كلوديا كاردينالي تكشف عن كاحلها في صحراء تخلب الألباب. إنها تنظر إلى أفق يُخيّل لنا بعيداً ومسدودا في آن. تبدو ضائعة لكنها في غاية القوة والجمال.
هذه هي الصورة التي خلّدت بها عدسة المصوّر الفوتوغرافي الإيطالي الكبير آنجيلو نوفي تلك اللحظة، ولحظات أخرى دافقة بالجمال، حين رافق المخرج الراحل سيرجو ليوني خلال تصويره أفلامه المنتمية إلى تيار «السباغيتي ويسترن». كلوديا كاردينالي في هذه الصورة هي جيل ماكبين، الشخصية الرئيسية في فيلم «كان يا ما كان الويست»، الذي أدت بطولته إلى جانب عدد كبير من النجوم العالميين مثل هنري فوندا وتشارلز برونسون. صورة كاردينالي هذه أصبحت بوستر معرض كبير نظمته «سينماتيك بولونيا»، وضم عدداً كبيراً من اللقطات التي أنجزها نوفي خلال تصوير الفيلم، وأصبحت بدورها بمثابة تسجيل لما جرى وراء الكواليس خلال إنجاز الفيلم والأجواء التي أحاطت بتصويره.
عُرف عن أنجيلو نوفي أنه، وبعد سنين من إنجاز الريبورتاجات الصحافية في العديد من البلدان كالهند وإيران وهنغاريا وبلاد والشرق الأوسط تركيا وسوريا وإيران، اختص بتصوير الأعمال المسرحية والأوبرالية والسينمائية، ورافق العديد من كبار السينمائيين الإيطاليين مثل روسّلّيني وبازوليني ووكومينتشيني وبيرتولوتشي وليوني، وسجّل لحظات هامة من أعمالهم.
يقول مدير «سينماتيك بولونيا» جانلوكا فارينيللي: «كان آنجيلو نوفي مراسلاً كبيراً ومصوّراً مبدعاً عمل في فترة من حياته الإبداعية مصوّراً في مواقع تصوير الأفلام، وتميّز كونه وضع نفسه في خدمة المشهد. فعندما يقرر مصوّر كبير العمل في موقع تصوير فنان آخر يعلم جيداً أن عليه أن يكون رهن إشارة ذلك المبدع.
وأعتقد بأن أول ما يظهر للعيان من هذه الصور هو مقدار الانتباه الكبير الذي كان نوفي يوليه لعمل ليوني والنظرة الإنسانية والدفء الذي تابع به عمل ليوني ومساعديه والفنانين الآخرين الذين عملوا في الموقع. لذا فإن هذه الصور هي قبل كل شئ توثيق هائل لفترة استثنائية من تاريخ السينما.
عندما تمكّن فنان من منطقة «تراستيفيري» في روما القديمة استنباط شكل جديد لرواية ملحمة «الويست» وميلاد الولايات المتحدة بهذا الشكل الحداثي، جاعلاً منه مدرسة لكل من يرغب بإنجاز عمل، تدور أحداثه في الويست. فالاستلهام لا يأتي من جون فورد أو أوالد أوكس، بل من هذا «التراستيفيري» الروماني سيرجو ليوني».
اللقطات التي صوّرها آنجيلو نوفي كانت بمثابة «باك ستيج» لأعمال سيرجو ليوني، وتبرز مقدار الدقة التي كان يوليها ليوني لعمله وتواجده الدائم في موقع التصوير والدقة التي تعامل بها مع أصغر التفاصيل.
ويُضيف جيانلوكا فارينيللي قائلاً: «إن تلك اللقطات تبرز مرحلة أخرى لم تعد موجودة اليوم، مرحلة كانت فيها التكنولوجيا في خدمة الإنسان.
إنه عصر آخر من تاريخ السينما، العصر الذهبي الذي لا يتكرر ويبرز من هذه الصور أمور أخرى مثل العلاقة والحوار المتواصل في موقع التصوير بين الفنانين، المخرج ومدير التصوير ومصممي الديكور والملابس والممثلين. وما ميّز سينما ليوني، أي الحوار بين السينما الكلاسيكية والسينما الجديدة، الويسترن الجديد الذي بدأ باستنباطه هو شخصياً».
ويختم فارينيللي بالقول: «نحن أمام توازن متواصل بين الكلاسيكية والتجديد، وبهذا المعنى أعتقد بأن سيرجو ليوني هو المخرج الأول «ما بعد الحداثي» في تاريخ السينما، والمخرج الأول الذي بدأ العمل على أنقاض السينما الحديثة واخترع شيئاً جديدا».
صور آنجيلو نوفي تأتي بمثابة عين أخرى تُوثّق بأناقة كبيرة إنجاز سيرجو ليوني وتثمّن قدرته على تأسيس مشاهد لا تُنسى.
أما الصور التي خصصها آنجيلو نوفي للنجمة كلوديا كاردينالي فهي مُبهرة بشكل مُطلق. يقول جانلوكا فارينيللي: «أجل وهي بالإضافة إلى جمالها فإنها تُمثّل فرادة خاصة، لأن المرأة في أفلام الويسترن كانت دائماً موضوعة على الجانب، ومن النادر أن نرى صوراً بهذه القوة والحيوية والدراماتيكية والانسانية، التي تمكّن أنجيلو نحتها من مواقع تصوير الفيلم لكلوديا كاردينالي».
وما يبرز من الصور المعروضة في «سينماتيك بولونيا» من يوميات المخرج سيرجو ليوني، هو أننا أمام توثيق أنجيلو نوفي لسيرجو ليوني كصنائعي تمكّن بحرفيته العالية وبخياله الأخاذ استنباط تيار جديد من تيارات السينما العالمية.
عندما كان ليوني يصوّر أفلامه كان جميع العاملين في الفيلم، يبتعدون عن منازلهم لفترات طويلة للتصوير في اسبانيا أو في الولايات المتحدة، وكان الجميع يعيشون معاً كما لو كانوا قبيلة واحدة، وهو ما كان يولّد حالة من الألفة والرغبة في العمل معاً بطريقة استثنائية.
وغالباً ما كان ليوني يخلط أفراد الفريق من جنسيات مختلفة إيطاليين وأجانب، وأحياناً كان يستخدم ممثلين منسيين أو ممثلين في مقتبل الطريق ومجهولين في الولايات المتحدة ،كما هي حالة كلينت إيستوود. كان يخلط الفريق الأجنبي مع وجوه إيطالية بكل معنى الكلمة. وجوه تأتي من ضواحي روما أصبحوا بمرور الزمن أبطالاً حقيقيين للويست.
روما ـ عرفان الزهاوي

