تعرض الفنانة الفرنسية المصرية الأصل كاترين باخوم تيسنيه أعمالها هذه الأيام في غاليري «غرين آرت» الكائن في حي أنيق مطل على شارع الوصل بدبي، والزائر لهذا المعرض الذي يستمر حتى 26 مايو الجاري، يجد بعضاً من لوحاتها التي جلبتها معها مرصوصة كحبات اللؤلؤ في العقد الفريد على الجدران.
وتستوحي كاترين جدارياتها من التراث المصري، وحتى من المغرب العربي وأفريقيا ومن ذكرياتها الشخصية، فتبدو لوحاتها وكأنها حلم أو فانتازيا الحركة البعيدة عن السكون، ما يبعث في النفس إحساساً عميقاً بالحنين إلى بلد بعيد. في ذهن الطفلة كاترين ستطفو على سطح الذاكرة لتدون عشقها لكل ما هو قديم ولروح الشرق ، وبرز ذاك العشق في تلك الأجسام الراقصة التي تدون لحالة من الزهو المكسوة بالزهد وطيبة القلب. في قاعة «غرين آرت»، حيث تعرض كاترين أعمالها لغاية السادس والعشرين من الشهر الجاري، التقيناها وكان الحوار التالي:
ـ نلاحظ أن كل أعمالك تركز على نحت صور رشيقة لحياة الشرق؟
ـ الواقع أن صوري التي رسمتها تعبر بصدق عن ملامح الشرق ، وهي تصوير رشيق لأسلوب الحياة والمكان والملابس في البيئة الشرقية ، وهي إن صح التعبير أيقونات شرقية خالصة. وفوق كل شيء ليست نسخاً منقولة بل صور منتزعة من الخيال.
ـ لم نتعرف عليك في العالم العربي، فلماذا حجبت عنه فنك الرفيع، ما دام الشرق يسكن قلبك ومخيلتك؟
ـ لم أعزل نفسي عن الوطن العربي، بل أنني أنظم معرضا في القاهرة مرة أو مرتين في السنة، ولدي هناك علاقة وطيدة مع المشتغلين في الفن. وها أنا اليوم في دبي للمرة الأولى، وأعتقد أنني سأعرض لوحاتي هنا بصورة دورية.
ـ ما المدرسة الفنية التي تتبعينها في أعمالك؟
ـ كما ترى، فإن كل لوحاتي تصوير صادق لأطر تمثل الحياة في الشرق، سواء كان ذلك في الزي أو المكان. وصوري تمثل بيئة تكاد تنتمي إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وما تراه نزعة استشراقية، أي أن الجداريات منحوتة من أعمال تتأثر بفنون المستشرقين الذين رسموا في القرون السابقة أسمى الصور التي تمثل رونق حياة الشرق عموما وفي العالم العربي خصوصاً.
ـ هل تنبع لوحاتك من أحداث معينة، وهل تعكس مضامين أو قصصاً خاصة في ذاكرتك؟
ـ عندما أرسم لا أفكر قط بخلفية الحدث الذي أمامي، بل أدون بريشتي وأصابعي ما أراه، وليس مهماً عندي الأسباب أو النتائج النابعة عن سياق ذلك الحدث. والحقيقة إنني خلال تنفيذ مشروع لوحة أفكر أكثر بالألوان، وكيفية إبراز الأشكال بصورة معبرة ، ولا يهمني الحدث أو خلفيته على الإطلاق. المهم عندي إبراز حركة ما أو وضعية ما في المكان والزمان.
وترى الاهتمام باستخدام المادة هنا واضحاً لإبراز الثوب النفيس لهذا الرجل في لوحة الرجل الذهبي، حيث استخدمت غبار الذهب لجعله يبدو موشى بالذهب. كما أستخدم الباستيل، الشبيه بالطباشير، في رسم كل لوحاتي، وهناك القلة من الفنانين الذين يستخدمون الباستيل في الرسم. وتلاحظ أنني غلفت كل لوحاتي بالزجاج مع جعل فاصل بين الرسم واللوح الزجاجي، حتى لا ينطبع الرسم على الزجاج، والهدف الآخر حتى لا يضع أحد إصبعه على الرسم، فيتم تشويه الصور. إن صوري لا ترشدك إلى مكان بعينه كما لا تنبيء بطبيعة الأشخاص وهويتهم.
