احتضنت مدينة غرناطة الاسبانية في الفترة بين 3-6 أبريل الجاري مهرجان «آي إن الحمراء» ـ «يوجد في الحمراء» المكرس لتبادل الأفكار والجمع بين الناس. وشهد هذا المهرجان حضوراً عربياً بارزاً مؤلفاً من أبرز الأصوات الإبداعية في الشعر والرواية والنقد الأدبي، إلى جانب عدد من المفكرين والمؤرخين، كما حظي هذا الحضور العربي المنوع بحفاوة اسبانية مميزة وبالغة الدلالة، بينما دعا أعضاء الوفد إلى ضرورة مواصلة رسالة الراحل الفلسطيني ادوارد سعيد في التكلم ومخاطبة الغرب لشرح وجهة النظر العربية في المحافل الثقافية في العالم.
والمعروف أن هذا المهرجان يعقد للمرة الأولى في هذه المدينة التاريخية ذات الماضي العريق، حيث غصت ساحاتها وقاعاتها وأمكنتها وقصورها التاريخية بالملتقيات الأدبية والمعارض الفنية والعروض المسرحية والسينمائية، وقائمة طويلة من أصحاب القامات في كافة هذه الميادين يتصدرهم بأول بريستون وأمبيرتو إيكو وخوان غويتيسولو وطارق رمضان ولويس غارسيا مونتيرو وفرانسيسكو أيالا بسنواته الـ 102. اللافت في المهرجان هو الحضور الكبير للكتاب العرب الذين طرحوا على بساط البحث والتأمل في المهرجان صورة الأوضاع المأساوية التي تعيشها بلدانهم وأعربوا عن ألمهم الشديد حيال المظالم التي يغص بها العالم العربي وتشكل مصدر إلهام لإبداعاتهم في آن معاً.
وذكرت صحيفة «الباييس» الإسبانية أن الكاتب اللبناني إلياس خوري روى في أروقة مهرجان غرناطة أن الفلسطينيين تعلموا العيش وسط الموت، مؤكداً أنه «عندما وصل الإسرائيليون في عام 1948 وأجبروهم على ترك بيوتهم، حيث لم يتمكنوا في حالات كثيرة حتى من دفن موتاهم، وأشار إلى روايته «بوابة الشمس» تغص بشتى أنواع التجارب التي مر بها الشعب الفلسطيني في مخيمات اللجوء والشتات.
الكاتب والشاعر مريد البرغوثي، الذي صدر له في إسبانيا كتابه «رأيت رام الله» عن دار «منشورات الشرق والمتوسط» قال: «منذ عام 1948 «يعيش أربعة أجيال من الشعب الفلسطيني في الخارج بلا أوراق ثبوتية ومشتتين حول العالم أو مكدسين في مخيمات للاجئين». وأعرب عن أسفه حيال فشل اتفاقات أوسلو بالقول: «فمنذ ذلك الحين، تضاعفت المستوطنات ثلاث مرات، مؤكدا انه «لا بد أن يأتي اليوم الذي يدرك فيه المعنيون أنه لا يتعين عليهم إلا فتح بوابة للعدل».
وتقر الكاتبة اللبنانية هدى بركات، التي صدر لها في إسبانيا رواية «حارث المياه» عن دار «بيلاكوا» ورواية «أهل الهوى» عن دار «سيتش بارال»، بأن كل ما كتبته «ينحدر من تلك المنطقة السوداء المرتبطة بالحرب الأهلية» وتضيف «من معايشاتي الذاتية للحرب، رأيت أن هناك لحظة يقوم فيها حتى من يرتكب أبشع الفظاعات بفعلته بينما يراوده شعور بالبراءة في ظل قناعته بأنه يدافع عن مجموعة مهددة في نهاية المطاف، فإن كل واحد يبتكر لنفسه شيفرة شخصية تضبط قيمه على إيقاع ذلك العالم العنيف بشدة».
