ما حدث للمنتخب التركي في نهائيات يورو 2008 قصة يستطيع من حضرها أن يسردها لأحفاده ولأجيال قادمة دون أن تمل. بعد أن تابع العالم مبهوراً مشوار هذا المنتخب الذي لا يعرف اليأس أو المستحيل. هذا المنتخب ذهب لأداء لقاء نصف النهائي أمام ألمانيا في غياب تسعة من لاعبيه الأساسيين وقارع الماكينة الألمانية الهجمة بالهجمة بل وكان البادئ بالتسجيل ليعادل العملاق شوينستايغر فيتقدم الأتراك مجدداً فيعود كلوزه لإنقاذ الموقف قبل أن يحسمه فيليب لام في النهاية لتصعد ألمانيا إلى المباراة النهائية.

هذا السيناريو تناولته كافة صحف العالم الرياضية ومنها على سبيل المثال صحيفتا الـ «صن» و«الديلي تلغراف» البريطانيتان واسعتا الانتشار أسهبتا في وصف ما فعله الأتراك خلال البطولة وشرحت الصحف بالتفصيل مدى صعوبة الوضع أمام فتية المدرب فاتح تريم بعد كثرة الغيابات التي ضربت التشكيلة مرة بداعي الإصابات ومرات من فعل أيديهم وتسببهم في عدد من حالات الطرد والايقاف منها تعمد لاعبهم فولكان دفع التشيكي يان كولر ومعه ثلاث حالات إيقاف خلال فوزهم في الدور ربع النهائي.

ولم تفتقد تركيا فقط إلى عدد كبير من لاعبيها بل غاب عنها كذلك الخبراء في صناعة الفوز ودراية إدارة الفريق في مثل هذه المواعيد الكبرى وأولهم الكابتن ايمري هو ونهاد قهوجي نائب الكابتن ومعهم أردا توران أمل الكرة التركية الشاب وذكرنا هؤلاء الثلاثة على سبيل المثال لا الحصر ولو تغيرت النتيجة وفاز الأتراك على ألمانيا لكانوا دخلوا تاريخ البطولة من أوسع الأبواب ولسجلوا أفضل حالة فوز لفريق في كل العصور وفي كافة أنواع الرياضة.

ولتقريب الصورة نتخيل فريق شيكاغو بولز لكرة السلة وهو يكمل مشواره التاريخي خلال حقبة وسط التسعينات لكن بدون لاعبيه العمالقة مايكل غوردان، سكوت بيني ودنيس رودمان، وكذلك أن تفوز البرازيل بكأس العالم بدون بيلية وجارزينهو، توستاو وكارلوس البرتو، وهو أمر مستحيل بالطبع. عموماً لاشك أن تطور الكرة التركية كان رائعاً رغم أنها دولة تقبع في الظل في تلك البقعة من العالم، وكانت تركيا قد تأهلت عام 1996 لأول مرة لبطولة كبرى منذ العام 1954 حيث خرجت من الجولة الأولى. ولم يتمسك المسؤولون عن الكرة التركية بالمجد الذي تحقق في بطولة أوروبا 1996 بل عمدوا للتخطيط لمستقبل أفضل.

وبالفعل بعد أربعة أعوام تأهل المدرب فاتح تريم لنهائي كأس الاتحاد الأوروبي بعد أن أذاق أرسنال اللندني طعم الخسارة مع فريق غلطة سراي من ركلات الجزاء الترجيحية ولأول مرة كذلك العام وصل المنتخب القومي إلى مرحلة خروج المغلوب في البطولة الأوروبية.

كذلك عرفت اسطنبول بأنها واحدة من مدن أوروبا المشاكسة كروياً، وأذاقت عددا من الأندية الأوروبية الكبرى المرارة، أمثال ريال مدريد ومانشستر يونايتد التي عانت كثيراً على ملعب سامي ين، ومع دخول الألفية الجديدة تعلم الأتراك واعتادوا على الترحال إلى الخارج بحثاً عن المجد الكروي.

