تموج الذاكرة أحياناً بأغنية نرددها دون أن ندري، أو معزوفة موسيقية نرتشف عذوبتها، وبين الأغنية والمعزوفة يأخذنا المدّ أحياناً إلى كلمات تمخر في ذاكرة الشعر، واللحظة، والسفر والحضور فتأبى إلا أن تسجل اسمها وشكلها وحضورها بأبدع الصور والأشكال..

وهذا ما حدث مع الشاعر محمد خليفة بن حاضر الذي جاء مودعاً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله، وكان ذلك في عاصمة الضباب لندن، في الخامس من أغسطس من العام 1996 فعاجله الشيخ محمد بن راشد ببيتين من الشعر عزفا لحن الوداع إذ قال سموه:

يا مَنْ أتانا على شوقٍ يُودِّعُنا

عند الفراق، ومحمولٌ على السفرِ

يا ابنَ حاضرَ إن الشعرَ رَيِّقُهُ

لديك كاللَّحنِ في أُنشودةِ الوَترِ

وظل الشعر يرسم قامته حتى قبض محمد بن حاضر على جمرته في باريس، بعد أربعة أيام فطرّز رده قائلاً:

عِقْدٌ من النَّظمِ في حَشدٍ من الصورِ

يفوقُ حسناً عُقودَ التِّبرِ والدُّررِ

كأنّما هو في التَّشْبيه فاتنةٌ

تَنقَّبتْ بالحيا والدَلِّ والخَفرِ

سارت بفتنتها الركبانُ حاديةً

حتى غَدتْ للسُّرى لحناً وللسّمرِ

هي المعاني، هي الألفاظُ طيِّبةً

تُمسي، إذا ما رعَاها صَائبُ النَّظرِ

أبو المعالي أبو حمدانَ جادَ بها

عِندَ الودَاعِ أَزالتْ وحْشَةَ السَّفرِ