تحيط بعملية الحفاظ على التراث الوطني الكثير من التحديات والصعوبات، متمثلة بالانفتاح الإعلامي وتحول العالم إلى قرية صغيرة، أو بالغزو الثقافي الممنهج الذي تعمد إليه بعض الدول الكبرى بهدف حماية مصالحها الاقتصادية أو حماية مصالح جديدة لها.. فما الوسائل الفعالة لانجاز عملية حماية التراث.. وكيف يمكن الاستفادة من القيم الجديدة الايجابية لدى الآخر في تطوير تراثنا وتعزيز هويتنا الوطنية؟ وكان سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي عهد ونائب حاكم الشارقة قد أكد عقب افتتاحه أيام الشارقة التراثية أن شعار «تراثنا رمز الهوية» يجسد فعلياً رسالة الأيام من خلال فعالياتها المتنوعة، ووفق توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، ليكون هذا العام هو عام الهوية الوطنية، حيث تتجلى مهمتنا في التعريف بمعنى الهوية، ومهمة ترسيخها في أذهان كافة أفراد المجتمع، مضيفاً أن ما تتضمنه الأيام من عروض يعكس عمق وأصالة التراث الإماراتي. كما يدل على أن القائمين على تنظيم هذه التظاهرة يدركون تماما ما يقدمونه للأجيال وللمقيمين والزوار، الذين يرغبون عادة لزيارة مثل هذه الفعاليات للتعرف على تراث البلد الذي يقيمون فيه.
وقال عبد العزيز المسلم مدير إدارة التراث والشؤون الثقافية والمنسق العام لهذا الحدث: «إن هذه التظاهرة الثقافية الحضارية، والتي تقام للعام السادس على التوالي تزامناً مع اليوم العالمي للتراث، تعمل على أكثر من محور، حيث تنتقي الأيام مجموعة من الفعاليات تحتفي بالتراث مع جمهورها عبر إبراز بيئات الإمارات المختلفة بأشكالها وتقاليدها، ليكون ذلك حافزاً للأجيال المستقبلية ليطلعوا على مفردات التراث». وأشار المسلم إلى «أن الواحد منهم يلتقط وبإثارة كل مفصل من مفاصل الهوية الوطنية للركن الذي يزوره، وبالمقابل تجد المشاركين في كل بقعة من هذه الأركان لا هم لهم إلا تقديم مفردات ثقافة وتراث وهوية الإمارات الوطنية في إطار من الإجلال والفخر والاعتزاز.
ذاكرة الزمن... وبين استثارة الزائر بالفضول والمعرفة، وفخر واعتزاز المتلقي تقوي العلاقات وتصبح أكثر التصاقاً بالتراث، إذ إن أيام الشارقة التراثية تسهم أيضاً في إحياء بعض الحرف والصناعات والمهن والتقاليد والمعارف الشعبية لتبقى في ذاكرة الزمن، ولكي لا تطويها عجلة النسيان. ويرى الدكتور يوسف عيدابي مدير دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة أن التراث يعزز الهوية الوطنية، لأنه وجه من وجوه الهوية الوطنية، ويقول: «من المهم في عصر العولمة، الحفاظ على التراث والإعلام والثقافة، كمثلث يضاف إلى التربية ليؤصل للفعل الوطني القومي. وبالتالي يكون من الضروري في البلدان حديثة التكوين كالإمارات، أن تعطي توثيق وتدوين التراث بمعناه الشامل أولويات المهام الوطنية الكبرى، لأن التراث المادي والقومي يتعرض للاندثار، وبالتالي تفقد الهوية ملامح مهمة جداً من الخصوصية والأصالة فيها».
وأكد الدكتور عيدابي أن الدعوة للحفاظ على التراث تستهدف بناء تيار عروبي إسلامي لاحتضانه في مواجهة تقلبات العولمة، التي لم تكتف بالجانب السياسي والاقتصادي، بل امتدت لتشمل الجانب الثقافي وأصبحنا نأخذ قيماً بعيدة عنا. وأضاف قائلاً:« في بنية المجتمع المادية يصبح من الضروري استقبال دعوة الأيام التراثية بفرح، خاصة الذين يلتزمون مبادئ العروبة والإسلام. ومن هنا تتشكل مظاهر الاحتفال بالتراث المادي والتقليدي والعادات والتقاليد والقيم والثقافات». ودعا عيدابي إلى الاهتمام بهذا التراث من خلال دراسته وتدوينه ووضعه في المناهج، حتى تشب أجيال وهي مستوعبة لقيمها وتراثها، وقادرة على استخدام التكنولوجيا، وتوظيفها بما لا يتعارض مع تراثنا.