وخير مثال على ذلك العام 2002، عندما واصل المنتخب التركي النجاح إلى أن حصل على المركز الثالث في نهائيات كأس العالم في كوريا واليابان، وعندها أحرز هاكان شكور أسرع هدف مونديالي لكل الأوقات في مرمى اليابان ضمن مباراة تحديد المركز الثالث.

ثم واصل الأتراك تألقهم خلال كأس القارات 2003، لكن وفاة الكاميروني مارك فيفيان فوي غطت على هذا التألق، وخلال يورو 2008 أبدى العالم أجمع إعجابه بالكيفية التي أمسك بها الأتراك أعناق الخصوم وتعديل النتيجة لصالحهم في الثواني الأخيرة من المباراة، وهم يرفعون شعار «لا للاستسلام»، قبل أن ينحنوا أخيراً وبشرف أمام فتيان المدرب الألماني «لوف».

قال فاتح تريم مدرب المنتخب التركي إن خسارته أمام ألمانيا كانت بشرف، وإن المنتخب التركي قدّم أداء جيداً أمام منتخب أكثر خبرة، إلا أنه لم يكن كافياً لقهر كفاءة ألمان شافت. ورغم حزن تاريم على هذه الهزيمة في نصف النهائي، إلا أنه أكد أن لاعبيه ناضلوا نضالاً مريراً أمام ألمانيا.

معقباً: «أنا حزين جداً على الخروج بعد أن اقتربنا كثيراً نحو المباراة النهائية، وأعتقد أن لاعبينا استحقوا التأهل لها، لكن للأسف يبدو أن قدرنا هو إصابة مرمانا بأهداف في غاية السهولة، عموماً أعتبر أن فريقي شرّف الكرة التركية في هذا المحفل الكروي الكبير».

لوف: أوضحنا شخصيتنا القوية

سارع يواكيم لوف مدرب المنتخب الألماني إلى كيل المديح إلى فريقه ولاعبيه بعد الفوز المثير على تركيا في نصف النهائي وضمان الوصول إلى المباراة النهائية لبطولة «يورو 2008» الأحد المقبل. ورغم عدم تقديم المستوى المرتفع، نجح الألمان في التسلل إلى اللقاء الختامي بفضل هدف لاعبه فيليب لام في الدقيقة الأخيرة من عمر مباراة تركيا.

وكان المنتخب التركي قد حقق تقدماً مستحقاً بهدف في الدقيقة 22 من عمر اللقاء قبل أن يعادل شوينستايغر النتيجة لألمانيا، ثم وضع كلوزه منتخبه في المقدمة مجدداً، لكن التركي سامي أحرز التعادل قبل 5 دقائق من نهاية المباراة، وبعدها جاء الدور على المدافع الألماني فيليب لام ليضع اللمسة الأخيرة بهدف الفوز.

يقول المدرب لوف: «أبدى الفريق شخصيته القوية بعد التعادل بهدفين، ورغم ذلك كانوا واثقين من الفوز الذي تحقق، لكن بعد جهد كبير، بل ومرت لحظات لم نكن نحن الأفضل، عموماً كل شيء جائز في النهائي، كلنا مصممون على الفوز».

كلوزه: ينقصنا المزيد من الجهد

يعتقد ميرسلاف كلوزه أن على المنتخب بذل المزيد من الجهد والتطور إذا أراد الفوز بكأس «يورو 2008» وذلك بعد أن تأهل للقاء النهائي. واعترف كلوزه كذلك بأن الضغط التركي كان رهيباً عليه وعلى بقية زملائه، وأن عليهم الوصول إلى تركيبة جديدة خلال المباراة النهائية توصلهم إلى منصة التتويج كأبطال.

يقول كلوزه: «اقتربنا كثيراً من القمة، لكن لم نصلها بعد، والآن المهمة بين أيدينا، وعلينا بذل المزيد من الجهد إذا أردنا رفع الكأس، والأتراك لعبوا بالحديد والنار، وفوزنا عليهم يعني استعدادنا لمواجهة المخاطر للعودة بالكأس، لكن يجب تغطية كافة جوانب التي تنقصنا».

محمد سيف النصر