كرمت» باريس مجددا فمنحت شرف تنظيم دورة الألعاب الاولمبية الثامنة، بعد 24 عاما من المرة الأولى، و30 عاما من تأسيس اللجنة الاولمبية الدولية. وصادفت مرحلة التغيرات الثقافية والفنية والعروض المسرحية والمناظرات والندوات التي راجت كثيرا في المقاهي والمسارح.
وتكريما للألعاب تحولت بقعة معزولة في منطقة كولومب إلى واحة نابضة بالحياة، حيث الاستاد الذي يتسع لـ 60 ألف متفرج، وازدحمت مدرجاته بهذا العدد الكبير يوم الافتتاح بتاريخ 5 ووصف هنري دومونتليرون المشاركين في طابور العرض بأنهم زهور العالم... وإذا كان «تدشين» الألعاب حشد جمعا كبيرا من مشاهير العالم، فتقاطرت سيارات رولز رويس لنقلهم ومنهم شاه إيران وإمبراطور إثيوبيا هايلي سيلاسي وأمير رومانيا، واحتلوا أماكنهم في منصة الشرف بجانب رئيس فرنسا غاستون دوميرك... فان المنافسات جيشت شريحة الفنانين والأدباء والشعراء واحتدمت «المعارك الأدبية» في تمجيد الإبطال سعيا إلى الظفر في المباريات الأدبية الموازية.
استوحى الفنانون أعمالا عدة من برج ايفل المشرف على كولومب،« وقسم الرياضيين الذي أداه احد أبرز الوجوه المحلية جيو أندريه الذي سبقت له المشاركة في دورتي لندن 1908 واستوكهولم 1912، والمبارزات والنزالات ومسابقات المضمار والميدان، ومنهم جان كوكتو الذي لم تكن مشاهدة المباريات مألوفة لديه، وبالتالي «عاش غرائب» كثيرة من على المدرجات.
نجوم وأضواء وأساطير
كثر هم الذين خطفوا الأضواء، في مقدمهم العداء الفنلندي بافو نورمي نظرا لإحرازه خمس ذهبيات في جري المسافات المتوسطة والطويلة، وعداء المسافات القصيرة الأميركي هارولد ابراهامز، والسباح الأميركي جوني فايسمولر الذي لعب دور طرزان على الشاشة.
وحكي عن سباق 800 م كما يحكى عن الأساطير الإغريقية، وهو جمع السويسري بول مارتن والبريطاني دوغلاس لووي في «منازلة» استقطبت اهتمام الأدباء، وبعد نحو 20 عاما جسّدت وقائعه من خلال عمل مسرحي لجان لوي فارو، وقاد الفرقة الموسيقية شارل مونش.
بلغ طول لفة مضمار استاد كولومب 500 م، وتنافس في «السباق الأسطوري» ثلاثة أميركيين وأربعة بريطانيين، ومارتن الذي أصبح لاحقا جراحا مشهورا. ويتذكر السويسري لحظاته كافة، «كانت الأنظار مصوبة إلى البريطاني ستالارد، وقد تجاوزته قبل إن يفاجأني لووي، لذا استنزفنا قوانا حتى خط النهاية.
في البداية تقدم ستالارد بنحو ثلاثة أمتار، وحين تراجع نفذ لووي من الزحمة وحيث تعيّن علي ملاحقته، كان إمامي بنحو خمسة أمتار، ووصلنا معا لكنه اجتاز قبلي شريط النهاية. والتفت نحوي ونادني عزيزي بول، إذ سبق إن تعارفنا وركضنا معا في دورة الألعاب الجامعية، وأدركت فوزه وصافحته مهنئا». ويؤكد مارتن انه سّر بإحرازه الميدالية الفضية وكأنه صاحب المركز الأول.
الظاهرة نورمي
إذا استعرضنا أيام ألعاب باريس، يأخذنا الحديث للتوقف عند ظاهرة الفنلندي نورمي بطل سباق 1500 م و5000 م، كان يظهر عليه دائما الحرص على التركيز والحضور الذهني والبدني فظن البعض انه يفضل الانزواء وعدم الاختلاط. وعرف عنه قيامه بتدريبات مرحلية تصاعدية لضمان اللياقة والقدرة على التحمل، لذا سمي بـ «رجل الحسابات» والإيقاع والخطوات المدروسة الواسعة وانتظام ذلك مع التنفس وتآلفه، علما أن بلوغ ذلك بحاجة إلى تضحيات كبيرة.
كان نورمي (27 عاما) اكتشاف ألعاب أنفير 1920، حطم الرقم القياسي الاولمبي في سباقي 1500 م (53ر6ر3 دقائق) و5 آلاف (2ر31ر14 دقيقة). وجاء انتصاره في السباق الثاني بعد 20 دقيقة فقط من إنهائه الأول مكللا بالغار، وهذه ظاهرة نادرة بحد ذاتها.
وشارك نورمي أيضا في سباق الضاحية (10 آلاف متر)، الذي بلغ فيه عدد المتبارين 36 عداء من فرنسا والولايات المتحدة والسويد وفنلندا... لكن 23 انسحبوا، وكتبت الصحف في اليوم التالي معلّقة انه سباق خطر، كان درب جلجلة في ظل حرارة وصلت إلى 40 درجة مئوية، وكان يجب إلغاؤه. الاتحاد الفرنسي لألعاب القوى اخطأ من دون شك»... كان الغريب إن نورمي أنهاه بفارق كبير بعيدا من الآخرين، نضرا ومنعشا!
