسمي منه، كانت اللفتة الشعبية المعنوية إذ استقبله نحو 400 ألف شخص يحييونه وهو يجري من «بورت مايو» إلى ساحة الكونكورد في العاصمة الفرنسية.
قصة لادوميغ، هي القدر الساخر من الساعي إلى الفوز لينتقم إلى الأبد من طفولته المعذبة، إذ توفي والده قبل ثلاثة أشهر من ولادته... ولما حملته أمه طفلاً عمره 17 يوماً إلى جده المقعد، تعثرت قرب المدخنة واشتعلت النار بثوبها الطويل، فحمت الرضيع بما تبقى منه... وتوفيت لاحقاً متأثرة بحروقها... لكن نار المجتمع حرقت مستقبل «جيلو».
الصدارة أميركية
في الترتيب النهائي للميداليات، بقيت السيطرة للولايات المتحدة فتصدرت بـ 22 ذهبية و18 فضية و16 برونزية، في مقابل 10 ذهبيات لألمانيا و7 فضيات و14 برونزية، وحلت السويدية ثالثة ( 7-6-12).
وباتت مصر أول دولة عربية تسجل اسمها على السجل الذهبي إذ عرف إبراهيم مصطفى التتويج بالذهب في الوزن خفيف الثقيل للمصارعة اليونانية ـ الرومانية وأضحى أول فائز في الدورات الأولمبية من خارج «النادي الأوروبي»، ونال مواطنه سيد نصير ذهبية رفع الأثقال للوزن خفيف الثقيل، وحصد فريد سميكة الذي تدرب في الولايات المتحدة فضية الغطس من المنصة الثابتة وبرونزية المنصة المتحركة.
ورفع العداء الفنلندي بافو نورمي عدد ذهبياته إلى 9 في 3 دورات، وفرض جوني فويسمولر «طرزان» نفسه من جديد في السباحة. وفاجأت الكندية بيريس وليامس الجميع بفوزها في سباقي الجري 100م و200م فضلاً عن فوز فريق البدل 4 مرات 100م بذهبية السباحة ومواطناتهن في البدل 4 مرات 400م جرياً... وحصل الفرنسي الجزائري الأصل محمد بوقره العوافي على ذهبية الماراثون... وحفظّت السجلات اسم الإيطالية ليويجينا جيافوتي التي أحرزت فضية في الجمباز وأصبحت أصغر متوجة أولمبية وهي في سن 11 عاماً و302 يوم.
الأمير والعامل
في سباق الماراثون فاجأ العوافي العامل في مصانع رينو الجميع، وسجل زمناً ممتازاً مقداره 57,32,2 س، خاطفاً اللقب من صاحب الأفضلية الأول الفنلندي مارثي مارتيلين والفرنسي غيوم تل الذي اكتفى بالمركز الـ 29، وحشد من أقوياء فنلندا واليابان وأميركا الجنوبية، الذي نفذ منهم التشيلي ميغل بلازا، ولم يتفوق العوافي عليه إلا بفارق قليل، بفضل «ملكاته الطبيعي» في الخطوات السريعة والطويلة.
والمفارقة ان الفوز الفرنسي تجدد بعد 28 عاماً من إحراز ميشال ثياتو لقب السباق في دورة باريس عام 1900... وتكرر بعد انتظار 28 عاماً آخر، بفضل انجاز ألن ميمون ـ الجزائري الأصل أيضاً في دورة ملبورن عام 1956.
كما أصبح أمير السويد اولاف الخامس أول بطل من عائلة مالكة عندما أحرز ميدالية في سباق اليخوت... ودشنت الهند أول ألقابها الستة المتتالية في الهوكي على العشب بفوزها إمام 50 ألف متفرج... ومهدّت أوروغواي للقبها المونديالي الأول في كرة القدم عام 1930 على أرضها، بالذهبية الأولمبية في أمستردام.
(أ.ف.ب)
