لم يكن حواراً عادياً بالطبع، فالشخصية تفرض نفسها في مثل هذه الحوارات، والشخصية التي أعنيها هي التي ستجعل كل الشارع الرياضي يجلس بهدوء ويقرأ جديد هذا الرجل الذي أثار خروجه واستقالته من اتحاد الكرة جدلا واسعا لم تحل الكثير من ألغازه، هذا الرجل الذي كان يوما من الأيام رجلا للمرحلة، ولكنه فجأة وبدون مقدمات أصبح رجلا خارج حسابات المرحلة كلها.

فالاتحاد الجديد دشن أيامه الأولى من العمل الرسمي بدونه - يوسف السركال - ولكنه وكما يعلم الجميع فجر قنبلته الشهيرة في الأيام الأولى من السنة الجديدة 2008، بإعلان انسحابه من العمل في الاتحاد معربا أنه أصبح مرتاح البال بعد هذا القرار، ولكن من دون أن يعلن للرأي العام وبشكل رسمي أسباب هذا الانسحاب، محاور كثيرة خرجنا من خلالها بهذا الحوار والذي سيكون على جزأين نقدم لكم اليوم الجزء الأول منه، فإليكم تفاصيله:

سؤال بنعم أو لا، هل يوسف السركال ضحية؟

لا لست ضحية، ضحية ماذا؟

للأحداث التي وقعت قبيل استقالتك والتي دفعتك لتقديمها؟

أنا قدمت استقالتي من قناعه وهذا أمر لم أعلنه من قبل ولكن بعض الشخصيات الرياضية تعرفها، فأنا قدمت الانتخابات السابقة من شهر أغسطس إلى يناير كي اخرج من الاتحاد وأعطي فرصتي لغيري ولم أقدم ترشيحي إلا في آخر لحظه بناء على أمر من سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وسموه هو من طلب مني ذلك ولم استطع أن أقول له لا فوافقت على طلب سموه.

رغم أني بالاتفاق مع سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية وهو يعلم كونه رئيسا للجمعية بأني لن استمر، وقبلت الاستمرار بناء على طلب سمو الشيخ حمدان بن محمد ولكن حينما صارت مشكلة لجنة الاستئناف وتوابعها من أحداث قيمت المعادلة وأيقنت أن الفترة المقبلة لم تعد تصلح لي و أنا لم أعد أصلح لها، فآثرت الخروج على الرغم من أني كنت رئيسا بالتزكية، وما حدث من اجتهادات ممكن أن تكون مثل كلمة حق يراد بها باطل ولذلك ارتأيت أن الفترة المقبلة لا تصلح لي وربما غيري يصلح لها فأنا لا أصلح للوضع القادم.

كيف لا تصلح؟

ستثبت الأيام بأن شخصاً مثلي لا يصلح لهذه الفترة والجميع يعرف ماذا اقصد، ويكفي!

هل «زهقت» من هذا الوضع؟

لم أزهق وتقييمي وتوجهي كانا سليمين وحين قيمت الأمور أيقنت بضرورة خروجي وبكل بقناعة ورضا، وتوقيتي كان صحيحاً وأنا راضٍ عما قدمته.

وبمحض إرادتك؟

(قال بحدة) وبمحض إرادتي 100% ولم يفرض علي أحد أي شيء وأتحدى أي شخص يقول اني سمعت توجيهاً أو أمراً للسركال بأن يتنحى ويقدم استقالته وأتحدى أيضا أي شخص يقول انه سمع بأمر خروجي أو أوعز لي بأن اخرج، فأنا وبمحض إرادتي وبكل أسلوب حضاري وراق اتصلت بسمو الشيخ عبد الله بن زايد والذي اعتبره مظلة لي وبكونه رئيسا للجمعية العمومية فاستأذنت منه استقالتي وخرجت والحمد لله.

وأضاف: أنا راضٍ عن كل شخص كان له دور في أن يكون سببا لخروجي سواء من داخل الاتحاد أو من خارجه أو من الإعلاميين «والله راضٍ عليهم» لأنهم أسدوا لي خدمة وأراحوني، ولن أقول انني أصبحت بعد ذلك متفرجا على الاتحاد ، بل معاونا لهم وأريد للاتحاد القادم أن ينجح لان نجاحهم سيعتبر نجاحا لي.

