«لست مصممة مجوهرات إنما صاحبة أسلوب». تقول الإيطالية ماريا دي توني لدى سؤالها عن انطلاقتها في عالم تصميم المجوهرات. وتوضح في حديث ل«البيان» على هامش مشاركتها في فعالية «تعبيرات الذهب 2008» للمجوهرات الذهبية الإيطالية قائلة: «أعني بصاحبة أسلوب أنني باحثة في الاتجاهات أو المفاهيم الثقافية والحضارية، وأستوحي من رموزها قطعاً من المجوهرات الخفيفة الوزن المشغولة بعناية، تحمل في كل تفصيل فيها ألف قصة وقصة».
دخلت ماريا دي توني التي بلغت العقد الخامس من عمرها، عالم المجوهرات في سن متأخرة نسبياً، فهي بالأساس تحمل شهادة دكتوراه في الآداب والحضارات من جامعة فيرونا. وتنعكس هذه الخلفية على مقاربة ماريا لعالم التصميم، فهي ليست كغيرها من مصممي المجوهرات تطلق تشكيلات تواكب الموضة والمواسم، إنما تذهب إلى ابعد من ذلك.تقول: «أريد من خلال عملي التأسيس لنهضة جديدة شبيهة بتلك النهضة التي عرفتها أوروبا قبل أكثر من 500 سنة. وتنعكس النهضة مهما كانت صفاتها ونوعها على حياة الإنسان ورفاهيته، كما ظهرت في الأشكال الجمالية العمرانية والفنية من رسم ونحت وأزياء ومجوهرات، وهذا ما حصل في تلك الحقبة في أوروبا».
وتشرح دي توني أهدافها بالقول:» نعيش اليوم في عصر غني بالتكنولوجيا وفقير بالفن والجمال، فقد تميز عصر النهضة بدعم الملوك في أوروبا للفنانين من رسامين ونحاتين وموسيقيين، وأدباء وشعراء وفلاسفة، بينما الأمر يندر وجوده اليوم لارتباط كل شيء بعالم المادة كحاجة السوق والمستهلكين والمردود التجاري».
أرادت ماريا من خلال عملها الذي بدأته قبل 4 أعوام إعادة إحياء رموز تلك الفترة وملامسة التفاعل الحضاري الذي عاشته إيطاليا، وبالتحديد مدينة «فيتشينسا» التي تحتل مرتبة متقدمة ومرموقة في عالم المجوهرات. وتقول:«إن الانتعاش الأوروبي في تلك الفترة كان سببه التفاعل مع العرب الذين حملوا إلى أوروبا الحرير والأحجار الكريمة والتوابل وثقافتهم، وأدى ذلك إلى ولادة جديدة لأوروبا».
وبعد هذا الشرح المستفيض، تتناول ماريا ملفاً كبيراً، كانت تحمله معها لتوضح بالصور ماهية عملها، وتضع عنواناً يجسد الفكرة التي ستعمل عليها مثلا مجموعة «royal renaissance» التي قدمتها فعالية «تعبيرات الذهب 2008 » للمجوهرات الذهبية الايطالية التي تجول العالم.
تعتقد ماريا أن المجوهرات ليست انعكاساً للرفاهية أو الفخامة إنما هي تعبير عن حضارة، لها رموزها الدينية والروحية والروابط الإنسانية. فعندما ترتدي سيدة قطعة ترمز إلى الفراشة عليها أن تدرك جيداً أن هذا الشكل يتعدى الحشرة التي يرمز إليها، فالفراشة هي رمز للجمال الحسي والتطور التدريجي من دودة إلى شرنقة، ثم حالة الانبعاث والوصول إلى الشكل الجميل المتمثل بالفراشة.
ولا ترى ماريا قيمة لأي تصميم إذا جاء خالياً من الروح والمعاني، إذ تعتقد أن العالم فقد الكثير من هذه الرموز على حساب الشكل، الأمر الذي جعل الأشياء سطحية ومادية. ولا يقصد بالاهتمام بالمعنى أن يتحول التصميم قطعة معقدة لا تمت إلى البساطة بصلة.
في جعبة ماريا 5 تشكيلات، لكل واحدة خلفية ثقافية عملت على تطويرها وتحويلها إلى قطع مشغولة بإتقان وهي: مجموعة شهرزاد، ومجموعة حريم السلطان تحمل رموز السلطة العثمانية والأثر الذي تركته على الثقافة الأوروبية، ومجموعة «محظيات البندقية» (Venetian Courtesan)، ومجموعة «النهضة الملكية» ومجموعة فلورنتينا».
وتعرف ماريا في أوساط صناع المجوهرات في ايطاليا وأوروبا بان أعمالها تحمل لمسات إنسانية وحضارية. قدمت بالتعاون مع المتحف المدني في فيتشنسا وبرعاية منطقة فينتو و«البلدة ومعرض فيتشنسا كتابا بعنوان «The Routes of Gold-Vicenza، Venice The Serenissima and the Orient» أرخت فيه بشكل دقيق بالتعاون مع مجموعة كبيرة من الخبراء والمتخصصين بينت فيه التفاعل الحضاري والإنساني الذي شهدته مدينة البندقية كطريق تجاري فاعل، وكيف تحولت إلى مدينة تشتهر بصناعة أجود أنواع المجوهرات.
تعمل ماريا حالياً على مشروع جديد متكامل فيه إلى جانب المجوهرات ملابس والأقمشة وغيرها عنوانه «Al Nahda in Luxury» تعمل من خلاله على اختيار وتطوير الرموز التي دخلت أوروبا من العالم الإسلامي. وحول كلفة المشروع، أشارت إلى بحثها عن دعم لتنفيذه ليبصر النور العام المقبل، إذ تبلغ تكلفته نحو مليوني يورو.
علماً أنه يمكن البدء بمبلغ صغير لتحضير النماذج الأولية للانطلاق به. تقول ماريا ختاماً: «إن مصدر الفخامة والرفاهية كان الشرق، علينا الاعتراف بهذا الجميل لأنه حق طبيعي، ويساهم في إنهاء الصراع القائم بين الشرق والغرب».
مجوهرات مستوحاة من الرموز الفنية والتاريخية
بدأت ماريا دي توني البحث في الرموز التي طبعت تلك الفترة مثل «الموناليزا» لليوناردو دافنشي ومنحوتة «ديفيد» لمايكل أنجلو وتاج «عذراء فونتينوفا» وميدالية «ملكة سبأ» للفنان بيرو ديلافانسيكا و«زنبقة» فلورنتين و«لغز الوردة الحمراء»، و«المفتاح الملكي» وغيرها من الرموز التي عملت عليها حتى خرجت بأشكال رائعة ومتطورة، وضعتها في أساور وعقود من الذهب خفيفة الوزن فيها الكثير من المعاني.
وثمة تشكيلة تجول ضمن فعالية «تعبيرات الذهب 2008» التي حطت أخيراً في دبي تحمل اسم «the favorite collection» مستوحاة من القرن الخامس عشر، والأثر الذي تركته الإمبراطورية العثمانية على جيرانها من خلال التجارة والعلاقات السياسية والحضارية.
دبي ـ كارول ياغي