أما الكاتبة المصرية رضوى عاشور، صاحبة ثلاثية «غرناطة» الصادرة في إسبانيا عن دار «منشورات الشرق والمتوسط»، تتذكر اللحظة التي استهلت فيها الكتابة وتقول «كنت أسمع دوي عمليات القصف التي تشنها الولايات المتحدة على العراق ورأيت منظر امرأة عارية، فشرعت بالرمي من هناك وخرجت الشخصيات، الحركة، مناخ التهديد» مضيفة أن «غرناطة هي استعارة لفظية للتعبير عن تجربتي الخاصة، وكذلك تاريخ فلسطين» مختتمة كلامها «أنا ابنة الهزيمة وأدرك أننا بنينا على ظل الموت».
الفوضى في العراق، العنف في فلسطين، الحرب الأهلية في لبنان. البحث عن قليل من العقلانية ولا عقلانية العنف، وضع العالم العربي برمته تفجر في غرناطة أثناء مهرجان «يوجد في الحمراء»، المراسلون تكلموا، والكتاب العرب تكلموا وكذلك الأسبان الذين يعرفون العالم العربي، على غرار خوان غويتسولو الذي تساءل عن ازدهار العنف القابع في النص الديني مدافعاً عن ضرورة التعاون مع أولئك الذين يقاتلون في تلك المناطق دفاعا عن القيم العلمانية.
على الرغم من هذه الصورة التي يعلوها السواد، إلا أن ليس كل شيء يعكس بالضرورة الألم. فالمصرية أهداف سويف، التي تكتب بالإنجليزية والتي لمع نجم شهرتها في عام 1992 عندما وصلت روايتها «خارطة الحب» ، الصادرة في إسبانيا عن دار «سلاماندارا»، إلى نهائيات الأعمال المرشحة لنيل جائزة «بوكر» في المملكة المتحدة، تحدثت عن مشروع يقوم على سرد ما يحدث مع امرأة جالسة على حافة البحر وعن إمكانية الغرق في السكينة التي تسكنها وعكس سلامها الدفين.
وعن تجربتها عام 2000 عندما أرسلتها صحيفة «الغارديان» إلى فلسطين لكي تروي ما كان يجري هناك تقول «من الضروري الترديد والترديد والترديد والمطالبة بصوت مرتفع بضرورة أن يتوقف ذلك الظلم» وقالت «لا أود مقارنة نفسي مع إدوارد سعيد، لكن الرجل توفي ويتعين على أحد ما مواصلة التكلم». وأضافت بلهجة ساخرة « لكن، ما هو تأثير الكاتب؟ منذ أن انغمست في المأساة الفلسطينية، في ديسمبر 2000، والأمور تسير من سيئ إلى أسوأ».
في غرناطة شارك كذلك الكاتب القادم من جنيف المصري الأصل طارق رمضان والمؤرخ المغربي حامد تريكي والبريطانية الأردنية الأصل فاديا فقير والشاب الكتالوني المغربي الأصل نجاة الهاشمي، من بين آخرين، ورجاء العالم، التي نشرت في إسبانيا رواية «الخاتم» الصادرة عن دار «خويرغا وفييرو»، إنها من مكة المكرمة، وتكلمت عن أمها، المرأة الأمية والحكيمة في آن.
وقالت «النساء كان لهن حقوقهن دائما في المملكة العربية السعودية، حتى لو لم يكن ذلك مرئيا»، والمعروف أن الكاتبة رجاء العالم تعيش بصورة مؤقتة في فرنسا. الروائي إلياس خوري أراد إعطاء المسألة بعداً آخر، فقال إن الحرب الأهلية في لبنان كانت مدرسة لاكتشاف إنسانيتنا ولمعرفة الرحمة، مضيفا كذلك علمتنا الوقوف إلى جانب المهمشين والفقراء. وهكذا أدركنا أن الأدب هو في المقام الأول محاولة لإعادة بناء الذاكرة.
إعداد: باسل أبوحمدة