وكيف كانت ردة فعل سمو الشيخ عبد الله بن زايد؟

سمو الشيخ عبد الله بن زايد كان يعرف موقفي قبل تقديم الانتخابات وكان سموه يدرك أنني راغب بالخروج من الاتحاد ومن باب الأدب والذوق اتصلت به ولكن القرار في النهاية قراري مع التقدير لسموه.

البيئة في الوسط والأندية لم تساعدك على الاستمرار؟

بيئة الوسط الرياضي جيدة وليس بداخلها أي شوائب واللغط الذي يقال بهذا الخصوص غير صحيح، قد لا تناسبني هذه الظروف أو ربما أنا لا أناسبها وغيري قد يراها سيئة، ولكنها قد تناسب آخرين غيري، ولو كانت البيئة طاردة لم يكن سيبقى فيها احد، والأندية كلها تعاونت مع الاتحاد وهي مشجعة للعمل معها وهناك وعي فيها.

بعض المقربين منك أكدوا أنك «مرتاح» بعد استقالتك من الاتحاد؟

العمل في اتحاد الكرة ليس أمرا سهلا وتصاحبه ضغوط والضغوط ليست من الأندية بل ضغط العمل والمسؤولية نفسها وأهميتها وواجباتك تجاه الرأي العام، فالكل يطالبك بالنجاح وهذا يكفي كضغط وينطبق علينا المثل المحلي «كلما قطعت سيحا جاءك وادي»، وبالإجابة عن سؤالك: نعم ارتحت وارتحت وارتحت وانزاح عني ضغط كبير لم أكن أشعر به إلا حينما خرجت، وفعلا قلتها أنا ارتحت لأبعد الحدود بعد استقالتي من الاتحاد.

هل عملك في اتحاد الكرة منذ سنة 1990 لغاية 2008 أثر في حياتك الخاصة؟

نعم وبشكل مباشر، الذين كانوا معي في دائرة «بلدية دبي» حيث اعمل وصلوا إلى درجات إدارية عليا في حين فاتتني أنا، ولم أنل ترقياتي في الدرجات الإدارية بسبب انشغالي مع اتحاد الكرة، وفي العمل الخاص أسست عدة شركات وخسرتها والسبب أنني كنت غير موجود فيها وغير متابع لها.

والأهم من هذا كله «أبنائي» كبروا وأنا مشغول عنهم وحين قدمنا استقالتنا عام 2001 في مجلس إدارة الاتحاد السابق فرحوا «عيالي» بهذا الخبر كثيرا، وبعدما عدت إلى الاتحاد قبل 3 سنوات «تضايقوا» وبالأمس القريب حينما قدمت استقالتي قبل شهور قالوا لي أبنائي: أرجوك لا تعد مرة أخرى.

وذلك بسبب كثرة المشاغل والسفر والابتعاد عنهم، وحتى موظفي شركتي الخاصة فرحوا بقرار استقالتي وأصدقائي كانوا دائما يلحون علي بالتنحي بدعوى أنني حققت إنجازات كثيرة وعلي أن أخرج وأنا مرفوع الرأس، وصليت الاستخارة قبلها والله سخر لي الطريق بأن اخرج، وابتعادي لعله خير لي أو لغيري، و حين أقول أني مرتاح بعد ابتعادي فإني أضيف على ذلك فرحة عائلتي وأصدقائي ولا يوجد في قلبي ندم أو زعل على خروجي وضمير مرتاح مما قدمته.

البعض قال بعد استقالتك، ان خروج السركال بهذه الطريقة اكبر دليل على فشل عمل الاتحاد؟

نرجع للأمثال العامية وهذه المرة نقول «إلي ما يدانيك يخرب معانيك»، ومهما عملت لن يرى البعض أعمالك الصحيحة وأنا لا انظر لهذه النوعية من البشر، لنرى الواعين من الناس أصحاب الثقافة الرياضية والعاشقين للوطن وأرجو أن نقيم على آراء هؤلاء أما من يحاولون أن ينسبوا النجاح لغيرنا ويضللوا الرأي العام يجب ألا نلتفت اليهم وهم أعداء لكل من يعمل وهؤلاء في قلوبهم مرض.