القس البريطاني
أما ابراهامز الذي فشل في محاولته الأولى في أنفير، فقد عادل في باريس الرقم الاولمبي للمئة متر (6ر10 ثوان) مرتين في التصفيات وفي السباق النهائي.وتميّز القس البريطاني اريك ليدل، بارتدائه السروال الطويل إلى ما دون الركبتين، وتمتعه بطاقة تفوق قوة لاعبي الركبي، وهو أصبح مرسلا مبشرا في الصين. وقد أحرز سباق 400 م بعدما حّل ثالثا في 200 م.
كما برز هارولد اوسبورن في الوثب العالي وعرف أسلوبه بـ «الدوران الكاليفورني» بعدما اجتاز ارتفاع 98ر1 م، فضلا عن ذلك غنم الميدالية الذهبية في المسابقة العشارية وبات أول من يحقق هذه الثنائية الفريدة.
الوجه المضيء
أجرى سباق التجذيف في مياه السين، وعاد اللقب للمرة الثالثة إلى الاميركي جون كيلين، لكنه لم يصل يوما إلى شهرة ابنته غريس التي أصبحت أميرة موناكو. وأطلق على السباح جوني فايسمولر لقب «الوجه المضيء»، فهو أحرز بسهولة بالغة ذهبيات السباحة لمسافات 100 م حرة وفيه سجل رقما قياسيا كاسرا حاجز الدقيقة (59 ثانية)، و400 م حرة والبدل، ولو سمح له بخوض سباقات أخرى لفاز بها كما أوضح شخصيا.
والمعمرون الذين تابعوا منافسات حوض توريل آنذاك يصفون تلك الأيام بـ «التاريخية»، كان أسلوبه جديدا، ومثيرا يعوم ونصف جسده في الماء. هذا الشاب الأسمر البشرة (مواليد 1904) من أصل نمسوي كان حتى سن الثامنة يخاف من المياه ويخشى الاستحمام في مغطس المنزل. وصادف إن شاهده مدرب في شيكاغو ولفتت نظره قامته الممشوقة ويداه وقدماه الكبيرتان فـ «روض» روعه وحمله ليحصد لاحقا 57 لقبا اميركيا و62 رقما عالميا.
فايسمولر طرزان الشاشتين الفضية والذهبية، انطلق في السينما عام 1930، وتلقفته هوليوود لأنه كان يعرف العوم جيدا. اشتهر بصرخته المدوية في أفلامه أكثر من حواراته مع طرزان الصغير (جوني شيفيلد). وهو أحسن، هذه الصنعة وتألق في هذه الميزة. صرخة في البراري والأدغال «مخارجها» من العبارات المتداولة في جبال النمسا مسقط أجداده.
أبطال التنس
من مشاهير دورة باريس 1924 فرسان كرة المضرب الأربعة أبطال كأس ديفيس لاحقا. هنري كوشيه وجان بوروترا وجاك برونيون ورينيه لاكوست، الذين سعوا لان يتوجوا إبطالا أولمبيين. عام 1920، شارك كوشيه للمرة الأولى في دورة خارج مدينة ليون، حين تبارى في أيكس لي بين، وتابع إخبار الألعاب الاولمبية في أنفير، وتمنى إن يتوج مثل سوزان لانغلان وجوزف غيومو، يومها كانت النظرة إلى الاولمبيين بأنهم «سوبر أبطال».
وفي دورة باريس، بلغ كوشيه نهائي فردي المضرب مع البريطاني فنسنت ريتشارد، ما جعل الازدحام كبيرا على باب الملعب «ولو لم يعّرف عني أحدهم بعد انتظار استغرق 20 دقيقة لبقيت خارجا».
تقدم كوشيه في المجموعة الأولى 4-1 قبل إن يحرزها، وبين مّد وجزر تعادل اللاعبان بمجموعتين لكل منهما. كان الطقس حارا، وكوشيه يتصبب عرقا، فعمل كابتن الفريق ماكس ديكوجيس على تبريد جبهته بمناشف صغيرة مبللة بالمياه، لكن هذه اللفتة المنعشة انعكست وبالا عليه، إذ خارت قواه وتراخى اداؤه وخسر 2-3.
وفي الزوجي حّل كوشيه وبرونيون في المركز الثاني، وصمما على بذل الجهد والتعويض في دورة أمستردام 1928، لكن كرة المضرب حذفت من البرنامج. وإذا كان الانتصار الذي طال تحقق عبر كأس ديفيس وهي بالطبع رمز كبير، فان النظرة تختلف إلى الميدالية الاولمبية وسبق إن شارك برونيون في دورة أنفير التي شاهدت تألق ديكوجيس ولنغلان في الزوجي.
ويتذكر أن الاميركيين احتجوا يومها على خوضها المباريات بحجة أنها محترفة، «وأنا شخصيا استفدت من متابعة أدائها كانت تقنياتها عالية جدا، لاعبة لا تقهر قوية وحاضرة للتصدي والهجوم من مختلف الزوايا والخطوط». أما لاكوست فخاض وبوروترا نهائي ويمبلدون وبات الأخير أول فرنسي يحرز اللقب هناك، وتوجها للمشاركة في دورة باريس الاولمبية مرهقين، لكن صداقة كبيرة ربطتهما مع زميليهما دامت أكثر من 60 عاما.
ومن أحاديث الذكريات مع بوروترا نقتطف أسفه على حذف كرة المضرب من الجدول الاولمبي «بسبب إلتباسات الهواية والاحتراف، أعتقد أنهم كانوا على خطأ، واعتبر البعض إن كأس ديفيس تكفي لأنها قريبة من روح الألعاب، ولم يدركوا إن للألعاب الاولمبية نكهة خاصة ولا يجوز أن تطغى عليها الدورات الدولية الكبيرة، لأنها توسع القاعدة وتجعلها أكثر شعبية وديمقراطية».
(إ.ف.ب)