وختم الدكتور عيدابي حديثه قائلاً: «أيام الشارقة التراثية هي فضاء نظيف للتعريف والعيش في قلب التراث لفترة نأمل أن تطول في أكثر من مظهر من مظاهر الثقافة في الإمارات، وأن تسير جنباً إلى جنب مع حركة التدوين والنشر، مؤكداً أن التراث لا يموت بل يتصل بالمستقبل فهو حي في الحاضر، ويتجذر من ماض سحيق، وينفتح على التكنولوجيا المعاصرة بما يتلاءم والقيم والمبادئ الإسلامية».
مد ثقافي
وقالت هند سالم علي المحمود رئيسة اتحاد طالبات جامعة الشارقة: «إن الهوية الوطنية التي نريدها ونهدف إليها، ليست مجرد كلمات نتغنى بها أو بطاقة شخصية نحملها، بل هي كما في تعريف صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «التعبير الشامل عن وجودنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا ولغتنا الوطنية». فالهوية مبدأ نؤمن به ونتمثله في حياتنا اليومية، ومن خلال التزامنا بديننا واعتزازنا بلغتنا وحفاظنا على مظهرنا وارتقائنا بسلوكنا، والمساهمة في تحقيق منجزات وطننا».
وأكدت هند المحمود على الهوية الوطنية التي لا تتأثر بالمد الثقافي والسكاني للجنسيات الأخرى، بل تأخذ من الآخر النافع المفيد، وتكون ثابتة على أصالتها لا تذوب في وعاء الآخرين».
أما أحمد عبيد المنصوري منسق عام برنامج «وطني» فيقول: «نحن موقنون أننا أمام تحد كبير، والتحدي لا تفرضه فقط تحديات التركيبة السكانية، بل إنه حتمي نظراً للمكانة الدولية المتزايدة للدولة». وأضاف قائلاً: «إن قوة الهوية الوطنية ستكون سر قوتنا في كون يتعولم باطراد، ودور دولتنا ينمو بشكل بارز».
مشيراً إلى أن دولة الإمارات في مقدمة الركب، لكن لا يمكن الاحتفاظ بتلك المقدمة، ما لم يع الأبناء حجم تلك المسؤولية العظيمة، أو أن يروا مدى أهمية مساهمتهم فيها أو يكونوا موقنين بأهمية اعتزازهم بجذورهم التراثية والثقافية والفكرية والاجتماعية. ودعا المنصوري إلى إعادة النظر في كيفية الحفاظ على الأسس الفكرية والثقافية والسياسية التي ميزت انطلاقة دولة الإمارات نحو العالمية وكيفية تطويرها، لتكون عوناً لنا في انطلاقتنا تلك، وداعمة لتميزنا في عالم تزدحم فيه الهويات وتختلف.
وخلص المنصوري إلى القول: «إن تعزيز الهوية الوطنية مسؤولية مشتركة، فالهوية ملك للجميع ويجب أن نعي جيداً أن ذلك ليس مهمة تلقى على عاتق جهة واحدة فهي ليست مسؤولية جهة حكومية أو منظمة مجتمع مدني بعينها، بل هي مسؤولية الأفراد والمؤسسات جميعاً».
تعزيز الهوية الوطنية ثروة حضارية
شدد أحمد عاطف سالم من كلية إدارة الأعمال في جامعة الشارقة في بحث له بعنوان المؤسسات المعنية بتعزيز الهوية الوطنية على ضرورة تحقيق التواصل الدائم مع الهوية بوصفها «ثروة حضارية»، وذلك على أسس رصينة ومنهجية تحسن قراءة النص والواقع، وتفهم حركة التاريخ وتدرك شروط الواقع وأولوياته، وتتطلع بوعي عميق إلى المستقبل، فتربط الماضي بالحاضر والحاضر بالمستقبل.
وتتوخى تحقيق تواصل علمي فعال مع الهوية عبر إزالة كل ما يمنع تجددها الدائم، أو تحول دون تكيفها مع الواقع النسبي المتحول باستمرار حقائق حياتية وتصرفات ومناهج سلوك وخطط عمل لحاضر يتحقق، ومستقبل قابل للتحقيق وإسهام فعلي في بناء حضارة الإنسان ومجده.
وأشار سالم إلى أن إدماج البعد الثقافي في العملية التنموية بأكملها، يؤكد أهمية التفاعل بين الثقافة والتنمية، ويرسخ الوعي بالأهمية الجوهرية التي تتمتع بها الثقافة في وضع سياسات تنموية ثاقبة، تضمن تحقيق تنمية بشرية مستدامة تتأسس على القيم الثقافية الوطنية الثرية، وتنفتح على ثراء التنوع الثقافي الإنساني وتطور الحياة.
استطلاع: نورا الأمير