هل تشعر انك قدمت كل أفكارك خلال هذه الفترة التي ترأست فيها الاتحاد أم أن الوقت لم يدركك لتطبيقها كلها؟

الحقبة التي جئت أنا فيها كانت حبلى بتغيير منظومة كرة القدم في القارة الآسيوية فسابقنا الزمن لنضع الأسس لكرة القدم من أجل الانتقال إلى الاحتراف، وأقولها بكل فخر بأنني أنا والمجموعة التي معي قدنا كرة الإمارات لهذه النقلة وقد يختلف من يختلف معي في هذا الكلام.

ولكن حين نعود إلى الحقيقة فإن النظام الأساسي للجان الاتحاد تغير في اتحادنا ونظام انتقالات اللاعبين والعقود واستحداث رابطة دوري المحترفين والعقود التسويقية الضخمة أبرمت في عهدنا وهذه الطفرة الكبيرة أحدثت في اتحادنا، وأضفنا على ما هو موجود من قوانين ومواد وقمنا بتطويرها .

وفي الجانب الفني وضعنا برامج إعداد للمنتخبات الوطنية كلها من المراحل السنية إلى المنتخب الأول، وخرجت من الاتحاد مرتاح الضمير ومن سيأتي بعدي عليه أن يكمل من حيث انتهينا ولا يتوقف ونريد الإضافة، فالنتائج لا تهمنا بقدر ما يهمنا أن يبقى النظام مهما تغيرت الشخصيات، ولو كان هناك فعلا من يقيم الأمور من منظور العمل والنتائج سيعطي أعضاء اتحاد الكرة الذين عملت معهم خمس نجوم لأنهم مجموعة اخلصوا العمل وأسسوا نهجا جديدا لكرة الإمارات.

.. وماذا أيضاً

هل توقعت وأنت تدخل الاتحاد كعضو عام 1990 أن تكون رئيساً له بعد ذلك؟

لا، ولم يكن حتى في بالي، ربما توقعت أن أكون نائبا للرئيس، والحمد لله نجحت مع المجموعة التي عملت معي.

هل ترى أن هناك سلبيات في اتحادكم السابق تستحق الذكر والوقوف عندها؟

ليس هناك عمل بدون سلبيات، وأي عمل ناجح يمر ببعض المواقف السلبية ولكن أخطاءنا وان وجدت ليس الظاهر الجلي منها واضحا وأنا حاليا لا أتصور وجود أخطاء كبيرة واضحة ولكن ربما يراها غيري.

هل أنت فخور «بالتركة» التي تركتها للاتحاد الجديد؟

ارجو أن يكون هنا التقييم بالسؤال، وسأجيب أنا عن سؤالك بسؤال آخر: ماذا أضفت أنا على «التركة» التي كانت قبلي؟ ارجو من الرأي العام أن يقيم وأنا متأكد أن الكثيرين سيقولون الحق.

حينما كان الجميع يهربون من إدارة اتحاد الكرة كنت أدرك انه من الممكن أن نصل يوما إلى مستوى عال على كافة الصعد وكنت متفائلا بالمستقبل وأرى معطيات لم يرها غيري ولو رأوها لما هربوا من العمل في الاتحاد، فمن كان يتوقع أن تحدث هذه النقلة خلال هذه الفترة الوجيزة، فالكل كان متخوفا من سوء أداء المنتخب ولكني كنت أراه إيحاء للنجاح والحمد لله شاءت الظروف ونجحت.

ماذا لو

لو تغيرت الظروف هل سيعود يوسف السركال رئيساً لاتحاد الكرة؟

أتذكر أني سئلت مرة هذا السؤال حين خسرت في تصويت للاتحاد الآسيوي منصبا في إحدى لجان الفيفا وقلت بعدها إنني أنهيت مشواري الرياضي لكن بعدها تراجعت وعدت، والإنسان يتعلم من الخبرات والأيام، ولا أحب أن أقول ان مشواري الرياضي محليا انتهى لأنني قد أعود يوما.

ولا أحب أن أقول بأني سأعود وأنا أساسا قد لا أعود، ولكن لو تسألني اليوم هذا السؤال فسأقول لك اني لا أريد العودة للعمل رئيساً لاتحاد الكرة وهي صفحة طويتها ولا أتمنى أن أعود، وقدمت لها كل ما عندي وأشبعت غروري ورغباتي من خلالها وعلى من سيأتي بعدي أن يكمل ما قدمته.

حوار ـ عمران محمد