في أمسية تميزت بألفتها الاجتماعية والأدبية، وضمت جمهوراً نوعياً في قاعة صغيرة، استضاف النادي الثقافي العربي في الشارقة الليلة قبل الماضية الشاعر اللبناني شوقي بزيع، حيث قرأ بعضاً من قصائده الغنائية والوجدانية القائمة على الإيقاع الشعري الذي يتضمن مجمل تجربة الشاعر في كل مجموعاته الشعرية.

ولا شك أن بزيع وهو يحاور جمهوراً متذوقاً للشعر، كان يدرك أن عليه أن يبث موسيقاه الشعرية في قصائد تم اختيارها بعناية، ولعل قصيدته «كيف لي أن أتم القصيدة» ابتعدت عن الحاضر لتلوّن الماضي بإيقاعات الطفولة والمكان القديم المكتنز بشفراته السرية الأليفة، التي يلجأ إليها الشاعر كمعين بعيد، لا يزال حاضراً ومتدفقاً عبر الشجر، الذي جعل منه رمزاً سامياً لمكان نفسي، وحاضنة أولى لا مفر من الانغماس في ثناياها البهيجة:

كل رؤيا إذن خاسرة

إذا لم ينمْ حبرها في سرير النباتات

حيث الطبيعة أم اللغةْ

والبصيرةُ بنت البصر

كل شعر هباء

إذا لم يكن بذرة في طريق الأعاصير

أو باقة من جموح

تعيد اختراع الحياة من الأصل

أو ساعياً لبريد المطر ..

لذا لن يتم القصيدة عني إذا متُّ

غيرُ الشجر ..

مثل هذا الغناء، جاءت القصيدة التالية «صوتها ضمة برق فوق نيسان» لخلق أطياف لونية وإيقاعية مشتقة من عالم الفنانة الكبيرة «فيروز»، وهي قصيدة تحتفي بهذا الصوت الذي يتوزع عبر مسارب وشفرات كثيرة.. وتمكن بزيع من إحكام سطوته الفنية في هذه القصيدة:

ليس صوتاً،

بل نهارٌ مشمسٌ بين شتاءين

وأنصاف بحيرات

وشلال خواتمْ

هو ما يجعلنا نبكي على ما لم يضع بعد

وما يجعل من قطعة موسيقى

أكاليل زهور

وشموعاً ومآتم

كلما انساب تراءت في مدى الأفق شبابيك فلسطين

وأشجارٌ معرّاة

وخيطان من النسيان

ترفو ما تبقى من حرير الأندلس

لتغني ينبغي أن نوقظ الموتى من النوم

وأن نطلق سهماً من عصافير على الشمس

وأن نرفق بالفجر تراتيلَ

وأعياداً جديدة ...

أما قصيدة «حنين» التي افتتح بها الأمسية، فهي قصيدة عن المرأة اللغة، المرأة التي تأتي ولا تأتي، وهي قصيدة ضاجة بالحب والجمال والطبيعة، كما هو ولع الشاعر بإيقاد جمرة الحب عبر المفردات الأثيرة التي تتغنى بالشعر والمرأة، في حين جاءت قصيدة «قمصان يوسف» تنويعاً أسطورياً تناغم مع الحدث القرآني، ولكن عبر تشكيل رؤية جديدة في استحضار هذا الرمز الديني، وتثوير طاقاته الكبيرة في خلق قصيدة معاصرة لها قوة الحضور والتمثل الفني القادر على البقاء والديمومة.

استجاب الشاعر لأسئلة مختلفة طرحت عليه، وأجابها بوضوح وألمعية، مستعيناً بمقدرة ثقافية قادرة على أن توفر غطاء شاملاً، لمجمل تجربته الثرية التي تمتد إلى سنوات طويلة، تكللت بثلاث عشرة مجموعة شعرية من أبرزها «قمصان يوسف» و «صراخ الأشجار» و«سراب المثنى» و «وردة الندم» و«فراديس الوحشة» و «شهوات مبكرة» و «لا شيء من كل هذا».

وختاماً أهدى الدكتور عمر عبد العزيز رئيس النادي الثقافي العربي درعاً تقديرية للشاعر، والتقطت صورة تذكارية جمعت الشاعر بزيع مع الفائزين بجائزة الشارقة للإبداع الأدبي وإدارة النادي.

الشارقة ـ وارد بدر السالم