في ظل التصاعد المتزايد لتضخم الاقتصاد العالمي والضغط المستمر من المصارف على المستثمرين لتسييل أموالهم، لاسيما مع الأزمات التي تواجهها المصارف الأميركية والأوروبية بشأن قروض الرهون العقارية، فإن الأسواق التقليدية المتاحة للمستثمرين تتمثل في الأسهم والذهب. ومع تدني قيمة الدولار وفقدان الذهب لمكانته كاستثمار مضمون نظرا لاضطراب قيمته، فإن عددا من الشركات الأوروبية والأميركية طرحت سوقا جديدة للمستثمرين تتمثل في حقل الفنون التشكيلية والتطبيقية.
وتستند شركات الاستثمار الفني في دعوتها، إلى استثمار الأموال في أسواق جديدة وواعدة للفن، وبالتحديد الفن المعاصر الذي تم الترويج له منذ عشر سنوات حيث ارتفعت قيمة لوحات فنية معاصرة بنسبة قياسية تجاوزت قيمة اللوحات الكلاسيكية من عصر النهضة وما قبله، ومثال على ذلك، لوحة «القلب المعلق» للفنان المعاصر جيف كون التي بيعت في مزاد دار سوثبي في نيويورك في نوفمبر الماضي بمبلغ 23 مليون دولار أميركي. ومن المتوقع أن تباع لوحة الفنان المعاصر فرنسيس بيكون الثلاثية (تريبتيك) في الدار ذاته بقيمة 70 مليون دولار أميركي في شهر مايو المقبل.
أما الفنان والخبير في الأعمال الفنية ومالك عدد من صالات العرض الأميركي لاري سالندر الذي خسر جميع ما يملك اخيرا بسبب انتصاره للفن الكلاسيكي، فقد واجه العديد من الضغوط التي حالت دون افتتاح معرضه الأخير للفن الكلاسيكي الذي كان يجمع لوحات كبار الفنانين، كما يقول ان قيمة لوحة من لوحات الفنان الإيطالي الكلاسيكي بارميغيانينو النادرة لا تزيد حاليا على 10 إلى 12 مليون دولار أميركي وهو سعر رخيص مقارنة بأسعار بيكون.
الثقافة تتبع المال
ومن ضمن الشركات التي دعت للاستثمار في الفن المعاصر، شركة «ميريديان أرت بارتنرز» ومقرها في نيويورك وتستثمر أموالها في الفن المعاصر الآسيوي والروسي والشرق أوسطي وافريقيا وأميركا اللاتينية. ويقول أحد مؤسسيها أندرو ليتل جون «الثقافة تتبع المال»، ويعتقد أن المرحلة الراهنة هي الوقت الأمثل للاستثمار في الفن على الرغم من احتمال تعديل المقياس العالمي لأسعار الفن، ويؤكد قائلا «إنها الفرصة المناسبة لشراء أعمال فنية بأسعار متدنية». كما صرح للصحف أن أدنى مبلغ يمكن أن يدخل به المستثمر هو 250 ألف دولار أميركي.
ويقول الأخوان ميكي وسيرج تيروشي اللذان أسسا شركة «آرت بلاس» في بريطانيا التي اشترت اخيرا لوحة للفنان زانغ هوان في مزاد بقيمة 100. 16 جنيه إسترليني، لم تكن الاستثمارات الطويلة الأمد ذات فائدة جوهرية لسوق الفن مثل الآن آخذين في الاعتبار النسبة غير المتوقعة لنمو الثروات، والعولمة والشفافية. ويبحث الأخوان حاليا عن مستثمرين لجمع رأس مال بقيمة 200 مليون دولار لتطوير تجارة العائلة في الفن، آملين في إصدار أسهم لثلاثة وخمسة أعوام.
وتبعا لدراسة قام بها البروفيسوران الأميركيان جيانبينغ مي ومايكل موسز، المدرسان لمادة التجارة والأعمال في جامعة نيويورك، فإن المستثمر الذي يبحث عن ملجأ له من اضطراب الأسواق المالية، من المحتمل أن يجد في الفن ملاذا. وهو الأكثر أمانا للمستثمرين.
ويوضحان أن الذهب الذي اعتبر بالإجماع الاستثمار الآمن والمضمون قد قفز إلى أسعار خيالية. ومن أسباب ارتفاع سعر الذهب سعي المستثمرين للوقوف أمام التضخم والأسواق المضطربة. ويشير هذان الباحثان اللذان أسسا شركتهما «ميلموسز أول آرت إنديكس» المختصة بمختلف أوجه الفن، أن التاريخ أظهر لجوء المستثمرين إلى الفن أيضا في المراحل التي كان السوق المالي والوضع الاقتصادي فيها ليس واضحا أو مستقرا. ويؤكدان في دراستهما، أن الاستثمار في الأعمال الفنية ذات الجودة والقيمة العالية مثل الاستثمار في الذهب، ويمكن رؤية الفن كوسيلة للحماية من ضعف الدولار.