ـ لماذا تفضلين الرسم بألوان الباستيل على الألوان الزيتية؟
ـ بداية أحب استخدام مادة الباستيل لأنها تساعدني جداً على القيام بأعمال الرسم باستخدام أصابعي بدلاً من الفرشاة.
ـ متى بدأت هواية الرسم ؟
ـ عندما كنت طفلة، ودرست الفن أيضا في معهد الفنون الجميلة في باريس. وقد بدأت الدراسة في العام 1975. وإذا كانت الصور التي رسمتها شرقية، فإن المتبقى من مصريتي هي الطفولة أما الباقي فيطغى عليه الطابع الأوروبي. وقد بدأت أعرض لوحاتي في معارض فنية للمرة الأولى في العام 1991 في باريس. وبعد ذلك صرت أعرض لوحاتي في القاهرة، وقد أصبح ذلك نهجا عندي حيث أعرض في القاهرة كل عام بين 30 أو 35 لوحة جديدة.
ـ أخيراً، هل ورث أي من أبنائك عنك موهبة الرسم ؟
ـ لم يهو أي من ولدي فن الرسم، أما زوجي فهو فنان أيضاً ومصور محترف. وهو يمد يد العون لي، فنحن نسافر معاً ونلتقط الصور معاً.
كاترين باخوم بين القاهرة وباريس
تظل المسافات ، مهما بعدت ، قريبة جدا من وطن الآباء والأجداد ، وأقرب من حبل الوريد.تلك السمة الجوهرية في لوحات كاترين باخوم تيسنيه التي قرر والدها الهجرة إلى فرنسا في العام 1962، وعاد إليها لاحقا ليدفن في ترابها . ولم تكن كاترين ، المولودة لأب مصري وأم فرنسية في القاهرة في العام 1949، والمقيمة حاليا في فرنسا، لتنسى تجربة الطفولة وهي التي غادرت موطنها الأصلي ولم تكن تتجاوز عندئذ عامها الثاني عشر.
آمنة دباغ واختيار الفنانين
حول اختيار الفنانين والتنسيق معهم لعرض أعمالهم، تقول آمنة دباغ صاحبة غاليري «غرين آرت»: «معظم الفنانين الذين نعرض لوحاتهم سبق أن عرفت الكثير عنهم ، أما الذين لا نعرفهم، فنذهب إلى صالات عرض مثل «سفر خان» في القاهرة التي زرتها فأعجبتني لوحات كاترين، وقررنا تنظيم معرض للوحاتها.
ويعد هذا المعرض مشتركاً بين «غرين آرت» و«سفر خان». وحول تقييم الأعمال، توضح آمنة دباغ: «ينبغي أولاً أن أحب اللوحة، وأشعر بشغف نحوها وبعد ذلك أقرر الموافقة أو عدمها. وعلى سبيل المثال فإن كاثرين جديدة على دبي. لكنني فوجئت بأن هناك الكثيرين ممن يعرفونها في منطقة الخليج العربي، حيث اشترى أناس عدداً من لوحاتها عن طريق الانترنت».
شيرويت شافعي وسر المجيء إلى دبي
التقينا في المعرض الفنانة شيرويت شافعي التي قالت إن علاقتها بالفن بدأت حين ساهمت في إطلاق البرامج الثقافية والفنية في التلفزيون المصري منذ العام 1960 ولدى بلوغها سن التقاعد، أسست في القاهرة غاليري « سفر خان». التقيت آمنة دباغ صاحبة غاليري «غرين آرت» بالصدفة في القاهرة.
وقامت بزيارتي في الغاليري واتفقت معها على التعاون، فكانت البداية مع الفنانة كاترين باخوم تيسنيه التي أقنعتها بعرض أعمالها في دبي. ولعل أهمية أعمال كاترين يشير إليها رقم المبيعات الجيد الذي حققته من اليوم الأول لمعرضها إذ باعت خمس لوحات لمشترين من قطر والكويت.
دبي ـ محمد نبيل سبرطلي

