للمرة الأولى يزور شارقة الإمارات، يوزع قصائده للشتات مرة وأصابعه للسنابل، أجفانه التعبى للأرق، عرق لذاك القلب، بنفسجة لتلك الصبية، مرة في القصيدة/ لو شئت لي وطنا/ كان يكفي لكي نتلاقى/ مرة.. / مرة في المواويل/ أو في العويل/ مرة في الصباح القتيل/ مرة في الرصاص الذي أورث الدم../ جيلا فجيل.

وحين تصير الطوائف خرائط للأمة، يوزع جغرافيا روحه على الآيات المتناسخة، ويلملم الحنين بين غربته واغترابه، يعود مع مطر المنافي إلى مر الذكريات عزائه الأخير. مطر بلندن/ لا الطريق تدلني للبيت/ لا جرس يرن بأخريات الليل/ لا ريح تدق الباب/ أين أضعتهم؟ / أصحابك الماضون بالكلمات/ يفترشون أحلاماً ولا ينسون أياماً/ قضيناها على ضوء الفوانيس الشحيحة.

إنه الشاعر العراقي عدنان الصايغ، ضيف الشارقة في النادي الثقافي العربي، عبر أمسية أحياها مساء أول من أمس، قدمه فيها الشاعر والإعلامي حميد قاسم، وسط حضور مميز تناغم مع شدوه لأحزانه بعيداً عن الطقس النواحي، وقريباً من المس الشفيف لأعتاب القلب.. حزن عميق في البوح عن الذكريات، وفي التغزل بالحبيبة، وفي الحنين للوطن، وفي وصف المنافي.. فكيف في دمل جرح الحرب.

أين حبيبتي؟/ علست أغانيها الحروب/ فلم تعد شرفاتها مفتوحة إلا لذكر الموت والترحال/ ما فينا سيكفينا/ ويكفينا بكاء منذ ألف/ فوق ناصية الفرات/ المضرج بالنبال وبالدموع/ تعبت من تاريخنا، من نفطنا، من لغطنا.

وإن كانت الموسيقى تشاكس الإلقاء تارة وتتشابه في المقاطع تارة أخرى، إلا أن الشاعر نوّع في قصائده مكثفاً للمعنى الدلالي والاصطلاحي للمفردة من جهة، وللبعد الفلسفي الفكري من جهة ثانية، فاسبغ على أمسيته سكوناً أخاذاً سيده الإصغاء في محاولة للوصول لأسئلة جديدة من تشظي المعاني والصور بدراية وحنكة وتلقائية، فالصايغ سيد تداعياته، أكان في فتح صورة جديدة لصورة اقتربت من الاكتمال، أو بطرح تأويلات جديدة لفكرة أغلقت أو معنى اكتفى بذاته..

وكل ذلك عبر تحولات جعلت المنافي منها دفاتر للأوجاع، وجدل بلورته الشفافية بين تضرع الذات وجرح الوطن وقهر الطغاة. كم دعوات حرّى/ تتصاعد يومياً من أنفاسِ الناسْ/ لكن لا أحدَ / حاولَ أن يصعدَ/ في معناهُ إلى رؤياهُ/ ليريهِ/ ما عاثَ طغاةُ الأرضِ/ وما اشتطَّ الفقهاءُ/ وما فعلَ الحراسْ.

مع ابتعاد الشاعر عن «الكربلائية» التي باتت تشكل سمة عند أغلب الشعراء العراقيين، إلا أن حزنه الشفيف على العراق ظل حاضراً بين السطور خلف الأبواب المواربة، عند فتاة الأناناس أو داخل حقائب السفر.

عندما الأرض/ كورها الرب بين يديه/ وقسم فيها: اللغات، البنات، الطغاة، الغزاة، الحروب، الطيوب، الخطوط، الحظوظ، اللقاء والفراق/ ووزع فيها: العباد، السواد، الوصايا، البلاد،، الحواس، الجناس، الطباق/ اعتصرت روحه غصة/ فكان العراق

الشارقة ـ محمود أبوحامد