ازدهار واحتكار جديد
ومن الغرب الفاتح لأسواق الاستثمار في الفن إلى انعكاساتها على الحركة الفنية في البلدان الآسيوية، نشرت صحيفة كوريا تايمز تحقيقا في شهر فبراير الماضي يستعرض ما هو الأكثر شعبية وما الذي كان فاعلا في مشهد الثقافة لعام 2007، فتبين ظهور التمويل الاستثماري للفن ونموه في عام 2008. ويتجلى ذلك من خلال الاهتمام العالمي بفن آسيا المعاصر، لاسيما في الفن الصيني، وتشير الصحيفة إلى أنه من المتوقع أن تتحول دائرة الاهتمام إلى الفنانين الكوريين. وتبعا لذلك فإن العديد من الأثرياء الكوريين يرون جدوى الاستثمار في الأعمال الفنية.
ومثال على ذلك بيع لوحة الفنانة الكورية التجريدية لي أو فان بعنوان (من نقطة) بمبلغ 94. 1 مليون دولار أميركي في مزاد دار سوثبي للفن المعاصر في نيويورك، وهو السعر الأعلى الذي بيع فيه أي عمل لفنان كوري، كما تشير الصحيفة إلى ظهور العديد من مؤسسات التمويل الفني مع زيادة كبيرة في عدد صالات العرض الفني. أما في اندونيسيا ومع ازدهار اقتصادها الذي ارتفع بنسبة 32. 6% عام 2007، وهو أسرع نمو لها منذ عام 1996، فإن سوق الفن فيها يعيش حالة ازدهار ويقدم فرصا جديدة لمقتني اللوحات والمستثمرين.
ومن الملاحظ انعكاس الاهتمام العالمي بالفن في الشرق الأوسط من خلال ظاهرة تزايد عدد صالات العرض والمعارض الفنية إلى جانب قيام بعض المستثمرين بتمويل عدد من الفنانين وشراء أعمالهم كاملة ليقوموا بعرضها في معرض خاص بهم وبيعها بالأسعار التي يرتأونها.
وعن دور دبي الرائدة في رؤيتها المستقبلية واستباق الأحداث وصناعتها، قال مروان بن بيات، مدير الشؤون الثقافية والفنية في مركز دبي المالي العالمي، في ظل الأسواق الاقتصادية الجديدة والمنافسة العالمية في إطار الاستثمار في مجال الفنون، فإن مركز دبي المالي العالمي حاليا في مراحل تطوير وتنويع سلة الاستثمارات ومن ضمنها الاستثمار في الفن، حيث تم شراء مئات اللوحات ليتم الاحتفاظ بها كاستثمار بعيد المدى.
كما أضاف بشأن المعارض التي يشارك في تنظيمها المركز، تسعى دبي إلى سد الفراغ القائم في التواصل الفني ما بين الشرق والغرب من خلال قيامها بالربط أو لعب دور الوسيط، كما تساهم في احتضان الطاقات الشابة وفتح الفرص لها عبر مشاركاتها في المعارض، وفي ذات الوقت إطلاعها على التجارب الفنية للثقافات الأخرى من خلال المعارض الفنية التي تنظمها مثل المعرض السنوي العالمي «آرت دبي» إلى جانب مشاركتها في المعارض العالمية المتنقلة.
ومن المؤسسات الفنية العالمية السباقة في إطار الاستثمار في الأسواق الجديدة، دار كريستيز وهي أول دار مزادات علنية عالمية تقيم مقراً دائماً لها في منطقة الخليج وذلك عندما افتتحت مكتباً تمثيلياً في دبي في أبريل 2005. وقد نظمت دار كريستيز حتى يومنا هذا ثلاثة مواسم للمزادات في دبي، على أن يتم الموسم الرابع في ربيع وخريف 2008. كما أقامت دار كريستيز أربعة معارض فنية دولية عامة والعديد من المزادات الخيرية في أنحاء المنطقة، حيث جمعت خلالها 15 مليون دولار دعماً لقضايا إنسانية نبيلة.
رأي أهل الخبرة: نعم ولا
وقال مايكل جيها مدير عام دار كريستيز الشرق الأوسط الذي يتمتع بخبرة واسعة في مجال تجارة الفن لـ «البيان» عن مدى تأييده لفكرة الاستثمار في أسواق الفن: يؤمن العديد من خبراء الفن أن الفنون العربية والإيرانية لم تعط حقها من حيث الأهمية والقيمة مقارنة بسوق الفن الصيني والهندي. وهناك العديد من العوامل التي تؤثر بقيمة الأعمال الفنية وفي أي وقت. ومنها: النوع، والمصدر، والمحتوى وغيرها.
ويؤكد جيها أن دار كريستيز لا تعد مستشارا استثماريا، بل هي دار خبيرة بالفنون، ومن هنا فإن النصيحة الأهم التي غالبا ما تقدمها الدار للأشخاص هي شراء الأعمال الفنية والإبداعية التي يحبونها ويقدرونها. وعن قناعته إن كان الذهب استثمار أقل مخاطرة من الذهب في إطار الوضع الاقتصادي الراهن يقول جيها «يروق للعديد من الأشخاص الاستثمار بالفن، حيث انه يتميز بسمات خاصة ترتقي بنوعية الحياة التي يعيشونها، كما أنهم يفضلون مشاهدته على جدرانهم عوضا عن حفظه في أماكن خاصة».
دبي ـ رشا المالح

